وضع عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر، عام 1919، في محاضرته “السياسة مهنة”، تعريفه للدولة الذي تحول لاحقاً إلى ركيزة في علم الاجتماع السياسي، فوصفها بأنها الكيان الوحيد الذي ينجح في إقليم معيّن، في احتكار الاستخدام المشروع للعنف. بالتالي أي عنف خارج هذا الاحتكار، سواء من فرد أم مليشيا، يفقد شرعيته بحكم التعريف.
… إذا سُحب ذلك المعيار الجاف، شبه الرياضي، واستُخدم مسطرة تُقاس عليها تجربة إدارة الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، للمرحلة التي تلت سقوط نظام الأسد، فإلى أي حد يبدو أن سياساتها تتوافق مع معايير الدولة الحديثة وفق النموذج الفيبري، أو هل هي، على الأقل، في طريقها إلى هذا؟
الاختبار الأول والأقسى لأي “دولة” قدرتها على التفرّد في امتلاك السلاح الشرعي واستخدامه فعليّاً، لا نظريّاً. في سورية اليوم تصدّعات كبرى، تكشف غياب هذا الاحتكار: الأول عملية دمج عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) داخل وزارتَي الداخلية والدفاع أفراداً لا كيانات عسكرية. وبرغم إحراز الطرفين تقدّماً في هذا الملف، ما يزال تطبيق الالتزامات يواجه تحدّيات جديّة. يتمثل الثاني في حالة السويداء، والمليشيات المحلية المسيطرة هناك، وبعدم قدرة السلطة على إيجاد صيغة تُعيد دمج المحافظة ضمن إدارتها.
التصدّع الثالث، والأشدّ تأثيراً، هو الجيش نفسه، وبإمكانية تحويله من إطار اسمي إلى مؤسّسة، إذ لم يجرِ بعد تذويب الفصائل المسلحة المكونة له ضمن هيكلية متماسكة تخضع لقرار سياسي وإداري وفق هرمية تضمن ممارسته العنف في إطار القانون. والأهم، تكفل عدم ارتكابه عنفاً لا شرعيّاً واسعاً، كان قد أفضى إلى مجازر الساحل والسويداء العام الفائت. ورغم صدور نتائج التحقيق الرسمية في الحالتين، إلّا أن السلطات امتنعت عن الإفصاح عن أسماء المسؤولين عن الجرائم أو الكيانات المتورطة فيها.
ما تزال المؤسّستان العسكرية والأمنية ذات طابع فئوي وعصبوي لا يشمل كل مكونات المجتمع، ولا ضامن بألّا ترتكب، في أي ظرف مستقبلي، عناصر منضوية فيهما عنفاً أقرب إلى عنف ما قبل الدولة، ذا نزعة ثأرية وطائفية، بدلاً من عنف بيروقراطي محايد ومشروط، تُفعّله أجهزة إنفاذ القانون ويخضع تطبيقه لآليات رقابية مضبوطة.
في كتابه “الاقتصاد والمجتمع”، يُميّز فيبر بين ثلاثة أنماط للسلطة الشرعية؛ الأول يتمثل في السلطة التقليدية القائمة على الوراثة والعادة، وتأخذ شرعيتها من الماضي، فما كان سائداً فترة يصحّ استمراره في المستقبل. يرتبط الثاني بالكاريزما، وباستثنائية فرد شيّد زعامته على إنجاز تاريخي، مثل قيادته حركة واسعة غيّرت طبيعة الحكم في البلاد. النمط الثالث للسلطة الشرعية هو العقلانية، وشرعيّتها مؤسسةٌ على مفاهيم سياسية حداثيّة مثل القانون والحرية والدستور والعقل. يظهر بوضوح أنّ شرعية الرئيس السوري كاريزميّة، مُنح بموجبها الرئاسة بالتزكية لا بالانتخاب، وكرّست سلطته وفق إعلان دستوري منحه صلاحيات مطلقة.
ومما يشترطه ماكس فيبر في الدولة العقلانية الحديثة، وجود بيروقراطية تتسم بتراتبية واضحة، وتوزيع صلاحيات منصوص عليه، وفصل صارم بين شخص الموظف ومنصبه. لذا تفترض عقلنة الدولة بناء مؤسساتٍ بصلاحيات محدّدة، وآليات لتعيين الموظفين حسب كفاءة المواطنين، لا مقدار ولائهم، والالتزام بعدم توزيع المناصب امتيازات غير مشروطة بشهادة تعليمية أو بخبرة. باختصار، تفترض عقلنة الدولة أن يصبح الجهاز البيروقراطي أساساً لمؤسّساتها المختلفة.
في هذا الخصوص، لا يكتفي عزمي بشارة في كتابه “مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات”، بالشروط الفيبرية لقيام الدولة الحديثة، بل يُضيف إليها شرطَي السيادة والمواطنة التي تظهر كأبرز سمات الدولة الحديثة، وبموجبها يتحوّل الشعب من مجموعة رعايا إلى مواطنين. ويعتقد بشارة أنّ تكريس معاملة سلطات الدولة للمحكومين رعايا يجعلها تقترب من مفهوم السلطة وتبتعد عن مفهوم الدولة، وأن وجود السلطة أوّلُ أساس مادي للدولة، لكنه ليس الوحيد، فالثاني هو المؤسّسات القائمة بذاتها، وثالثها المواطنة. في سورية الناشئة اليوم ثمة سلطة بالتأكيد، لكن ماذا عن الأساسَين الآخرَين؟ هل هناك مؤسسات بيروقراطية تُبنى على الحقوق والكفاءة، وتتعامل مع مواطنين متساويين لا مع رعايا؟
مع الاقتراب من مرور عامين على إسقاط الأسد، ما يزال الناس مختلفين بين من يرى السلطة السورية الحالية تسير في اتجاه بناء دولة حديثة لكنها تحتاج وقتاً لذلك. وآخرين، وكاتب هذه السطور منهم، يعتقدون أن أدواتها التي تستخدمها في هذا المشروع، مثل “الولاء الشخصي، شبكة جهادية قديمة، كاريزمية ثورية”، تبني سلطة شمولية فحسب. وهي بالضبط الأدوات التي يعتقد فيبر أن على الدولة الحديثة تجاوزها.