
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره…. الثورة السورية
كان وَرَد-إيلي، أو لنقل: عبد الله، كبير الموسيقيين في مدينة ماري عابس الوجه، مقطّب الجبين غارقاً في الحزن، يجول ببصره حوله خائفاً لا يدري ماذا يفعل، يتحرك في غرفة المعهد الواسعة جيئة وذهاباً لا تستقر له حال، يمدّ يده نحو آلته الموسيقية، ثم يتراجع.
يفكر في الأيام التي خلت، يتذكر الضجيج في المعهد، فتية وفتيات يحملون آلاتهم الموسيقية، الاستعدادات للاحتفال بالشعائر، ويلعن ملكه يَسْمَخ-أدّو الجبان الذي فرّ فجأة في عتمة آخر الليل، يكاد وَرَد-إيلي لا يصدق ذلك، ولكنه حصل، إنه ليس حزيناً عليه فقد كان عنيداً أبلهاً لا تهمه حال الشعب، ولا يأبه بغير ما يحلو له، ولحاشيته المنافقة، كان اختياره مصيبة، ولم يكن أبوه أفضل.
إنه كبير الموسيقيين في مدينة ماري الراقدة على ضفة الفرات اليمنى، عاصمة البلدان ورابطة الممالك، ليس في معهده غيره، فقد اختار منذ زمن أن ينام فيه، هي المقر الذي يهنأ بالعيش فيه ليل نهار، يسمع بين حين وآخر أصواتاً لا يفهمها، لا يعرف سرّها، هي ليست على أي مقام موسيقي يعرفه.
تغدو الأصوات أكثر وضوحاً، إنها متقطعة مزعجة لا يفهمها، تبدو بلغة غريبة عليه، وفجأة ظهر له بشرٌ غريبو الأشكال، شعورهم ليست طويلة منفوشة، يرتدون أثواباً منسدلة طويلة، وعلى رؤوسهم يلتف قماش ملون مرعب، لم يفهم كلامهم، تساءل بيديه مستغرباً: ماذا تريدون من معهدنا؟ فلا يأتيه الجواب بغير حركة فم مفتوحة إلى أقصى مدى، تخاله فتحة بئر جافة، وإصبع تشير إلى الفراغ والخواء فيه، إلى الجوع والجشع، كلهم كان يفعل ذلك معاً.
لم يلتقط منهم سوى كلمة الذهب، تكررت على سمعه فصرخ: لا ذهب هنا، لا ذهب في ماري، هنا نعزف ونغني، نحب الحياة، لسنا أمواتاً نحمل أسناناً مغطاة بشذرات من الذهب؛ كما تظنّون، بل أنتم الأموات الحقيقيون، لم يأبهوا، لم يتوقفوا عن الهدم. احتار ولم يعرف بمن يستغيث فمدير القصر نائم، ومدير الثقافة نائم، ومحافظ المدينة نائم، تساءل: في أي عصر نحن؟ لم تفعلها أية قوات غازية في عصرنا!
نعم، هذا ما يمكن تخيّله ونحن ننظر في الأيام الأخيرة إلى صور الحفر العشوائي ومدى الخراب الواسع في موقع ماري وغيره من المواقع الأثرية؛ ولا سيما في الجزيرة السورية. قبل شهرين، رأينا صور الجرارات تجرف أطلال مدينة طاباتو التي كانت ذات يوم عاصمة مناطق وادي الخابور السفلي، والآن ماري.
لم تعد ماري القديمة ولا الحديثة موجودة على سطح الأرض، اختلطت فيها السويّات التاريخية، وجدران المباني والمعابد، وضاعت جهود التنقيب فيه على مدى نحو قرن من الزمن، وضاع أهم سفر يروي لنا تاريخ سورية وبلاد الرافدين في القرن الثامن عشر ق.م.
لا يزال المسؤولون عن آثارنا نياماً، أو يغفون في نعيم يلهيهم عن تفقد الأحوال خارج جدران المكاتب والمتاحف، فالتراب سيلوث أحذيتهم، ولفحات هواء الصيف الساخن وغباره سيضرّ بعيونهم، المعارض مكان فسيح مرتّب أجمل، تريح البصر، وتجلب الثناء أكثر، والشعر ديوان يجتمع فيه المدح والفخر، وينعش الروح أكثر.
نعلم جميعاً بالحال المضطربة في منطقة الجزيرة من قبل، وما فعلته قوى الظلام من نبش وسرقة ودمار في كثير من المواقع الأثرية، وكان من المفترض على الجهات المسؤولة أن تتنبّه إلى ذلك بعد التحرير وعقد الاتفاقات، وتسرع في الاهتمام بها لوقف التعديات المحتملة.
ولكن جميعهم انصرف إلى البحث عن تقاسم المناصب والوظائف الكبرى، وأهملوا تعيين مجرد حرّاس للمواقع، والتأكيد على قوى الأمن الداخلي بضرورة المراقبة والدعم، وزيادة نشاطات التوعية المجتمعية بأهمية التراث التاريخي المطمور في تلالنا الأثرية.
وعندما فاضت مياه نهر الفرات، وخربت؛ هبّ مسؤولون لزيارة الأمكنة المتضررة، وساعدت وواست تعبيراً عن الاهتمام، فلماذا غابوا عن مدينة منكوبة كانت ذات يوم عاصمة بلاد يتردد صدى نفوذها شرقاً وغرباً، حتى البحر والجبال؟.
قالت العرب: المال السائب يعلّم السرقة، فمن يتحمل التقصير فيما أؤتمن عليه؛ أيّاً كانت الظروف؟