
لوحة للرسام الفلسطيني إسماعيل مطر (صفحة الرسام – فيسبوك)
ملخص
صدر حديثاً ديوان “طلقة في الاسم” للشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي، وفيه ينسج من الألم المادي والمعاناة المعنوية، قصائد، تنطلق من المأساة الفلسطينية كمرآة لخراب العالم، مما يضع الضمير الإنساني على المحك.
شاعر يرى جيداً ما هو كائن حوله، لكنه يتطلع في تخييله إلى ما سيكون، على النحو الذي يريده أو ينشده أو يحلم به، بوعي إنساني حي، وبروح طفولية متوثبة. ليس بالضرورة أن يكون الغد من صناعة المنطق، ولا النتائج متسقة مع المقدمات، فالبدايات الحقيقية قد تتفجر بعد رفع ستار الختام الظاهري، والمفاجآت المباغتة قد تغدو ممحاة تزيل خطوط الرعب وصور الفزع من صفحات التاريخ الحمراء والسوداء.
في ديوانه الجديد “طلقة في الاسم”، الصادر عن منشورات المتوسط (2026)، يسعى الشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي إلى محاربة “نقطة التوقف” كعلامة ترقيم فاسدة، فالعبارات الاسمية والفعلية يجب أن تستمر بلا انقطاع، والأفكار ودقات القلوب باقية بغير تمام للمعنى ودون انقضاء للأجل.
يمضي البرغوثي (62 سنة)، صاحب المجموعات الشعرية “يد يتيمة”، و”كأني أشبهني”، و”مختبر الموت”، و”حقوق موت محفوظة”، في عمله الجديد (100 صفحة) صوب مقاومة النهايات، كل النهايات المتوقعة وليس الموت فحسب، بقصائد تتشبث بكل ظلال الحياة واحتمالاتها الممكنة والمستحيلة، فالسماء ستبقى إلى الأبد “تمطر مواعيد جميلة”، على رغم الواقع العبثي المحيط والجثث المتناثرة “أشاهد الغبار، أعد الجثث/ أمسح الحزن عن المتبقي من زجاج البيت/ نجوت؟/ لا/ بل تلوثت”.
هو يدرك أن الأشياء البسيطة ستفنى واحداً تلو الآخر “القصائد وصوت الحديث عن الرغبة والحب، دموع أمي الساخنة، ورحيل أختي، صوت تكسر زجاج الصف، وصوت الريح أعلى”، ويعلم أن “النجاة جريمة، حين تسقط البيوت على رؤوس أصحابها، ويسحب الأطفال من تحت الركام”، ولكنه في الوقت نفسه لا يستسلم كلية للخسارات، مترقباً الحياة التي قد تحضر صدفة أو من سراب أو من المجهول لتكسر الحصار “أجلس في مقهى، أنتظر الحياة/ قد تمر في جنازة صبي لم يبلغ العاشرة، أو أراها في حديقة جارتي المجنونة، أو في تظاهرة لمن يطالبون بحقهم في الحياة/ أجلس كل صباح أشرب قهوتي، وأنتظر أن تمر الحياة مصادفة”.
تعميم التراجيديا
يوسع الشاعر مسار “الطلقة” التراجيدية التي أطلقها الجندي الاحتلالي على “الاسم”، ويوسع فوهة الجرح الفلسطيني المفتوح على الحرب الجائرة “السيئة السمعة”، ونزف الأرواح، وفقدان الأحباء، والتهجير، وضياع الحقوق، وانهيار مقومات الوجود. يجعل الشاعر قصائده فضاءات دراماتيكية أكثر رحابة لكل ما يمس الكائن الآدمي بصورة عامة من ظلم وقهر وتنكيل وتعذيب وتدمير، في عالم مسكون بالأشباح، ومشحون بالوحشية والكراهية، لا يملك فيه أحد سوى الانتظار والنحيب والتدرب على تربية الخوف “في الحرب، نبكي على موتنا/ نخجل من دموع أمهاتنا، وننفخ في صدور أطفالنا، كي يموتوا سريعاً/ ونبقى أمام التلفاز، كالحيوانات نستعرض فحولتنا”.
تحفر التجربة الشعرية في الهم الفلسطيني إلى أقصى حد، لتعلنه عنواناً للأسى الإنساني في كل مكان وزمان، وترفعه أيقونة للكفاح ضد الطغيان، وراية للصمود من أجل الاحتفاظ بالهوية والتاريخ والجغرافيا “الاسم”، واستعادة الحقوق المسلوبة، بعد الإصابة بـ”طلقة” غادرة. غزة، ليست مجرد “مدينة من أربعة أحرف تسكن وجع الروح”، ولكنها منصة كبرى للتعبير عن كل وجع، وكل روح، وكل قيمة، وكل أمل في ميلاد جديد.
التحرر الجمالي
تنساب القصائد تلقائية، بلغة سهلة في سردياتها الوصفية وصورها وتخييلاتها، وبتكثيف يلائم المشاهد المبعثرة والمضغوطة، والشتات المهيمن على الحالة في الداخل الذاتي، وفي الخارج، على السواء. وتحتمي النصوص دائماً بشعريتها المجردة، فالتمرد في التجربة هو صوت جمالي فردي في المقام الأول، وليس صوت القضية الزاعق في السياق الجمعي. والتثوير متحقق على مستوى ثورة النص نفسه، وطاقاته التجريبية في الميدان الفني، وليس على مستوى الدعوة إلى ثورة نضالية في ميدان النزال وما إلى ذلك من حماسيات فجة.
وتنأى التجربة تماماً عن النبرة المنبرية، مكتفية بالهمس، والبوح، والتهكم المرير، والتفاصيل المشعة حريقاً ووهجاً، ليرى فيها المتلقي عالمه وقد أمسى غير قابل للاحتمال. كما يصير للترميز والتأمل حضور أيضاً في اللقطات الدالة والمتعمقة “بعد 80 عاماً، تلك الشجرة، قتلوها اليوم، وأصبحت وقوداً للمدافئ في البيوت الحديثة”.
وهكذا، فإن الالتزام بالظروف الكارثية الاستثنائية، والشروط الإنسانية والسياسية والتاريخية والجغرافية العادلة للقضية الفلسطينية، لا يحول دون أن يكون التحرر الجمالي هو الغاية التي تمنح مغامرات مهيب البرغوثي مشروعيتها كتشكيلات إبداعية مكتفية بذاتها، عابرة للمكان ومتخطية للزمن. وتراهن القصائد على التشكك والأسئلة كبديل عن اليقين الأيديولوجي، قاصدة إلى هدم البلاغات الجاهزة، وتفكيك الأبجدية خارج المعجم القياسي الفخم، والانفلات من أسر المجازات المكرورة. ومن ثم، تغدو النصوص القصيرة الوامضة أدوات تشريحية قاسية لفوضى الحرب وتحولات الواقع ومستجداته السريعة اللامعقولة “لولا هذه الحرب اللعينة، لكان هناك كثير من الأطفال، يلعبون تحت نافذتي”.