يُعدّ محمّد الجاسم، المعروف بـ”أبي عمشة”، واحداً من أبرز قادة الفصائل السوريّة التي عملت لسنوات تحت مظلّة “الجيش الوطنيّ” المدعوم من تركيا. وانتقل بعد سقوط نظام بشّار الأسد من قيادة فصيل “السلطان سليمان شاه” إلى قيادة الفرقة 62 في الجيش السوريّ الجديد، محتفظاً بجزء كبير من قوّاته وشبكة نفوذه القديمة.
لذلك لا يبدو نقله من قيادة الفرقة إلى منصب نائب قائد فيلق المنطقة الوسطى ترقية عسكريّة روتينيّة. فالمنصب الجديد أعلى من حيث التسمية، لكنّه يبعده عمليّاً عن القيادة المباشرة للألوية والعناصر ومناطق الانتشار التي صنعت قوّته، ويضعه تحت سلطة قائد الفيلق ووزارة الدفاع.
تعني تنحية “أبي عمشة” عن قيادة الفرقة ووضعه في منصب أقرب إلى الشرفيّ، انتهاء مفعول الأهزوجة التي طالما ردّدها أنصاره: «أبو عمشة القيادة تلبق له السيادة”، إذ بقي اللقب، فيما ذهبت القيادة التي عبّرت عن الزعامة. غير أنّ أهميّة القرار لا تتوقّف عند مصير الرجل، وإنّما تتّصل بمحاولة وزارة الدفاع تفكيك التشكيلات الفصائليّة وإعادة تركيبها داخل جيش مركزيّ يخضع لسلسلة قيادة واحدة.
اندماج شكليّ وولاءات قديمة
أظهرت كواليس الاستنفار العسكريّ الأخير أنّ دمج الفصائل في وزارة الدفاع ما يزال غير مكتمل. فعندما طرحت الوزارة تغيير قادة ألوية ورؤساء فروع وإعادة توزيع الوحدات، رأى بعض قادة الفرق في الخطوة محاولة لتقليص سلطتهم وتفكيك دوائر الولاء التي حافظوا عليها داخل تشكيلاتهم.
جاء الردّ عبر رفع الجاهزيّة وحشد العناصر، من دون تحريك السلاح الثقيل، في رسالة ضغط محسوبة على الوزارة. وكشف ذلك أنّ دخول الفصائل إلى الجيش بأسماء ورُتب جديدة لم ينهِ بنيتها الداخليّة، إذ بقيت العناصر والموارد والوحدات مرتبطة بالقادة السابقين. ففي أيّ جيش مؤسّسيّ لا يملك قائد فرقة رفض إعادة توزيع الألوية أو استخدام الجاهزيّة العسكريّة للتفاوض على التعيينات.
غير أنّ تشكيل قيادات الفيالق يثير سؤالاً موازياً عن طبيعة المركزيّة التي تسعى وزارة الدفاع إلى فرضها. فجميع المرشّحين لقيادة الفيالق الخمسة كانوا، في الأساس، قادة عسكريّين في ألوية تابعة لـ”هيئة تحرير الشام”، وفي مقدَّمهم هيثم العليّ (أبو مسلم آفس)، وأحمد الجاسم (أبو محمّد شورى)، وعوّاد الجاسم (أبو قتيبة الشامي)، وعمر جفتشي (مختار التركيّ)، ومنير الشيخ (أبو أسامة منير). وقد مُنح هؤلاء رتبة عميد بعد سقوط نظام بشّار الأسد.
يعني ذلك أنّ تفكيك نفوذ قادة الفصائل السابقة قد يترافق مع تركيز القرار العسكريّ في أيدي مجموعة متقاربة في خلفيّتها وتجربتها وعلاقتها بالقيادة الجديدة. لذلك لا يقتصر الاختبار على إخضاع “أبي عمشة” وأمثاله لسلسلة قيادة مركزيّة، وإنّما يشمل أيضاً قدرة الوزارة على بناء مؤسّسة وطنيّة لا تستبدل تعدّد الجيوش الصغيرة بهيمنة دائرة عسكريّة واحدة.
قد يبدو منصب نائب قائد الفيلق أعلى في التسلسل، غير أنّه يفصل “أبا عمشة” عن القيادة اليوميّة للقوّات التي تدين له بالولاء، ويضعه داخل هرم تتحكّم به قيادة الفيلق ووزارة الدفاع. لهذا لا تُقاس أهميّة القرار باسم الموقع الجديد، وإنّما بحجم الصلاحيّات التي خسرها الجاسم بعد خروجه من قيادة الفرقة 62.
عفرين وشبكة النّفوذ
ترتبط المسألة أيضاً بتمسّك “أبي عمشة” بنفوذه في عفرين، التي تحوّلت خلال السنوات الماضية إلى قاعدة بشريّة واقتصاديّة وأمنيّة مكّنته من بناء شبكة واسعة من المصالح والولاءات.
لذلك لا يعني الانسحاب من عفرين تغييراً في الخريطة العسكريّة فقط، وإنّما خسارة إحدى أهمّ البيئات التي راكم فيها سلطته. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم رفضه إعادة توزيع قوّاته بوصفه دفاعاً عن منظومة نفوذ كاملة، لا اعتراضاً تقنيّاً على خطّة عسكريّة.
لم تقتصر أدوار فصيل “السلطان سليمان شاه” على الساحة السوريّة، إذ شارك في تجنيد وإرسال مقاتلين ضمن العمليّات العسكريّة التي رعتها تركيا في ليبيا وأذربيجان، ثمّ إلى النيجر في مهمّات ارتبطت بالمصالح التركيّة. ومنحت هذه المشاركات “أبا عمشة” صلات خارجيّة وموارد إضافيّة، ورسّخت موقعه داخل شبكة النفوذ التركيّ، وهو ما جعل التعامل معه أكثر تعقيداً من نقل قائد محلّيّ محدود القوّة.
تكتسب القضيّة بعداً إضافيّاً في ظلّ المفاوضات مع “قوّات سوريا الديمقراطيّة”. فلا تستطيع دمشق مطالبة “قسد” بحلّ بنيتها العسكريّة، بينما تسمح لفصائل أخرى بالاحتفاظ بكتلها وقادتها ومناطقها الخاصّة. يقتضي بناء جيش وطنيّ تطبيق قاعدة واحدة على الجميع: لا وحدات مرتبطة بالأشخاص، ولا مناطق محتكرة من الفصائل، ولا أوامر خارج سلسلة القيادة.
بين ضبط القوّة وبناء المؤسّسة
يظلّ سحب القيادة العسكريّة منفصلاً عن ملفّ المساءلة. فقد ارتبط اسم “أبي عمشة” باتّهامات تتعلّق بالاستيلاء على الممتلكات والانتهاكات في عفرين، ولا يؤدّي نقله إلى موقع جديد إلى إغلاق هذا الملفّ. ضبط القوّة يحدّ من استمرار النفوذ، وأمّا المحاسبة فشرط لبناء مؤسّسة لا تنقل ممارسات الفصائل إلى داخل الدولة.
يمكن تفهّم حرص وزارة الدفاع على تجنّب المواجهة، خصوصاً أنّ الجيش ما يزال في طور التشكيل، وأيّ انقسام داخليّ قد تكون كلفته مرتفعة. لكنّ سياسة الاحتواء تصبح خطرة عندما تتحوّل إلى بديل دائم عن الحسم المؤسّسيّ. فإبقاء قادة الفصائل في مواقع رسميّة، مع سحب جزء من صلاحيّاتهم، قد يمنح الدولة وقتاً، وقد يمنحهم أيضاً فرصة لإعادة تنظيم شبكاتهم داخل الهيكل الجديد.
يختبر قرار وضع “أبي عمشة” في الموقع الجديد قدرة وزارة الدفاع على انتزاع السيطرة الفعليّة على التعيينات والرواتب والسلاح وحركة الوحدات من أيدي القادة السابقين. فإذا ظلّت الأوامر تمرّ عبر شبكات الولاء القديمة، أو جرى اختصارها في دائرة عسكريّة واحدة، فلن يكون الجيش قد تحوّل إلى مؤسّسة وطنيّة، وإنّما سيكون النفوذ قد انتقل من مركز إلى آخر داخل البنية نفسها.
