من يتابع أخبار الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثالثة (بعد 1996 و2006) المقرّرة نظرياً في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، وتحالفاتها واتصالاتها وتحرّكات المعنيين فيها من فلسطينيين وغير فلسطينيين، يخال أن القضية الفلسطينية لم يضربها الزلزال منذ عملية 7 أكتوبر الكارثية، بل إنها تعاني من مجرّد كبوة، أو أنها تعرج في أسوأ الأحوال. والحال أن نظريتين تتنازعان “فلسفة” الانتخابات؛ الأولى تنظر إليها بوصفها محطة مصيرية لإنهاء الانقسام وإفشال محاولات تكريس الفصل الإسرائيلي بين ما بقي من غزّة وما بقي من الضفة الغربية عبر تشكيل سلطة منتخبة موحدة. والنظرية الثانية التي تنحاز إليها هذه السطور، تشكك أولاً في أن الانتخابات ستجري، وإنْ حصلت، فإنّ احتمالات تكريسها الانقسام أكبر من إمكانية إنهائه.
“النظرية” الأولى التي يمكن تسميتها “حبيبتي الانتخابات”، أو “الانتخابات أولاً”، بقدر ما إنّ جوهرها صحيح وضروري، أي توحيد الفصائل للحفاظ على ما تبقّى من أجل إبقاء احتمال استعادة ما خسره الفلسطينيون من أرض وارداً، إلا أن أداتها، أي الانتخابات، مشكوك في صلاحيتها. والأمثلة الدالّة على انعدام جدوى الانتخابات في ظروف سياسية واجتماعية غير جاهزة، لا تُحصى، عالمياً وعربياً. حتى فلسطينياً، لم تكن انتخابات 2006 سوى محطة كارثية وعنوان للانقسام وتاريخ تأسيسي لحلم البعض بـ”دولة غزّة”. وبعيداً عن فلسطين، لا تزال مصيبة الانتخابات الليبية عنواناً للتقسيم بين شرق وغرب وجنوب حيث الولاء القبلي أقوى من أيّ ولاء آخر. غاية الكلام أن الانتخابات ليست دائماً وصفة للسلم الأهلي ولا للانتقال الديمقراطي ولا لتوحيد البرامج السياسية في سلطة منتخبة، عندما تكون البنية التحتية مفقودة والتوافقات الاجتماعية والسياسية الأساسية معدومة. وملامح المفعول العكسي الذي قد تفرزه انتخابات فلسطينية كالتي نسير باتجاهها في 28 نوفمبر شديدة الوضوح في الجبهتين اللتين صارت صورتهما واضحة. جبهة “حماس” وتيار محمد دحلان و”الجهاد الإسلامي” وقد تلتحق بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في مقابل “فتح” محمود عباس وحملة بطاقات الـ VIP وحسين الشيخ وماجد فرج، وحلفاء هامشيين من فصائل منظمة التحرير التي كان يُفترض أن تكون هي المظلة الضامنة لتحقيق هدف المتحمسين للانتخابات هذه الأيام، أي توفير مظلة شرعية أكان للتفاوض السياسي مع إسرائيل وغيرها، أم لمواجهة إسرائيل بالأدوات والوسائل المناسبة والتي يعود تحديد جدواها إلى المنظمة ومؤسساتها. كل ذلك كان قبل أن تتحول المنظمة إلى مجرد جهاز هامشي لسلطة بلا دولة.
ثمّ من يصدّق فعلاً أن إسرائيل ستسمح بالانتخابات؟ في إبريل/ نيسان 2021، منعت الدولة العبرية الاقتراع والترشح في القدس حصراً، فألغت السلطة الفلسطينية انتخابات ذلك العام. كان ذلك في زمن سياسي لا يقارَن بعصر إبادة القضية الفلسطينية الجارية بسرعة قياسية. أما في 28 نوفمبر، فسيكون مرّ شهر على انتخابات الكنيست الإسرائيلي. ويدرك الفلسطينيون أن إجماعاً إسرائيلياً يسود بين معسكر اليمين المتطرف وخصومه على إنجاز إبادة القضية الفلسطينية عبر ضم الضفة وإخلاء غزّة واستعمارها وتهجير معظم الفلسطينيين ممّن لا يزالون يقيمون في القدس الشرقية. لكن القرار الخاص بانتخابات 28 نوفمبر سيكون بيد حكومة نتنياهو الحالية، بالتالي لا مجال للتخمين بشأن أن تفاجئنا حكومة إسرائيلية جديدة بالسماح بإجراء الاستحقاق الفلسطيني، ذلك أن نتنياهو ورموز الدموية الصهيونية من وزرائه لا يتركون مناسبة لإخبارنا بأن قتل كل ما يمتّ إلى كلمة فلسطيني بصلة سيظل المحرّك الأول لحكومتهم حتى يومها الأخير.
إن المحاججة بلا جدوى انتخابات فلسطينية في ظل هذه الظروف، لا بل باحتمال أن يكون مفعولها عكسياً، مثلما يرمي إليه هذا المقال، ينقصها طرح بديل عن الانتخابات. والحقّ أن ليست لدى كاتبه أي فكرة عن بديل أو اقتراح حلّ.