فخري كريم… جريدة المدى
عرفته عن قرب قبل أن ألتقيه. وتعمّدت صداقتنا في منعطف صار فيه الحلم يرتاب من المستقبل، وتداخلت مصائرنا في لحظة تحول مجهض، غدا فيها الحلم نفسه قضية والأمل ترفا والحال موضوعاً للعبث على أيدي أشباه ناس جاءت بهم الصدفة المخادعة لاغتيال وطن وترويع شعب ظل طوال خمسة عقود ينتظر الفرج.
كان العراق، طوال تلك العقود، ينتقل من مستبد يتخفى بعباءة القادسية وأم المعارك إلى دجالٍ يستوي عنده إظهار التقوى جهراً وارتكاب الكبائر سراًوعلناً، وأقلها نهب المال العام ونشر الفساد والرذيلة متلفعًا بعباءة التدين والتمذهب والمظلومية، وهي جميعاً براء منه، بعدما صار الولاء لغير الوطن هوية، والخيانة راية.
ترددت في الكتابة عنه، لا تقيةً وإنما خشية ألا أفي حق صداقة منزهة عن الغرض. فقد اقترن اسمانا في مراحل كثيرة، بقضية أسمى من الصداقة نفسها وصارا هدفاً لنيلٍ جائر كلما أراد بعضهم، سواء كان متلفعاً بالتدين أو مستبداً قومجيًا، أن يغطي على رذيلة أو فساد أو خيانة أو تعد على الوطن.
أتذكر من مناقبه من دون أن يكون في ذلك إنكار لهويته أو تاريخه، تلك الذكرى التي يرويها عن الزعيم عبد الكريم قاسم. كان يومها صبياً في مدرسة ابتدائية، وكان قاسم يحتفي به بمودة واهتمام كما يُحتفى بالكبار. وذات مرة جاء بصديق له من المدرسة إلى الزعيم من دون موعد أو دعوة، بعدما شكّ زميله في قوله إنه يعرف عبد الكريم قاسم. فاستقبلهما الزعيم.
وكان مسعود، وهو يستعيد طيف تلك اللحظة بعد سنوات طويلة، يقول بحزن: “لقد ظلمناه وأخطأنا بحقه”. ثم يضيف أن علينا، قبل أن نسعى إلى تغيير واقع ما، أن نفكر فيما ينتظرنا بعده، وألا نذهب إلى المجهول من دون أن نعرف طبيعة البديل. كان يرى في ذلك درساً ينبغي ألا يغيب عنا كلما بدا التغيير ضرورياً: ألا يكفي أن نعرف ما نرفضه، بل يجب أن نعرف أيضًا ما الذي نريد أن يأتي بعده.
وكان دائم التأكيد أن عراقاً قوياً معافى يستحق منا كل تضحية، لأنه سيكون وطناً يحتضن جميع أبنائه ومكوناته. ولم يكن يرى في مثل هذا العراق ما يتعارض مع تطلع الشعب الكردي إلى التعبير عن ذاته أو الانسجام مع تطلعاته القومية والوطنية. وكان يستعيد في هذا السياق عراق ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز، والدستور المؤقت الذي أعلن أن العراق شراكة بين العرب والكرد وسائر القوميات المتآخية.
لم يكن الانفصال، في رؤيته، غاية قائمة بذاتها أو بديلاً عن العيش المشترك، بل ظل حق تقرير المصير مرتبطًا لديه بواقع العراق وظروفه الملموسة وبإمكان بناء دولة مواطنة ديمقراطية، تسود فيها العدالة والمساواة والحريات وحقوق الإنسان، ويقر فيها بالتنوع والتعدد بوصفهما عنصر قوة لا سببا للانقسام.
وفي لقاء جمعنا مع لفيف من المثقفين بعيد سقوط الدكتاتورية، توقف طويلا عند لحظة التحول تلك مؤكداً أن المنعطف الجديد يتطلب منا جميعاً أن نتضافر من أجل البناء معاً. وكان يقول إن المهمة المقبلة أصعب بكثير مما كنا نفعله أيام المعارضة، لأن البناء أكثر صعوبة وكلفة من الهدم.
ومن يستذكر سنوات ما بعد السقوط يدرك مقدار الجهد الذي بذله لدفع الحوار بين مختلف الفرقاء، والسعي إلى صياغة دستور يعبر عن تطلعات العراقيين بمختلف مشاربهم. ولم يكن يريد من ذلك سوى عراق ديمقراطي اتحادي موحد، يستطيع فيه الكرد والعرب وسائر المكونات أن يجدوا مكانهم وحقوقهم وضماناتهم.
ولم يكن يرى في حق تقرير المصير تناقضًا بالضرورة مع عراق اتحادي يحفظ للكرد حقوقهم ويكرس في الوقت نفسه وحدة الدولة على أساس الرضا والشراكة. وحتى في أكثر اللحظات حساسية حين دعا إلى الاستفتاء كان يرى أن العلاقة بين بغداد والإقليم ينبغي أن يحسمها بالدستور والاتفاق والحقوق الواضحة، لا بالتنصل من الالتزامات ولا بتأجيل الأزمات إلى ما لا نهاية.
لم يرث الزعامة ولم يتولاها بالنيابة عن أحد، بل استحقها عبر مسار طويل بدأ منذ صباه، حين حمل البندقية إلى جانب الزعيم الذي وحّد أمته، وانضم إليه مناضلاً فرداً كان بالمصادفة ابنه.
وقد شاء القدر أن يجمع العام 1946 بين مولده وبين تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. واليوم يكمل عامه الثمانين، ويطفئ مع شعبه، ومع كثير من الوطنيين العراقيين، شموع ثمانين عاماً من عمر الحزب الذي ارتبط اسمه بتاريخ الحركة الكردية الحديثة.
لكن ما بقي راسخاً في ذاكرتي، إلى جانب الزعيم والسياسي والمناضل، هو الإنسان مسعود البارزاني. فقد ظل، على الرغم من ثقله التاريخي ومكانته وزعامته، بسيطاً في التعامل، قليل التكلف، بعيداً عن استعراض السلطة. وربما كان أكثر ما يلفتني فيه قدرته على أن يصغي بصبر إلى أشباه السياسيين، وإلى من صنعتهم الصدف والظروف العابرة، وأن يعاملهم بقدر من الاحترام يفوق أحيانًا ما تمنحهم إياه تجاربهم أو مواقعهم. كان يستطيع أن يرد على الصغائر بمثلها، لكنه غالباً ما اختار أن يترفع عنها لا ضعفا ولا مسايرة وإنما لأن من خبر التاريخ طويلا يعرف أن الزعامة لا تظهر في رفع الصوت بل في القدرة على ضبطه، وأن قيمة الرجل لا تقاس بمن يقف أمامه وإنما بالطريقة التي يختار أن يعامله بها.
تلك هي قصة صداقتي الأثيرة، المعمّدة بعقود من النضال والآمال، مع مسعود البارزاني.