اندبندنت عربية
ملخص
تدفع “ميتا” بمئات المليارات إلى سباق الذكاء الاصطناعي سعياً إلى امتلاك المنصة التكنولوجية المقبلة، لكن انهيار تدفقها النقدي يثير شكوك المستثمرين في قدرة زوكربيرغ على تحويل هذا الإنفاق الضخم إلى أرباح مستدامة. وبين إخفاق الـ”ميتافيرس” ومخاوف الخصوصية والمنافسة الصينية المتصاعدة، قد تحدد هذه المجازفة ما إذا كانت “ميتا” ستقود عصر الذكاء الاصطناعي أم تتحول إلى بطل إحدى الثورات التكنولوجية الماضية.
لم تحظ نتائج “ميتا” الفصلية، التي كشف عنها مارك زوكربيرغ يوم الأربعاء، بـ”إعجابات” كثيرة في أوساط “وول ستريت” المالية.
ويبدو أن المستثمرين يزدادون حيرة في شأن ما إذا كانت مقامرة زوكربيرغ الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي ستثبت عبقريته وتضمن مستقبل شركته التي تبلغ قيمتها تريليون دولار، أم ستتبين في نهاية المطاف أنها أغلى رهان في تاريخ الشركات. وزوكربيرغ، البالغ من العمر 42 سنة، هو المؤسس المشارك ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركتي “ميتا بلاتفورمز” و”فيسبوك”.
ولا تزال أعمال “ميتا” الرئيسة، “فيسبوك” و”إنستغرام” وإمبراطوريتها الإعلانية، تتمتع بقوة هائلة. فقد بلغت الإيرادات نحو 61 مليار دولار في الربع الثاني من العام، متجاوزة التوقعات، في أداء كان كفيلاً في السابق بأن يحظى بإشادة واسعة من المستثمرين.
ولكن “ميتا” تمر اليوم بمرحلة غير عادية.
لم يعد تقييم الشركة يقتصر على كونها عملاقاً في مجال التواصل الاجتماعي، بل باتت تُقيَّم بوصفها شركة ذكاء اصطناعي. ويتساءل مساهمون عما إذا كان إنفاق زوكربيرغ الهائل، إذ يضخ مئات المليارات من الدولارات في تطوير ذكاء اصطناعي يتفوق على البشر، سيقود إلى بناء المنصة التكنولوجية الكبرى المقبلة، أم سيبدد ببساطة ثروات طائلة.
وكان أكثر ما أثار قلق المستثمرين التراجع الحاد في التدفق النقدي الحر، أي السيولة المتبقية للشركة بعد تغطية نفقات التشغيل والاستثمار، إذ هبط خلال الربع الثاني إلى 784 مليون دولار فقط، مقارنة بـ8.5 مليار دولار قبل عام.
وبالنسبة إلى شركة كانت تحظى بإشادة واسعة باعتبارها إحدى أقوى الشركات المدرة للسيولة في العالم، يمثل هذا الانهيار الحاد في التدفق النقدي الحر تحولاً جذرياً. فـ”ميتا” تتصرف اليوم كشركة ناشئة تراهن بكل ما لديها على مستقبل لم يأتِ بعد، أكثر مما تتصرف كشركة تكنولوجية بلغت مرحلة من الاستقرار والرسوخ.
في الواقع، ينفق زوكربيرغ مليارات الدولارات على مراكز البيانات، وقدرات الحوسبة، واستقطاب الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي، في محاولة لمنافسة الشركة الأم لـ”غوغل”، “ألفابت”، و”أوبن أي آي”، والعدد المتزايد من الشركات التي تتسابق للهيمنة على الحقبة التكنولوجية المقبلة.
وفي واشنطن، يطرح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن أي آي”، حجة مماثلة، محذراً أعضاء الكونغرس من أن تطوير الجيل المقبل من نماذج الذكاء الاصطناعي، بما ينطوي عليه من رهانات كبرى، سيتطلب استثمارات هائلة في البنية التحتية والطاقة وقدرات الحوسبة.
ويخشى زوكربيرغ ببساطة أن تجد “ميتا” نفسها خارج الثورة التكنولوجية المقبلة.
والحال أن الشركة تمتلك بعضاً من أكثر المنصات الرقمية تأثيراً على الإطلاق، ولكنها لا تزال تعتمد على أنظمة تشغيل وأجهزة يتحكم بها آخرون.
وقد أظهرت “أبل” بالفعل خطورة هذا الاعتماد، إذ قيدت تغييراتها المتعلقة بالخصوصية وصول “ميتا” إلى بعض بيانات الإعلانات، وأثرت في قدرتها على تتبع المستخدمين عبر الإنترنت. وبالنسبة إلى زوكربيرغ، كان الدرس واضحاً: من الخطر بناء إمبراطورية عالمية على أسس يملكها الآخرون.
ويفسر هذا الواقع سعي “ميتا” المتكرر إلى إيجاد منصتها التكنولوجية الكبرى التالية.
وكانت المحاولة الأشهر في هذا المضمار الـ”ميتافيرس”، ذلك العالم الافتراضي الذي كان يُفترض بنا جميعاً أن نرتدي فيه خوذات الواقع الافتراضي ونتفاعل من خلال شخصيات رقمية (آفاتار). وعلى رغم أن هذا المشروع التهم مليارات الدولارات، فإنه أخفق في جذب اهتمام الجمهور.
وقد حل الذكاء الاصطناعي الآن محل الـ”ميتافيرس” بوصفه الشغل الشاغل الأكبر لزوكربيرغ على الصعيد الاستراتيجي.
في المقابل، تبدو فرص نجاح نظارات “ميتا” المدعومة بالذكاء الاصطناعي أكبر، إذ تشهد مبيعاتها ارتفاعاً، وقد تصبح التكنولوجيا القابلة للارتداء بوابة مستقبلية إلى المساعدين الشخصيين المدعومين بالذكاء الاصطناعي. وإذا كانت الهواتف الذكية قد صاغت ملامح الثورة التكنولوجية السابقة، فإن زوكربيرغ يراهن على أن النظارات ستصوغ ملامح الثورة المقبلة.
ولكن المشكلة أن هذه النظارات ليست أجهزة “آيفون”.
ربما يرحب المستهلكون بأدوات الذكاء الاصطناعي التي تسهل عليهم حياتهم اليومية، ولكنهم ربما يكونون أقل حماسة تجاه الأجهزة التي تمنحهم شعوراً بأنهم تحت المراقبة الدائمة. فما مدى شعورك بالراحة وأنت تتناول لوحاً من الشوكولاتة داخل الحافلة، بينما قد يكون الشخص المقابل لك، بنظارته الذكية، يسجلك خلسة؟
في الحقيقة، لطالما استهانت شركات التكنولوجيا بأهمية ثقة المستخدمين بها.
ويتمثل التحدي الذي تواجهه “ميتا” في أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في “وادي السيليكون”. فقطاع التكنولوجيا السريع التطور في الصين يكتسب بدوره مكانة منافس جدي، على رغم المحاولات الأميركية للحد من وصول الصين إلى الشرائح الإلكترونية والأنظمة المتقدمة.
وقد انتقد زوكربيرغ بعض جوانب النهج الذي تتبعه واشنطن، معتبراً أن على الولايات المتحدة أن تنافس من خلال الابتكار بدلاً من الاعتماد على القيود وحدها. كذلك أبدى دعمه لنماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة، تتيح للمطورين تعديلها وتشغيلها بأنفسهم.
ولعل اللافت في هذا الموقف أنه يصدر عن رئيس “ميتا”، الشركة التي بُني نجاحها على السيطرة على المنصات الرقمية وشبكات المستخدمين. ولكنه يعكس في الوقت نفسه واقع الذكاء الاصطناعي الحالي: فالرابحون في هذا السباق ربما لا يكونون ببساطة أولئك الذين يمتلكون الميزانيات الأضخم، بل أولئك الذين ينجحون في استقطاب أوسع مجتمع من المطورين والمستخدمين.
ومن هنا يبرز سؤال لا يبعث على الارتياح: بالنظر إلى ما نعرفه عن “ميتا”، أيهما ينبغي أن يثير قلقنا أكثر: طموحات الصين في مجال الذكاء الاصطناعي أم طموحات “ميتا”؟
وتراجعت هذا الأسبوع أسهم شركات رقائق الذكاء الاصطناعي، ومنها “إنفيديا”، بعدما تبين أن شركات صينية كبرى حققت اختراقات تقنية قد تخفض الأسعار وتضع حداً للاحتكارات العالمية في تصنيع المكونات الحاسوبية.
وجاءت هذه الأنباء في وقت كان قطاع الذكاء الاصطناعي لا يزال تحت وقع الصدمة بعد الكشف عن أن نسخة تجريبية من الجيل المقبل من “تشات جي بي تي” تمكنت، أثناء خضوعها للاختبار، من الوصول إلى شبكة الإنترنت ومهاجمة أنظمة منافسة. وليست هذه مجرد أوهام من الخيال العلمي، بل هي تذكير بأن التكنولوجيات التي لا تنفك تزداد قوة قد تفضي إلى أخطار لا يدرك مطوروها أنفسهم أبعادها بالكامل.
ولكن بالنسبة إلى المستثمرين، تبدو العملية الحسابية بسيطة: هل يستطيع زوكربيرغ تحويل إنفاق مئات المليارات من الدولارات إلى ميزة تنافسية مربحة؟
يرى بعض المحللين أن زوكربيرغ قادر على ذلك بالفعل، إذ تمتلك “ميتا” نقاط قوة استثنائية: مليارات المستخدمين، وإيرادات إعلانية ضخمة، فضلاً عن القدرة المالية الكبيرة التي تتيح لها مواصلة الاستثمار في وقت قد تعجز فيه شركات أخرى عن مواكبة هذا الإنفاق.
غير أن الشكوك بدأت تتزايد، فالشركة التي دأبت في السابق على تحقيق أرباح مستقرة ومتوقعة، تطلب من مساهميها اليوم الإيمان بمستقبل يقوم في معظمه على الوعود. أما رد زوكربيرغ، فهو التفكير على نطاق أوسع، بل أوسع بكثير.
يتحدث زوكربيرغ عن “الذكاء الاصطناعي الفائق”، وعن مساعدين شخصيين قد يصبحون رفقاء دائمين لنا، يساعدوننا في تنظيم حياتنا والإجابة عن أسئلتنا.
إنها رؤية استثنائية بلا شك، ولكنها تثير أيضاً سؤالاً آخر: هل نريد حقاً لشركات التكنولوجيا أن تتحول إلى المديرين الخفيين لتفاصيل حياتنا اليومية؟
لا ريب أن “ميتا” لا تزال واحدة من أعظم قصص النجاح في عالم الشركات في العصر الحديث. ولكن كون الشركة أكبر الرابحين في إحدى الثورات التكنولوجية لا يعني تلقائياً أنها ستتصدر الثورة التالية.
والخطر الذي يواجهه زوكربيرغ لا يتمثل في اختفاء “ميتا”، بل في أن تتحول إلى بطل الأمس، أي الشركة التي تصدرت مجال التواصل الاجتماعي، ولكنها أخفقت في السيطرة على الذكاء الاصطناعي.
إنها مجازفة تحبس الأنفاس، فإذا كان زوكربيرغ على حق، تصبح “ميتا” إحدى الشركات التي سترسم ملامح عصر الذكاء الاصطناعي. أما إذا كان مخطئاً، فقد يتساءل المستثمرون عما إذا كانت مئات المليارات من الدولارات قد أُنفقت في السعي وراء مستقبل لم يتحقق قط.
يا “سيري”، هل يمكنك أن تدليني على المخرج؟
© The Independent
