حمد السهيل صحافي. عراقي
ملخص
يحذر مراقبون من أن إدراج أربع فصائل عراقية موالية لإيران على قائمة الإرهاب الأميركية ينقلها إلى خانة “المنظمات الإرهابية الدولية” ويفتح الباب أمام شرعنة أي ضربات أميركية أو إسرائيلية محتملة.
في خطوة لافتة في سياق الصراع الأميركي – الإيراني الممتد على الساحة العراقية، أعلنت واشنطن في الـ17 من سبتمبر من (أيلول) الجاري، إدراج أربع فصائل بارزة موالية لطهران ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهي “كتائب سيد الشهداء” و”حركة النجباء” و”أنصار الله الأوفياء” و”كتائب الإمام علي”.
قرار بدا متوقعاً في خطوطه العامة، لكنه أثار أسئلة ملحة حول دلالات التوقيت، ومآلاته على الداخل العراقي، واحتمال أن يشكل غطاءً لتحركات عسكرية لاحقة ضد هذه المجموعات.
وعلى رغم محاولات تلك الجماعات الحثيثة على “كسب ود” واشنطن أو في الأقل التخفيف من حدة خطابها حتى في أكثر لحظات الصدام المباشر بين أميركا وإيران من خلال إيقاف مساعي إقرار قانون “الحشد الشعبي”، وتجميد عملياتها العسكرية التي استهدفت إسرائيل بعد حربها على قطاع غزة، لم يغير هذا الأمر شيئاً على ما يبدو من مساعي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى تفكيك منظومة حلفاء طهران في المنطقة وتسليط أقصى الضغوط عليها.
تسارع دراماتيكي
لا يقرأ كثير من المراقبين القرار الأميركي بمعزل عن سلسلة تحولات بدت متسارعة خلال الأشهر الأخيرة، فالتطورات تعطي انطباعاً بأن ثمة ما يحضر للعراق حتى وإن لم يخرج من المسارات السياسية والاقتصادية.
فمن الانسحاب الجزئي للقوات الأميركية من قواعد في بغداد والأنبار نحو إقليم كردستان إلى الضغوط المكثفة التي مورست على حكومة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في شأن سحب قانون “الحشد الشعبي”، ثم ما بات يتسرب بأن واشنطن أبلغت بغداد بأنها لا ترغب في قيام حكومة عراقية جديدة تنشأ بغطاء ميليشيات مسلحة موالية لإيران.
ويشير محللون إلى أن إدراج أربع فصائل إضافية ضمن قائمة الإرهاب الخاصة بوزارة الخارجية ـ وهي القائمة التي تضم تنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش” ليست مجرد عقوبات مالية ـ يعكس تحولاً نوعياً في الخطاب الأميركي، وينقل الميليشيات العراقية من خانة “المجموعات المعرقلة” إلى “المنظمات الإرهابية الدولية”، وهو ما يشرعن إلى حد كبير أي إجراءات قد تتخذها إزاءها.
هذا التوجه يتقاطع مع حقيقة أن بعض هذه الجماعات وقادتها يشارك بصورة مباشرة في صياغة قرارات “الإطار التنسيقي”، المظلة السياسية التي أفرزت حكومة السوداني، والتي لا تزال تشكل قطب الرحى في أي قرارات سياسية عليا تتخذها الدولة العراقية، مما يدفع مراقبين إلى توقع أن ما يجري، ليس إجراءات معزولة بل تهيئة لمرحلة مختلفة قد تشمل إعادة تعريف دور الميليشيات داخل بلاد الرافدين، وربما التحضير لخيارات عسكرية إذا اقتضت الظروف.
ولم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة العراقية حتى لحظة إعداد هذا التقرير، في حين ردت “حركة النجباء”، على تصنيفها من قبل الولايات المتحدة جماعة إرهابية، مشددة على أنها لن تتخلى عن طريق الحق والعدل والعزة والكرامة، وأن القرار “تحت أقدامنا ولا قيمة له”.
توقيت مثقل بالرسائل
وتذهب بعض التقديرات إلى أبعد من ذلك، إذ ربما يتحول العراق إلى “الجبهة السابعة” في المواجهة مع إسرائيل، بعد غزة واليمن وإيران ولبنان وسوريا وقطر، خصوصاً أن بعض الفصائل العراقية شارك خلال العامين الماضيين في عمليات استهدفت مصالح إسرائيلية بصورة مباشرة.
وتحدث مصدر سياسي رفيع لـ”اندبندنت عربية” عن أن “منسوب التوتر في أروقة الميليشيات الموالية لإيران بلغ أعلى درجاته”، مشيراً إلى أن قادة تلك الميليشيات يتحدثون منذ فترة عن احتمالات استهداف إسرائيلي مباشر لهم، ويضيف أن إدراج الفصائل الأربعة ضمن قائمة “الإرهاب الدولي” أكد تلك المخاوف، وهم الآن فقط بانتظار توقيت تلك العمليات.
ولعل اللافت في حديث المصدر هو أن “قادة تلك الفصائل لا يتوقعون فقط استهدافهم، بل إن ذلك سيجري على الأرجح من خلال بدء حرب جديدة بين إسرائيل وإيران، ويجري ضمنها قصف الجماعات المقربة من طهران في العراق”.
66.jpg
ربما يتحول العراق إلى “الجبهة السابعة” في المواجهة مع إسرائيل (رويترز)
ولا يمكن فصل الخطوة الأميركية عن المشهد الإقليمي الراهن، فالتصنيف جاء بعد أسابيع من حديث متصاعد عن تحركات عسكرية أميركية لإعادة تموضع القوات في العراق وسوريا، وسط مؤشرات إلى أن إدارة واشنطن تسعى إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك مع الفصائل الموالية لإيران.
وفي شأن إدراج هذه الفصائل أن يضع الحكومة العراقية أمام معادلة صعبة، إما المضي في دمج جميع التشكيلات داخل مؤسسات الدولة، وهو ما لا ترغب به تلك الجماعات ومن خلفها طهران، أو القبول بمواجهة ضغوط دولية تعامل بعض الفصائل ككيانات إرهابية، وربما يشمل ذلك إجراءات ضاغطة على الحكومة العراقية أيضاً.
وفي السياق يقول الكاتب والباحث مصطفى ناصر إن الولايات المتحدة “لديها استراتيجية مرسومة منذ بدء ترمب في طرح منهجيته إزاء السياسات الخارجية، لذا كان من الواضح أن الرئيس الأميركي سيتوجه نحو التضييق على إيران وأذرعها في المنطقة، ويفعل ما يمكنه لإحداث المتغير الذي يريده في العالم وخصوصاً في الشرق الأوسط”.
بين الضغط والتمهيد للتحرك
لا ينظر إلى إدراج هذه الجماعات باعتباره مجرد إجراء عقابي مالي، بقدر ما هو إشارة سياسية وأمنية، فالولايات المتحدة تراكم بذلك مبررات قانونية تسمح لها، عند الحاجة، بشن عمليات عسكرية مباشرة ضد هذه الفصائل بذريعة مكافحة الإرهاب.
كما أن ثمة من يرى أن هذه الخطوة تمنح غطاءً دولياً محتملاً لتحركات إسرائيلية في حال استهدفت مواقع أو قيادات لهذه المجموعات داخل العراق أو سوريا، بما يوفر شرعية مسبقة لأي عمل عسكري يسوق باعتباره جزءاً من الحرب على الإرهاب.
ويربط رئيس منطقة الشرق الأوسط في مؤسسة “غالوب الدولية” منقذ داغر التصنيف الأميركي بالتطورات الميدانية، لكنه يستبعد أن يعني ذلك هجوماً فورياً على تلك الجماعات. ويضيف “أعتقد أن القرار يأتي ضمن نهج الإدارة المستمر بالضغط الأقصى على إيران وتوابعها في المنطقة، وهو ليس جديداً”.
أما بخصوص تزامنه بعد انسحاب القوات الأميركية من قواعد في البلاد، فيرى أنه “يوحي بشيء ما، لكنه ربما لا يحدث قريباً”، مشيراً إلى أن ما يجري “يتعلق بنهج مستمر ورسائل متكررة من واشنطن للحكومة العراقية وحكومات أخرى في المنطقة”.
ويختم أن إدارة ترمب وموقفها من إيران والضغوط كلها تأتي ضمن “محاولات التوصل إلى صفقة مع طهران”، لافتاً إلى أن هذا التصنيف “قد يعطي الضوء الأخضر لضرب تلك الفصائل، لكن إسرائيل أبداً لم تكن مترددة في ضرب تلك الفصائل إن أرادت”.
تفكيك قوة الميليشيات
والباحث مصطفى ناصر يذهب إلى أبعد من ذلك فيرى أن جوهر القرار يكمن في تفكيك البنية المالية لهذه الجماعات، مبيناً أن واشنطن ليست في حاجة إلى “تصنيف الميليشيات كجماعات إرهابية دولية للهجوم عليها”.
وتابع أن الإدارة الأميركية كانت استهدفت في السابق قيادات في الميليشيات العراقية من دون تصنيفهم في تلك القوائم، مشيراً إلى أن ما يجري يرتبط بـ”استراتيجية طويلة الأمد لتجفيف المنابع المالية والاقتصادية لهذه الميليشيات”.
ويبدو أن صانعي القرار السياسي في واشنطن باتوا يدركون أن ما مكن الميليشيات في العراق من التمدد هو “صناعتها إمبراطوريات مالية واقتصادية”، وهنا يلفت ناصر الانتباه إلى أن إدارة ترمب تسعى إلى تفكيك تلك المنظومة التي “ساندت بصورة كبيرة الحرس الثوري ومكنت أدوات النظام الإيراني في المنطقة”.
ما بعد التصنيف؟
من الناحية العملية من المستبعد أن يحدث القرار الأميركي انهياراً مباشراً في بنية هذه الفصائل، إذ نجحت في كثير من الفترات السابقة في التكيف معها عبر قنوات تمويل محلية أو إيرانية، أو صناعة واجهات اقتصادية جديدة، إلا أن الأثر الأكبر ربما يظهر في المجالين السياسي والأمني.
في الجانب السياسي يضع القرار الأميركي الأخير تلك الميليشيات أمام تحديات داخلية كبرى مع تصاعد المخاوف في داخل أروقة النظام السياسي من احتمالات الاستهداف أو تقويض مساره، من خلال اتخاذ تلك الجماعات كذريعة، مما قد يسلط ضغوطاً من قوى داخل “الإطار التنسيقي للقوى الشيعية” على تلك الجماعات.
ولا يتوقف المسار السياسي الداخلي عند هذا الحد، فالسوداني الساعي إلى ولاية ثانية، ربما يرى في تلك الفصائل معرقلاً رئيساً أمام احتمالات بقائه في المنصب بعد الانتخابات المقبلة، خصوصاً مع محاولاته الأخيرة التقرب من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
حرج كبير
ويعتقد مراقبون أن الصمت الرسمي يعكس حرج بغداد الكبير، ففي حين تجد نفسها ملزمة الحفاظ على شراكتها الأمنية مع واشنطن وتحاول التقرب من إدارة ترمب، لا تستطيع الاصطدام مباشرة مع الفصائل التي تعد جزءاً من “الحشد الشعبي” وأحد أبرز رعاة الحكومة الحالية.
ويرى ناصر أن القرار يمثل “أداة ضغط سياسي هائل وطويل الأمد على هذه الجماعات، وأيضاً على الأحزاب والزعامات السياسية الشيعية العراقية المتماهية معها، التي فتحت لها خزائن الدولة وسهلت استثماراتها وعمليات غسل أموالها، وتسترت على جرائمها وأطلقت سراح فرق موتها”، ويضيف “أعتقد أن المرحلة الجديدة في سياسة واشنطن تجاه إيران والعراق قد بدأت منذ نحو عام، وتغيرت كثير من الأشياء في متبنيات (الإطار التنسيقي) والكتل السياسية العراقية الأخرى غير الشيعية”.
ويلفت إلى أن هذا التغير في نسق الإدارة الأميركية “دفع السوداني إلى تغيير منهجيته في التعاطي مع ملف الميليشيات، وكان هذا واضحاً من خلال سحب قانون الحشد الشعبي، وتعطيل جلسات مجلس النواب بمساهمة كبيرة من قبل السوداني”.
بين سوابق الماضي واحتمالات المستقبل
لا تعد تلك هي المرة الأولى التي تدرج فيها ميليشيات عراقية موالية لإيران على قوائم الإرهاب، حين جرى في السابق تصنيف “عصائب أهل الحق” و”كتائب حزب الله” كمنظمات إرهابية، إلا أنه لم يؤد إلى تفكيك تلك الجماعات، لكنه في الوقت ذاته أدى إلى فرض قيود مالية وسياسية عليها، وأعطت واشنطن أوراق ضغط إضافية.
ومع إدراج أربع فصائل دفعة واحدة، يبدو أن الولايات المتحدة تحاول رسم ملامح مرحلة جديدة من إدارة الصراع، واستخدام سلاح القانون لتطويق نفوذ إيران في العراق، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التصعيد العسكري إذا اقتضت الظروف.
ويعتقد المتخصص في مجال العلوم السياسية هيثم الهيتي أن القرار الأميركي يعكس تهيئة لمعركة أوسع في المنطقة، قد لا يبقى العراق في مأمن منها، موضحاً أن هذا التصنيف في هذا التوقيت له معان عدة، خصوصاً مع المتغيرات التي تشهدها المنطقة، والتحولات في التحالفات، وبين أن “المنطقة تبدو في حال تهيؤ لمرحلة صراع ربما أوسع، خصوصاً بعد الضربة الإسرائيلية التي تعرضت لها قطر”.
طهران تبرر دعمها للميليشيات: إسرائيل تسيطر على أجواء العراق
وينبه إلى أن القرار ليس مجرد أداة ضغط سياسية، بل يمثل “مرحلة من خطوات أميركية بدأت بسحب القوات لتجنب الضربات، وإلغاء تفويض الحرب، واعتبار تلك الميليشيات منظمات إرهابية”.
ولعل ما يجب التركيز عليه، بحسب الهيتي هو أن تلك الجماعات التي جرى تصنيفها إرهابية “جزء منها سياسيون بارزون ووزراء وفاعلون رئيسون في صناعة المشهد السياسي”، مبيناً أن هذا يضفي حالاً من “عدم الشرعية على العملية الانتخابية المقبلة في العراق”.
ويختم أن الساحة مهيأة للحرب، مردفاً أن “العراق لن يكون بمأمن عنها، وهناك معركة قادمة في المنطقة توسع بصورة كبرى ما يحصل، والمرحلة الحالية هي مرحلة العراق بعد سوريا ولبنان”.
قرار إدراج الفصائل الأربع على قائمة الإرهاب لا ينفصل عن استراتيجية أميركية أشمل، تسعى إلى محاصرة الأذرع الإيرانية في العراق وإعادة تعريف حدود دورها، لكن ما بين الضغط القانوني والتلويح بالتحرك العسكري، والتسارع الدراماتيكي في التحولات الميدانية والسياسية، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات كثيرة ربما تفتح الباب أمام توتر جديد على الساحة العراقية.
المصدر. اندبندنت عربية