تقول الحكاية إن غوته حين أصدر ديوانه الشرقي الغربي كان قد تجاوز حتى سن الكهولة، لكن “فيرتر” الفتى الذي كان لا يزال قابعاً في أعماقه، كما في أعماق كل مبدع لا يريد أن يعترف بمرور سنين حياته وانقضاء شبابه بأسرع كثيراً مما يعتقد، حدث له في تلك الأحيان بالذات أن التقى عروساً شابة لمسؤول دبلوماسي كبير وأغرم بها من فوره
قبل عقد وأكثر من السنين اندلع في المانيا سجالان خيل لكثر أول الأمر أنهما غير مترابطين، بل أن أولهما للنخبة والثاني جماهيري. ولكن سرعان ما تبين أنهما مترابطان حتى بأكثر مما قدر المشاركون فيهما. وأنهما يدوران معاً من حول قضية القضايا في ذلك الحين، قضية استقبال ألمانيا للمهاجرين المسلمين أو عدم استقبالها لهم. فاليمين المتطرف كان يرفضهم، بينما كانت المستشارة أنجيلا ميركل ومعها كثر من الألمان أيضاً، ترحب بالقادمين وليس دائماً لأسباب إنسانية.
والحقيقة أننا لا نريد هنا أن نستعيد هذا النقاش، فليس هو موضوعنا. بل إن موضوعنا الكيفية التي انعكس بها النقاش على مكانة كاتب الألمان الأكبر على مدى تاريخهم، وولفغانغ غوته الذي راح كل من فريقي النقاش، وليس في صفوف النخبة وحدها، يستخدمه ويستخدم كتاباته لمصلحته، من دون أن يصل الفريقان إلى أي تفاهم.
والمؤكد أن سلاح النقاش لم يكن كل كتابات غوته، بل انحصر حينها في نتاجين من نتاجاته، أولهما ظهر بالفعل والثاني ظل مشروعاً لم يتحقق لأسباب لم تتضح أبداً. وكان هذا الأخير مسرحية في خمسة فصول شاء غوته أن يكتبها كنوع من الرد على المسرحية التي كتبها المفكر الفرنسي فولتير ورأى فيها غوته إساءة للنبي العربي، فأراد هو أن يكتب ما يناوئ ذلك النص الفولتيري، لكنه لم يفعل.
أما النتاج الثاني فإنه ظهر بالفعل تحت عنوان “ديوان الشرق والغرب” ليضحي من أشهر أعمال غوته بعد “فاوست” و”أشجان الفتى فرتر”. والغريب أن ذلك الديوان الذي اعتبر دائماً خير تحية وجهها مفكر أوروبي إلى الشرق، جرى استخدامه أيضاً من قبل مناوئي الهجرة لدعم آرائهم كما سوف نرى.
حكاية غرامية
فإذا كان كثر من المفكرين والصحافيين المعاصرين قد ذكروا الشعب الألماني بكم أن غوته كان متسامحاً تجاه المسلمين والشرقيين عموماً في إصداره ذلك الديوان الذي تضمن أشعاراً ونثريات وترجمات وتعليقات تحيي الشرق وشعراءه وإيمانه الديني وبخاصة حكايات الغرام التي يتضمنها ويكتب غوته ما يماثلها، لكنه بشكل خاص يختار الأصيل منها بكل عناية وإعجاب، فإنهم في الوقت نفسه انتهزوا الفرصة للتذكير بحكاية تتعلق بالديوان باتت تبدو منسية في أزمنتنا هذه. وهي، كما ألحوا، حكاية لا علاقة لها لا بالشرق ولا بالإسلام ولا بالمهاجرين، ولم تكن في خلفية وضع هذا الديوان.
تقول الحكاية إن غوته حين أصدر ديوانه الشرقي الغربي كان قد تجاوز حتى سن الكهولة، لكن “فيرتر” الفتى الذي كان لا يزال قابعاً في أعماقه، كما في أعماق كل مبدع لا يريد أن يعترف بمرور سنين حياته وانقضاء شبابه بأسرع كثيراً مما يعتقد، حدث له في تلك الأحيان بالذات أن التقى عروساً شابة لمسؤول دبلوماسي كبير وأغرم بها من فوره. كان يعرف أن أي علاقة بينهما لن يمكنها أن تكون أكثر من علاقة أفلاطونية، ومع ذلك كان يعرف أيضاً من جراء العقود التي تفصل بينه وبين تلك المحبوبة، ومن جراء مكانة زوجها وغيرته عليها، أن ما من لقاءات ممكنة بينهما حتى وإن كانت هي قد أبلغته من طرف خفي أنها تبادله ذلك الحب بشكل أو بآخر. فما العمل والزوج الغيور وذا المكانة يحصي على العروس اللعوب أنفاسها، ولا يتورع حتى عن قراءة رسائلها؟
ذكاء الكهل وحيلته
بالنسبة إلى غوته كان لا بد له من أن يشغل عقله وواسع حيلته، وهكذا ما أن واتته الفرصة التالية حتى أهدى إليها نسخة أنيقة خارجة حديثاً من المطبعة من “ديوان الشرق والغرب”، مشيراً عليها أن تركز اهتمامها بصورة خاصة على أشعار الفارسي نظامي التي ترتدي في ظاهر أمرها مسوح التصوف والحب الإلهي، ومترجمة، بل أحياناً مكتوبة بلغة غوته ونفسه الإنساني هو الآخر، بلغة تكاد تكون رمزية.
ثم بطريقة ما جعل غوته للأشعار التي نصح محبوبته بقراءتها نوعاً من شيفرة سرية تكاد تكون رقمية، وتحيل إلى معان مزدوجة وثلاثية في خلفية مظهر كلماتها وعباراتها والتأويل المتعلق بها. وهكذا على خلفية رسائل ونصائح بالغة البراءة وتعبق باحترام مطلق لمكانة الصبية ومزاج زوجها، راح العاشق المتصابي يكتب لآنسته بين الحين والآخر رسائل تتضمن أفكاراً إنسانية وفلسفية وشروحات لأشعار معروفة وتفسيرات لحوارات مسرحية مشهورة تتميز جميعاً بقدر كبير من البراءة واحترام المرسل إليها. لكنها وبفضل تلك الشيفرة السرية التي اتفق عليها مع الصبية، صار في إمكان هذه الأخيرة أن تقرأ بين السطور وفي مجرى العبارات البريئة، رسائل حب لا تخلو من شبق أحبته الفتاة وراحت تستزيد الأستاذ فيه وتبادله إياه بحيث شكلت رسائلهما حكاية لا تزال في حاجة لأن تكتشف أكثر وأكثر. حكاية تحيل بخاصة إلى أشعار نظامي وإلى بعض الشعر العربي الغرامي العنيف، ذلك الشعر المنتشر على صفحات “ديوان الشرق والغرب”، من دون أن يخطر في بال أحد أن تلك الصفحات إنما استخدمت من جانب واضع الديوان لرفد حكاية حبه الأفلاطونية بما يجعلها تتجاوز أفلاطونيتها تلك.
الأعمال في النيات
صحيح أن الذين أسهبوا في الحديث عن ذلك الجانب من استخدام غوته وحبيبته للأشعار الشرقية والعربية، لو يروا من الضروري أن يخبرونا كيف انتهت تلك الحكاية. فالمهم بالنسبة إليهم لم يكن في الحكاية نفسها ولا في مآلاتها، ولكن في النوايا التي كانت بالنسبة إلى الكاتب والشاعر الكبير، في خلفية تلك الاستشراقية المفيدة. بل أنهم لم يحدثونا عما إذا كانت الحبيبة نفسها قد تجاوبت مع غوته من ناحية استخدامها هي الأخرى للشيفرة المتفق عليها أم أنها كانت تكتفي بأن تتلقى إشارات عاشقها المكتهل فتبتسم راضية في انتظار رسائل مقبلة منه تعيشها حالة غرامية لا تكلفها غالياً…
فالمهم في الأمر بالنسبة إلى طرفي السجال من حول الهجرة أن وجد كل منهما ما يدعم موقفه لدى ذاك الذي يجمعون كلهم على أنه كاتبهم الكبير والمفضل، بل كاتبهم القدوة. فبالنسبة إلى أعداء الهجرة رأوا أن غوته إنما استخدمها لمآربه الشخصية ولم يكن جاداً في استشراقيته إلا بمقدار ما تغذي انتهازيته وغرامه المستحيل، أما بالنسبة إلى الآخرين أي مناصري الهجرة فإنهم رأوا في أشعار الديوان، وحتى في استخدام الشاعر الكاتب الكبير لصفحاته نوعاً من تقارب إنساني بين الشرق والغرب، يمكنه في مطلق الأحوال أن يكون نافعاً وفيه الخير للفريقين معاً.
ولعل هذا يقودنا إلى موقف المستشارة ميركل التي، وربما من دون أن تكون مناصرة لأي من الموقفين أو متحمسة لأي من التفسيرين لموقف غوته، عرفت في موقفها من قضية الهجرة كيف تولف بينهما، هي التي تمسكت بالبعد الإنساني للمسألة حين دعمت المهاجرين ولا سيما السوريين منهم والفلسطينيين وسهلت لهم الإقامة والعمل في بلادها، لكنها في الوقت نفسه عرفت كيف تشتغل على البعد النفسي للمسألة برمتها، إذ إنها دمجت مهاجرين شباباً كثراً في المنظومة الاقتصادية الألمانية التي كانت في حاجة ماسة إليهم. وعلى هذا النحو تمكن غوته، بعد قرنين من استخدامه الشعر الاستشراقي في حكايته الغرامية أن يكون نافعاً لبلاده وللمهاجرين إليها، من دون أن يتوقع ذلك بالطبع!