ملخص
ليس أخطر من الصراع الإقليمي والدولي على النفوذ في العالم العربي سوى التسليم بالنفوذ والتكيف معه كأنه من “حقوق” الأقوياء، لا بل كأنه يحمي الضعفاء.
كان الجنرال شارون يقول إن أمن إسرائيل يمتد من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى باكستان. وليس قصف مطار أبو الظهور العسكري في شمال سوريا سوى ممارسة لهذه الاستراتيجية على يد بنيامين نتنياهو في إطار الصراع على النفوذ في المنطقة بين قوى إقليمية ودولية، حيث مسرح الصراع هو العالم العربي. فما أرادت إسرائيل تأكيده هو منع سوريا الجديدة من حيازة الأسلحة التي تعطيها القدرة على المواجهة والقتال، بعدما منعت نظام بشار الأسد من استخدام سلاحه الذي قام الطيران الإسرائيلي بتدميره في أعقاب سقوط النظام، وهو أيضاً الحد من مدى النفوذ السياسي التركي في سوريا وقطع الطريق على امتداد النفوذ العسكري.
لبنان يدعو إلى مزيد من النفوذ الإقليمي والدولي بحجة أنه يوازن بعضه بعضاً، ويصحح الخلل في التوازن المحلي. وهو لا يعرف ماذا يفعل من دون القوات الدولية التي قرر مجلس الأمن إنهاء مهمتها في الجنوب اللبناني بعد 47 عاماً من انتشارها، وسط عجزها عن منع اجتياح إسرائيل وحروبها وحروب “منظمة التحرير” وحروب سوريا وإيران بالوكالة، والتفرج على إقامة “حزب الله” لمجموعة أنفاق وترتيب بنية تحتية عسكرية وأمنية.
وسوريا الجديدة ناشطة في الانتقال من العزلة الدولية إلى أقصى الانفتاح والترحيب بالنفوذ الإقليمي والدولي من دون المسارعة إلى ضمان الشراكة السياسية الشعبية والانفتاح الداخلي.
والعراق وقع منذ الغزو الأميركي عام 2003 في لعبة النفوذ الأميركي والإيراني، وليست أمامه فرصة لوقفها، ولا لسوى القليل من النجاح في جلب نفوذ إقليمي عربي وتركي. وهذه حال ليبيا والسودان وحتى مصر التي لم تستعِد دورها القيادي العربي. أما الأدوار التي تقوم بها قوى صغيرة في باب الوساطات، فإنها مطلوبة أميركياً وإيرانياً. وأما الترابط بين الأزمات والصراعات والحروب في المنطقة، فإنه أصبح سلاحاً لمنع الحلول والتسويات لدى أطراف عدة، ذلك أن “وحدة الساحات” التي بدأت بها طهران عبر ما سمته صحيفة “كيهان” المتشددة والمقربة من بيت خامنئي “أعظم إنجاز للثورة الإسلامية” وهو تأسيس الأذرع الأيديولوجية المذهبية المسلحة التي تخوض “الدفاع المتقدم” عن إيران، فإنها صارت أيضاً مشروعاً أميركياً وإسرائيلياً وتركياً. أميركا تلعب بالطبع على كل أصابع البيانو في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتربط غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران. وإسرائيل تقاتل في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران والبحرين المتوسط والأحمر أو ما سمتها “الجبهات السبع”. وتركيا تمد نفوذها من سوريا إلى العراق وقطر ولبنان وليبيا من دون أن تهمل منطقة القوقاز وتدق على الباب الأوروبي وتمسك بعضوية “الناتو”.
وما قاد إليه كل هذا التداخل في صراعات النفوذ وترابط الساحات هو أن الأزمات والحلول ازدادت تعقيداً، فما من حل سياسي بالتفاوض ولا عسكري بالقتال لسحب الاحتلال الإسرائيلي من لبنان، ولا حل لوضع غزة والضفة الغربية لا بالدبلوماسية ولا بالقوة، ولا حل جذرياً لسلاح الفصائل العراقية، لا بالتفاوض على قرار مجلس الوزراء، ولا بالصدام بين الجيش والفصائل، ولا حل في سوريا لإخراج إسرائيل من المناطق التي احتلتها أخيراً بعد احتلال الجولان عام 1967، لا بالمفاوضات المباشرة التي جرت في غير عاصمة ولا بالقتال.
والحل، كما يراه المحللون الاستراتيجيون، هو على طريقة الرئيس دوايت أيزنهاور القائل “لكي تحل مشكلة، كبّرها”. وهو يكون عملياً، إما بحرب واسعة في “وحدة الساحات”، وإما بتسوية شاملة لكل الأزمات. وما أصعب هذا الخيار. فلا أميركا تبدو جاهزة لخوض حرب واسعة، بصرف النظر عما يقوله الرئيس دونالد ترمب، ولا هي تستطيع وحدها صنع “سلام ترمب” الشامل من دون الصين وروسيا وأوروبا وإيران وتركيا وإسرائيل والسعودية ومصر وسوريا والعراق ولبنان. واللعبة ليست صفرية. فالحد الأدنى المطلوب أميركياً لدفع إسرائيل إلى التخلي عن “المناطق العازلة” والانسحاب من شمال غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا هو تخلي إيران عن الفصائل المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري في البلدان المحيطة بإسرائيل. ولا شيء يوحي بأن إسرائيل تكتفي بذلك، ولا أن طهران تريد ذلك.
حتى الخطر الإسرائيلي على لبنان وسوريا، هو نفسه المناخ الملائم للمشروع الإقليمي الإيراني وأذرعه المسلحة، كما أن الخطر الإيراني ورقة تضمها إسرائيل إلى أوراق قوتها. ومع أن سحب السلاح من “حزب الله” هو قرار لبناني في مجلس الوزراء وليس مجرد مطلب أميركي وإسرائيلي وعربي وأوروبي، فإن إصرار “الحزب” على الاحتفاظ بالسلاح تستخدمه تل أبيب كحجة للتصرف كأن الانسحاب الإسرائيلي من أرض لبنان هو انسحاب من أرض إيرانية أو أقله انسحاب من أرض مرشحة أن تحتلها إيران.
مفهوم أن لبنان تمكن بدعم أميركي من فصل مفاوضاته مع إسرائيل عن المفاوضات الأميركية – الإيرانية، لكن الواقع أن قضية لبنان وقضايا غزة وسوريا والعراق واليمن صارت مترابطة ومرتبطة بما تنتهي إليه اللعبة العسكرية والاقتصادية بين أميركا وإيران. والحروب طويلة والتسويات بطيئة. ولن يتغير الكثير بجولة قتال سريعة ولا بتسوية متسرعة .
ولعلنا بحاجة إلى قول الرئيس اللبناني الراحل شارل حلو “لا أعرف ما يحدث غداً، لكني أعرف ما سيحدث بعد غد”.
