الجمعة. أكتوبر 15th, 2021

 

 جلبير الأشقر

 

بلغ عدد أبرز الحالات المشاركة في شبكة المعاملات المالية السرّية الفالتة من الرقابة القانونية، التي كشف عنها «الاتحاد الدولي للمحققين الصحافيين» يوم الأحد الماضي تحت تسمية «وثائق باندورا» بلغ عددها 57 حالة، هي معروضة على موقع الاتحاد (www.icij.org). ومن الملفت للنظر أن 13 حالة من هذه الحالات تنتمي إلى دول أعضاء في جامعة الدول العربية، أي أن 23 بالمئة من إجمالي الحالات تنتمي إلى منطقة يقل عدد سكانها عن 5 بالمئة من سكان المعمورة، بشملنا كافة سكان الدول الأعضاء في الجامعة العربية. هذا ونجد بين الحالات العربية ثلاثة رؤوس دولة وستة رؤساء للوزراء، حاليين أو سابقين، بما يشير إلى الصلة الوثيقة القائمة بين المال والسلطة في منطقتنا، تلك الصلة التي تشكّل مصدر الفساد الأول وفقاً للقول الشهير في أن «السلطة تُفسد، والسلطة المطلقة تُفسد بالمطلق».
فحيث أن منطقتنا تتميّز بأعلى تركّز عالمي لأنظمة السلطة المطلقة، لا عجب من أن يستشري فيها الفساد في صفوف الحكّام وذويهم ومحاسيبهم. وكلّنا يعلم أن الحالات الثلاث عشرة التي وردت على موقع اتحاد المحققين ما هي سوى ما كشفت عنه الوثائق المهرّبة التي حصل عليها الاتحاد وعددها 12 مليوناً، وأن ثمة ملايين، بل مليارات الوثائق الأخرى التي لا زالت تحت طي الكتمان والتي من شأنها، لو تمّ كشفها، أن تبيّن أن الحالات المذكورة ليست سوى جزء يسير من منظومة الفساد العربية. والحقيقة أن القول الشهير للكاتب الساخر المصري المأسوف عليه جلال عامر، في أن «شبكة الفساد في هذه البلاد أكبر من شبكة الصرف الصحي» إنما ينطبق على البلاد العربية بأسرها.
والحال أن يوم الإثنين الماضي ذاته الذي صدرت فيه الصحف البريطانية وعلى صفحاتها الأولى أنباء فضيحة «باندورا» نشرت الصحف ذاتها خبراً عن فضيحة أخرى، تشير إلى جانب آخر من شبكة الفساد والرشوة التي لمنطقتنا امتياز فيها. وتتعلّق الفضيحة الأخرى بشركة «بتروفاك» وهي شركة بريطانية عاملة في حقل النفط والغاز، سبق لها خلال السنوات القليلة الماضية أن خضعت لتحقيقات عدة أجراها «مكتب عمليات الاحتيال الخطيرة» (Serious Fraud Office) لدى الحكومة البريطانية.

الصلة الوثيقة القائمة بين المال والسلطة في منطقتنا، تلك الصلة التي تشكّل مصدر الفساد الأول وفقاً للقول الشهير في أن «السلطة تُفسد، والسلطة المطلقة تُفسد بالمطلق»

وقد أسّس الشركة رجلان من منطقتنا، أحدهما لبناني الأصل توفي في عام 2017، والآخر سوري الأصل واسمه أيمن أصفري، اشتهر في الحقل السياسي بكونه أحد كبار ممولّي حزب المحافظين البريطاني. فقد منح أصفري (مع زوجته، وفق طريقة معهودة تقوم على مشاركة أفراد العائلة للالتفاف على الحدود المفروضة على الفرد) هبات لحزب المحافظين بلغت 800.000 جنيه إسترليني، أي ما يقارب مليون دولار.
ولا يسع المجال هنا لرواية تفاصيل ما جرى خلال السنوات الماضية من تحقيقات متعلقة بعمليات الرشوة التي اتُهمت الشركة المذكورة بارتكابها، وقد شملت مسؤولين في كل من العراق والمملكة السعودية والإمارات المتحدة والبحرين في أعلى مستويات الحكم، مع مشاركة مسؤولين بريطانيين بارزين في ترتيب الرشاوي. وقد انتهى التحقيق بتسوية اعترفت بموجبها شركة «بتروفاك» بذنبها في ارتكاب سبع عمليات رشوة بين عامي 2011 و2017 دفعت من خلالها 44 مليون دولار لحصولها على عقود في البلدان المذكورة بلغت قيمتها الإجمالية 3,7 مليارات من الدولارات. وقد فُرضت على الشركة غرامات تناهز مئة مليون دولار.
أما الطريف في الأمر فهو تعليق صحيفة «فايننشال تايمس» التي لاحظت «أن الغرامة جاءت أقل بكثير مما كان يُخشى، ولا تحظّر على الشركة المشاركة بمناقصات عامة. فقد ارتفع سعر أسهم شركة «بتروفاك» بنسبة 10 بالمئة في عمليات البورصة صباح الإثنين». حصل ذلك بينما كان حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا مشغولاً بتبرير نفسه من تهم القبول بتمويل من مصادر مشبوهة أخرى كشفتها «وثائق باندورا». ونستخلص من ملاحظة صحيفة الأعمال البريطانية العريقة أن حزب المحافظين قد أثبت للعيان أن تمويله إنما هو توظيفٌ مربح، إذ يصيب ما يبغي الممولون تحقيقه عادة من وراء تمويل الحكام. ولا عجب في أن تكون بريطانيا التي كان لها الدور الأكبر في توليد النظام العربي القائم هي ساحة غسل الأموال الرئيسية بين كافة الدول الغربية.

كاتب وأكاديمي من لبنان