حاوره/ علاء المفرجي.. جريدة المدى
شوقي كريم حسن، أديب وروائي ومؤلف عراقي، ولد في الناصرية في مدينة الغراف، يعد واحداً من أغزر الأدباء العراقيين إنتاجا في مختلف المجالات الأدبية والدرامية والمسرحية وحتى السينمائية، فقد أصدر أكثر من 25مؤلفا بيم الرواية والمسرح والسيناريو، وأكثر من 260 مسلسل إذاعي وتلفزيوني. ألتقت به المدى للوقوف عن تجربته الإبداعية
حدثنا في البدء عن النشأة الأولى ما هي المصادر والمراجع (حيواة، احداث، أماكن) التي ولدت فكرة الرواية لديك؟
- في البدء، لم تولد الرواية من فكرةٍ واحدة بقدر ما ولدت من تراكم حياة كاملة. و مصادرها الأولى تمتد من ضفاف نهر الغراف وغرابة تكوينه حتى الشاكرية واكتشافات السينما والمسرح ثم مدينة الطين والمواجع الثورة،، والحكايات التي سمعتها، والأماكن التي عشت فيها أو عبرتها، فضلًا عن الأحداث الكبرى التي تركت أثرها في جيلي.نشأتي في مدينة الطين، وما حملته من تحولات سياسية واجتماعية وحروب وتغيرات عميقة، جعلتني شديد الانتباه إلى مصائر الناس العاديين، وإلى القصص الصغيرة التي تختبئ خلف الأحداث الكبيرة. كما أن علاقتي المبكرة بالقراءة، واهتمامي بالتاريخ والسرد الشفهي، أسهما في تكوين مخيلتي الروائية.أما من ناحية المراجع، كانت الحياة مرجعًا أساسيًا، إلى جانب قراءاتي للرواية العربية والعالمية، واهتمامي بالسير والتاريخ والوثائق والشهادات الإنسانية. لذلك جاءت الرواية ثمرة تفاعل بين التجربة الشخصية والخيال، وبين الواقع بما فيه من ألم وأسئلة، والرغبة في إعادة اكتشافه عبر الكتابة.ولدت الفكرة من اهتمامي بتاريخ وما ارتبط به من قصص إنسانية مسكوت عنها، ومن شهادات متفرقة ووقائع تاريخية تركت أثرًا عميقًا في الوعي العراقي.
بدأت فعل الكتابة من خلال مجموعة مشتركة في بداية الثمانينيات، مع عبد الستار البيضاني، وشوقي كريم واخرين.. ما المشترك بين هؤلاء في الأسلوب او الموضوع، لتكون لهم مجموعة مشتركة؟ - كانت بدايتي مع بداية السبعينيات حيث بدأت النشر واصدرت مجموعتي الاولى (عندما يسقط الوشم عن وجه أمي) عام ١٩٧٧، لم يكن اجتماعنا مطلع الثمانينيات، قائمًا على تشابه كامل في الأساليب بقدر ما كان قائمًا على هواجس مشتركة ورغبة واحدة في البحث عن صوت أدبي مختلف. فقد ضمت المجموعة أسماءً مثل عبد الستار البيضاني، وشوقي كريم، وحميد المختار، يجمعنا الإيمان بأن الكتابة ليست ترفًا ثقافيًا، إنما وسيلة لفهم الإنسان والواقع المحيط بنا. كنا نلتقي عند الاهتمام بالهمّ الإنساني والاجتماعي، والانشغال بتحولات المجتمع العراقي وما يعتمل فيه من أسئلة وتناقضات، مع ميل واضح إلى الواقعية وإلى منح الإنسان العادي مساحة مركزية في النص. أما على مستوى الأسلوب، فلكل واحد منا خصوصيته ونبرته السردية الخاصة، لكننا تشاركنا الحرص على اللغة الأدبية، والبحث عن أشكال جديدة للتعبير، والابتعاد عن الكتابة الجاهزة أو النمطية.
ما الذي يمكن للرواية أن تفعله في مواجهة التحولات الاجتماعية والسياسية؟ - لا أعتقد أن الرواية تملك القدرة على تغيير الواقع بصورة مباشرة، لكنها تملك قدرة أعمق وأكثر دوامًا، وهي القدرة على مساءلة الواقع وكشف طبقاته الخفية وحفظ ذاكرة الإنسان في مواجهة النسيان. ففي أزمنة التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى، كثيرًا ما تضيع أصوات الناس العاديين وسط ضجيج الشعارات والأحداث، وهنا يأتي دور الرواية بوصفها شهادة إنسانية وجمالية على العصر.الرواية لا تنافس السياسة، ولا تقدم حلولًا جاهزة، لكنها تفتح المجال أمام الأسئلة، وتعيد النظر في المسلمات، وبالنسبة إليّ، فإن الرواية وسيلة لفهم ما جرى لنا، وللإنصات إلى ما لم يُكتب في السجلات الرسمية. لذلك أرى أن مهمة الرواية ليست إصدار الأحكام، بل الكشف، وإضاءة المناطق المعتمة، وحماية التجارب الإنسانية من التبسيط أو المحو. وربما تكمن قوتها الحقيقية في أنها تمنح المعنى لما يبدو عابرًا، وتحفظ ما يعتقد الآخرون أنه لا يستحق أن يروى.
‹هل يشعر الروائي العراقي بأنه يحمل مسؤولية توثيق الذاكرة الجماعية؟ - الروائي العراقي، بحكم ما شهده العراق من تحولات عميقة وحروب وانكسارات وتغيرات اجتماعية وسياسية متلاحقة، يجد نفسه، أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه الذاكرة الجماعية. غير أن هذه المسؤولية لا تعني أن يتحول إلى مؤرخ أو صاحب وثيقة، الرواية ليست سجلًا للأحداث، إنما إعادة اكتشاف للإنسان داخل تلك الأحداث. عاشت أجيال عراقية متعاقبة تجارب استثنائية تركت آثارها في الوعي الفردي والجمعي، ومن هنا تنبع أهمية الرواية بوصفها مساحة لحفظ ما لا تدونه الكتب الرسمية؛ مشاعر الناس، وخساراتهم الصغيرة، وأحلامهم المؤجلة، والأصوات التي غالبًا ما تبقى على هامش التاريخ.
ألا ترى أن النقد لم يفي تجربتك حقها حتى الان، ثم كيف تستقبل النقد، سواء كان إيجابياً أم سلبياً؟ - لا أحب النظر إلى الأمر من زاوية أن النقد أنصف تجربتي أو لم ينصفها، لأن حركة النقد تخضع لظروف ثقافية ومعرفية متعددة، وقد تمر أعمال كثيرة بمراحل من التلقي المتفاوت قبل أن تجد قراءتها العميقة. لذلك لا أشغل نفسي كثيرًا بمسألة الإنصاف بقدر ما أهتم بأن تصل أعمالي إلى المتلقي، وأن تبقى قادرة على إثارة الأسئلة والحوار. لكني وربما اكثر ابناء جيلي حظيت باهتمام نقدي حيث تناول تجربتي كبار النقاد وكذلك صدرت عن تجربتي الكثير من الكتب النقدية،وأنا الاديب العراقي الاكثر تناولا في الدراسات العليا عراقيا وعربيا، النقد الجاد يسهم في إضاءة جوانب العمل الأدبي وفتح آفاق جديدة لقراءته. فالأديب والناقد يشتركان، في النهاية، في خدمة الثقافة وإغناء المشهد الأدبي.أما في ما يتعلق باستقبال النقد، فأنا أتعامل معه بروح منفتحة، سواء كان إيجابيًا أم سلبيًا. النقد الموضوعي المبني على قراءة حقيقية للنص يمثل فرصة للتأمل والمراجعة، وقد يكشف للكاتب ما لم يكن منتبهًا إليه. أما الأحكام المتسرعة أو الانطباعات التي لا تستند إلى قراءة جادة، فأتعامل معها بوصفها جزءًا طبيعيًا من اختلاف الأذواق والرؤى، من دون أن أجعلها تؤثر في قناعتي بمواصلة الكتابة والبحث والتجريب.
ما الخيط الذي يربط بين رواياتك المختلفة رغم تنوع موضوعاتها؟ - على الرغم من تنوع موضوعات رواياتي واختلاف عوالمها وأزمنتها، فإن هناك خيطًا خفيًا يجمع بينها، يتمثل في انشغالي الدائم بالإنسان في مواجهة أسئلته الكبرى، وبالذاكرة بوصفها وعاءً للتجربة الفردية والجماعية. فسواء تناولت أحداثًا تاريخية، أو مصائر شخصيات مهمشة، أو تحولات اجتماعية وسياسية، فإن اهتمامي ينصب دائمًا على ما تتركه تلك الوقائع من أثر في الروح البشرية.
كما أن ثيمة الخيبة، والبحث عن المعنى، واستعادة ما يتعرض للنسيان، تتكرر بأشكال مختلفة في أعمالي، إلى جانب اهتمامي بالأصوات التي لا تجد لها مكانًا في السرد الرسمي. لذلك أستطيع القول إن أبطالي، على اختلاف أسمائهم وظروفهم، يشتركون في كونهم أشخاصًا يحاولون فهم العالم والتصالح مع ذواتهم وسط واقع متغير ومضطرب.
هل ما زالت الرواية قادرة على التأثير في عصر الوسائط الرقمية السريعة؟ - نعم، أعتقد الرواية ما زالت قادرة على التأثير، لكن ليس بالطريقة التي تعمل بها في العصور السابقة. نحن اليوم أمام زمن يتسم بالسرعة والتكثيف وتدفق المعلومات عبر الوسائط الرقمية، حيث تُستهلك النصوص والصور بشكل سريع وعابر، بينما الرواية بطبيعتها تقوم على البطء، وعلى التعمق، وعلى بناء علاقة طويلة بين القارئ والعالم السردي.هذا التباين لا يعني أن الرواية فقدت وظيفتها، بل ربما أعاد تعريفها. ففي مقابل السطحية التي قد تفرضها السرعة الرقمية، تظل الرواية مساحة للتأمل، ولإعادة ترتيب الفوضى، وللتوقف أمام التجربة الإنسانية بدل المرور عليها. إنها تمنح المتلقي فرصة للعيش داخل الزمن، لا مجرد مشاهدته.من ناحية أخرى، يمكن القول إن الوسائط الرقمية لم تلغِ الرواية، بل فتحت أمامها إمكانات جديدة في الوصول والتلقي والنشر، لكنها في الوقت ذاته زادت من مسؤولية الرواية في الحفاظ على عمقها، وعلى قدرتها على مقاومة التبسيط والاختزال.
في رواية (الشروكية) ما الذي أردت قوله من خلال هذه الفئة الاجتماعية التي تناولتها الرواية؟ ما ردود الفعل التي فاجأتك بعد صدور الرواية؟ - في رواية (الشروكية) لم يكن هدفي تقديم فئة اجتماعية بوصفها موضوعًا سرديًا فحسب، بل محاولة الاقتراب من طبقة إنسانية ظلّت، طويلًا، محمّلة بالتصورات الجاهزة والقراءات الاختزالية. ما أردت قوله في العمق أن هذه الفئة ليست هامشًا اجتماعيًا كما يُنظر إليها، إنما هي جزء أصيل من نسيج المجتمع العراقي، تحمل تاريخها، وذاكرتها، ومأساتها، وطريقتها الخاصة في النجاة والتكيف مع التحولات القاسية.كنت معنيًا بإعادة الاعتبار للصوت الإنساني داخل هذه التسمية، أي نقلها من كونها “وصفًا اجتماعيًا” إلى كونها “حياة كاملة” لها وجوهها المتعددة: الكرامة، التعب، الطموح، القسوة أحيانًا، والبراءة أحيانًا أخرى. فالرواية في جوهرها محاولة لزعزعة الصورة النمطية، وفتح سؤال أكبر: كيف تُصنع الأحكام الاجتماعية ومن يملك حق تسمية الآخر؟
من خلال الشخصيات، حاولت أظهار أن الهامش ليس مكانًا واحدًا، بل عالم واسع من التفاصيل ا، وأن الإنسان في هذا الهامش ليس ضحية، بل هو فاعل، وصاحب قرار، ومشارك في إعادة تشكيل حياته رغم كل ما يحيط به من شروط صعبة. بهذا المعنى، كانت الرواية أقرب إلى تفكيك فكرة “الهامش”، أكثر من كونها وصفًا له.
أما عن ردود الفعل بعد صدور الرواية، فقد فاجأتني درجة التباين في التلقي. بعض القرّاء تعاملوا معها بوصفها إنصافًا متأخرًا لفئة ظلّت مهمّشة في الخطاب الثقافي، ووجدوا فيها نوعًا من الاعتراف الرمزي بإنسانيتها. في المقابل، أثارت الرواية لدى آخرين أسئلة حساسة تتعلق بالتسمية والتمثيل وحدود الاشتغال الروائي على الواقع الاجتماعي، وهو ما أعتبره أمرًا صحيًا، لأن الرواية الحقيقية لا تُحدث إجماعًا، بل تفتح نقاشًا.
“الشروكي” لم يُقرأ كهوية محلية بل كحالة إنسانية قابلة للتكرار في أكثر من سياق. وهذا بالضبط ما كنت أطمح إليه: أن تتحول الخصوصية إلى نافذة على معنى أوسع، لا إلى قيد يحدّ من القراءة.
لماذا اخترت هذه شخصية (الخوشي) أو هذه الظاهرة الاجتماعية موضوعاً للرواية؟ وهل هل تعتقد أن شخصية «الخوشية» نتاج ظروف اجتماعية أم خيار فردي؟ - عندما اقتربت من شخصية “الخوشي” لم أتعامل معها بوصفها حالة منفردة أو ظاهرة هامشية يمكن عزلها عن سياقها، بل بوصفها نافذة على طبقات أعمق من الواقع الاجتماعي، حيث تتداخل الفكرة مع الجسد، والظرف مع القرار، والضرورة مع الرغبة. ما شدّني في هذه الشخصية تحديدًا هو أنها تقف في منطقة رمادية لا تسمح بإصدار حكم جاهز، فهي ليست مجرد نتاج اجتماعي خالص، ولا هي أيضًا خيار فردي يمكن تبسيطه أو اختزاله في إرادة شخصية منفصلة عن العالم الذي أنتجها.من هذا المنظور، تبدو “الخوشية” أقرب إلى حالة اجتماعية مركّبة وليست هوية ثابتة. فهي تتشكل داخل بيئة تضغط على الإنسان من جهات متعددة، لكن هذا لا يلغي وجود هامش من القرار الفردي، حتى لو كان محدودًا أو مشروطًا. وهنا تحديدًا تكمن مأساوية الشخصية وعمقها في آن واحد: في ذلك التوتر المستمر بين ما يُفرض عليه وما يختاره، بين ما هو قدر اجتماعي وما هو فعل شخصي.
كتبت على غلاف رواية (الهتلية) أنها «ليست رواية»، ماذا كنت تقصد بذلك؟ - حين كتبت على غلاف (الهتلية) أنها “ليست رواية”، لم أكن أقصد نفي انتمائها إلى السرد بقدر ما كنت أحاول تفكيك التوقعات الجاهزة التي يحملها المتلقي عن شكل الرواية وحدودها. هناك تصور تقليدي لما يجب أن تكون عليه الرواية: حبكة واضحة، شخصيات مكتملة، زمن سردي مستقيم، وبناء يمكن تتبعه بسهولة. بينما النص في (الهتلية) يتحرك في منطقة مختلفة، أقرب إلى التداخل بين الحكاية والتأمل، وبين التوثيق المتخيل والكتابة التي لا تنغلق على شكل واحد.
هذا العمل لا يخضع بالكامل لقواعد “الرواية” بوصفها قالبًا صارمًا، بل يتجاوزها أحيانًا، أو يعيد توزيع عناصرها بطريقة غير مألوفة. لذلك جاء ذلك التنبيه كنوع من كسر التلقّي المسبق، ودعوة للقارئ كي يدخل النص بلا أدوات جاهزة للحكم، وأن يقرأه كما هو: تجربة كتابية مفتوحة على أكثر من احتمال.، لم يكن الهدف إلغاء الرواية، بل توسيعها. فالسرد بالنسبة لي ليس قالبًا مغلقًا، بل مساحة قابلة للاختبار، يمكن أن تتجاور فيها الأشكال وتتداخل فيها الأصوات. وعبارة “ليست رواية” كانت في حقيقتها محاولة لقول إن النص لا يريد أن يُقاس بميزان واحد، بل أن يُفهم ضمن منطقه الداخلي الخاص.
رواية الهتلية، يحمل العنوان دلالة الصرخة والاحتجاج، فما الذي كان يصرخ داخلك أثناء كتابة الرواية؟ وهل ترى أنها عبرت عن مرحلة العراق بعد عام 2003؟ - عندما أعود إلى لحظة كتابة (الهتلية)، لا أستطيع تحديد “صرخة واحدة” بعينها، لأن ما يتحرك داخلي لم يكن صوتًا منفردًا بقدر ما كان تراكم أصوات: قلق الإنسان أمام التحولات القاسية، إحساس عام باللااستقرار، وأسئلة كثيرة عن معنى ما يحدث حين تتغير البنى الاجتماعية والسياسية بسرعة تفوق قدرة الفرد على الفهم أو التكيّف.هناك عمق تراكمي عشناه سوية الموت والكراهيات والقتل على الهوية؟
كانت في العمق، رغبة في أن أكتب عن ذلك النوع من الانكسار الصامت الذي لا يظهر في الشعارات بل يعيش في التفاصيل اليومية: في اللغة، والعلاقات،و فقدان اليقين، و إعادة تشكيل الهوية تحت ضغط واقع متحوّل. لذلك يمكن القول إن “الصرخة” في النص لم تكن خطابًا مباشرًا، بل كانت أقرب إلى توتر داخلي يحاول أن يجد شكلًا سرديًا يتسع له.
أما فيما يتعلق بعلاقتها بمرحلة العراق بعد عام 2003، فأنا أراها جزءًا من محاولة فهم تلك المرحلة بكل ما حملته من انفتاح مفاجئ، وصدمات متراكمة، وإعادة توزيع للعالم الاجتماعي والسياسي. لكنني لا أتعامل معها بوصفها “توثيقًا” لتلك المرحلة، بقدر ما هي انعكاس إنساني لها؛ أي أنها لا تشرح الأحداث، بل تحاول أن تلتقط أثرها في الإنسان، في وعيه، وفي طريقة نظره إلى ذاته وإلى الآخرين.
كثيراً ما توظف المفردة الشعبية الجنوبية في أعمالك، ما الذي يدفعك الى هذا الرهان على اللغة المحلية؟ الذي تضيفه المفردة الشعبية للنص الروائي ولا تستطيع الفصحى وحدها أن تمنحه؟ - اشتغالي على المفردة الشعبية الجنوبية ليس خيارًا شكليًا أو تزيينيًا، بل جزء من رؤيتي للغة بوصفها كائنًا حيًا مرتبطًا بالمكان والناس والذاكرة. فالفصحى، رغم قدرتها التعبيرية العالية وطاقتها الجمالية، تظل في كثير من الأحيان لغة “مجرّدة” إذا لم تُلامسها حرارة الحياة اليومية بتفاصيلها الدقيقة، بينما تأتي المفردة الشعبية محمّلة بإيقاعها الخاص، وبذاكرتها الاجتماعية، وبطريقة تفكير الناس الذين ينطقون بها.ما تدفعني إليه هذه المفردة أنها ليست مجرد كلمة، إنما سياق كامل. الكلمة الشعبية تحمل داخلها طبقات من المعنى لا تظهر في المعجم، بل في طريقة استخدامها، في نبرتها، في المزاج الذي تقوله فيه الجماعة. لذلك حين تدخل إلى النص الروائي، فهي لا تضيف معنى لغويًا فقط، بل تضيف روح المكان، وتمنح الشخصيات صدقها اليومي، وتكسر أحيانًا المسافة بين القارئ والعالم الروائي.حين تتجاور الفصحى مع المفردة المحلية، فإن النص يتحول إلى مساحة حوار بين مستويين: مستوى التفكير والتأمل، ومستوى العيش اليومي بكل عفويته وارتباكه.لهذا أرى أن المفردة الشعبية ليست ضد الفصحى، بل مكملة لها. الفصحى تمنح البناء والرؤية، والمفردة المحلية تمنح الجسد والحرارة. ومن هذا التداخل يولد نص أقرب إلى الواقع،
هناك من يرى أن رواياتك تؤرخ للتحولات الاجتماعية العراقية أكثر مما تروي حكايات أفراد، كيف تنظر إلى هذا الرأي؟ - هذا الرأي يمكن فهمه، وربما أراه قراءة مشروعة إلى حد كبير، لأن التحولات الاجتماعية في العراق ليست خلفية هامشية يمكن فصلها عن مصائر الأفراد، هي قوة فاعلة تشكّل الشخصيات وتدفعها وتعيد إنتاج علاقاتها بالعالم. لذلك حين يقرأ البعض الأعمال بوصفها “توثيقًا للتحولات”، فهم في الحقيقة يلتقطون التداخل العميق بين الفردي والجماعي داخل النص.، لم أكن أتعامل مع الرواية بوصفها كتابة للتاريخ أو تأريخًا مباشرًا للمرحلة، بقدر ما أشتغل على الإنسان داخل تلك التحولات. أي أن اهتمامي الأول ينصب على التجربة الفردية: كيف يرى الإنسان وجوده وهو يعيش الانكسار أو التغيير أو الفقد، وكيف يعيد تشكيل وعيه وسط بيئة مضطربة. فالتاريخ يظهر في النص، لكنه يظهر من خلال العين التي تعيشه، لا من خلال سرديته المجردة. أستطيع القول إن الرواية، في تصوري، ليست بديلًا عن التاريخ ولا منافسًا له، هي طريقة مختلفة لرؤية ما لا يستطيع التاريخ التقاطه: الهشاشة، والتردد، واللحظات التي تصنع المعنى الإنساني وسط التحولات الكبرى. وفي هذا المعنى تحديدًا، قد تبدو الرواية أقرب إلى “شهادة شعورية” على الزمن، لكنها تظل في جوهرها حكاية أفراد يعيشون هذا الزمن لا أكثر.
كيف تنظر إلى المشهد الروائي العراقي اليوم؟ - المشهد الروائي العراقي اليوم يبدو لي مشهدًا حيًّا ومتحركًا، لكنه في الوقت نفسه متخم بالتجارب المتباينة التي لا يجمعها إطار واحد واضح. هناك أصوات روائية جديدة تشتغل على أشكال سردية مختلفة، بعضها يميل إلى التجريب الشكلي، وبعضها الآخر ما زال مشدودًا إلى الواقعية التقليدية، وبينهما مساحات واسعة من المحاولات الفردية تبحث عن لغتها الخاصة.ما يلفت الانتباه أن الرواية العراقية لم تعد محصورة في مركز واحد أو جيل واحد، أصبحت متعددة المراكز، وهذا مؤشر صحي. لان تنوع الأصوات والموضوعات يعكس تنوع التجربة العراقية، بما فيها من تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية عميقة خلال العقود الأخيرة.،هناك تجارب الأكثر رسوخًا هي التي استطاعت أن تحوّل الواقع إلى بنية سردية مركبة، لا إلى مجرد نقل للوقائع. ومع ذلك، فإن وجود هذا التنوع بين التجريب والواقعية، وبين النصوص الجريئة وتلك الأكثر تحفظًا، يخلق حالة من الحيوية لا يمكن إنكارها.بشكل عام،