لم تكن العاديّة تحمل كلّ هذا الثقل. كانت تعني ما يقع في حدود المألوف، لا أكثر. أمّا اليوم، فقد أخذت تنزلق شيئًا فشيئًا إلى معنى آخر: ما هو عاديّ يبدو قليل القيمة، وما هو استثنائيّ يبدو جديرًا بأن يُعاش. كأنّنا نخشى، في مكان ما من أرواحنا، أن نعيش حياة لا تستحقّ أن تُروى. ولعلّ هذه المسافة الصغيرة بين الإنسان وحياته واحدة من أكثر علامات عصرنا دلالة: أن يتحوّل المرء من ساكن في حياته إلى متفرّج عليها.
كان بروكرست، بحسب الأسطورة، صاحب نزل، وكان يجعل المسافر يستلقي على سرير حديديّ لا يتغيّر مقاسه، فإذا كان أطول من السرير قصّ الجزء الزائد من جسده، وإذا كان أقصر منه مطّ جسده ليغدو بطول السرير. لم يكن بروكرست يحبّ الاختلاف. لكنّه في وقتنا هذا لم يعد بحاجة إلى أن يقصّ زبونًا، أو يمطّه ليصبح مقاسه ملائمًا للسرير الحديديّ. نحن لا نُمدّ على سرير. لكنّنا نمدّ أحلامنا، ونقصّ من ذواتنا، ونغيّر اختياراتنا، كي نلائم مقاسات صنعتها الثقافة من حولنا؛ والأغرب أنّنا نفعل ذلك ونحن نظنّ أنّنا نحاول أن نكون مختلفين. ربّما لهذا نخاف أن نكون عاديّين؛ لأنّنا تعلّمنا، مثل مسافري بروكرست، أن نعدّل أجسادنا وأرواحنا قبل أن نسأل: لِمَن هذا السرير؟
لكلّ إنسان نبرة لا يسمعها أحد سواه؛ رغبة قد لا يفهمها الآخرون، وطريقٌ لا يبدو مغريًا إلّا لأنّه طريقه. وقد يكون هذا أجمل ما في الإنسان: أن يشعر، وهو يمضي في حياته، أنّ ما يفعله يخرج منه هو، لا من صورة جاهزة للحياة. لكنّ شيئًا ما يتغيّر حين تدخل حيوات أخرى إلى المشهد. قد يرضيه بيت صغير، حتّى يرى بيوتًا أكبر؛ وقد يجد متعته في حياة هادئة، إلى أن تقع عيناه على حياة أكثر صخبًا ولمعانًا؛ قد يلبس ما يليق بالصورة لا ما لا يليق به هو، وقد يلاحق بعض الرغبات لأنّ الآخرين منحوا أصحابها هالة النجاح. شيئًا فشيئًا، تتسلّل إلى حياته أشياء لم يطلبها يومًا. لكنّها تبدو ضروريّة لأنّه رآها في حياة شخص آخر. عندها لا يعود ما يملكه هو الذي تغيّر، وإنّما عينه التي تنظر إليه هي التي تغيّرت.
التقط عالم النفس ليون فستنغر هذا الميل الإنسانيّ منذ خمسينيّات القرن الماضي، حين لفت إلى أنّ الإنسان يلجأ إلى الآخرين كي يعرف قدراته ومكانته، خصوصًا حين لا يجد مقياسًا واضحًا يقيس به نفسه. لكنّ أحدًا لم يكن يتخيّل آنذاك أن تأتي أيّام نحمل فيها هذه المرآة في أيدينا، وأن نفتحها متى شئنا، لنجد خلفها عالمًا كاملًا من الوجوه والإنجازات والأجساد والرحلات والاحتفالات. لم يعد علينا أن نذهب بعيدًا كي نعثر على شخص نقارن أنفسنا به. العالم كلّه صار في متناول الإصبع. وما يجعل الأمر أكثر قسوة أنّنا لا نرى حياة الآخرين كما هي؛ نحن نراها بعد أن تكون قد مرّت من غربال الاختيار: اللحظة الأجمل، الصورة الأجمل، الخبر الذي يستحقّ أن يُقال. ثمّ نعود إلى حياتنا محمّلين بكلّ ما نعرفه عنها: تعبها، ارتباكها، فواتيرها، خيباتها، وأيّامها التي لا يحدث فيها شيء. نحن نقارن، كما قال ستيفن فورتيك، كواليس حياتنا بأبرز لحظات الآخرين.
نعيش في عصر يقيس كلّ شيء تقريبًا: عدد المتابعين، الشهادات، الترقيات، المبيعات، الجوائز، الرحلات، الأرقام، وحتّى مقدار ما أنجزناه في يوم واحد. وليس الطموح مشكلة. أن يريد الإنسان أن يتقدّم، وأن يتعلّم، وأن يحقّق إمكاناته، أمر صحّي وجميل. لكنّ علم النفس يميّز بين نوعين من الدافعيّة يكشفان شيئًا عميقًا في علاقتنا بما نفعل: هناك أفعال تمنحنا قيمتها من داخلها، وهناك أفعال تقودنا إليها مكافأة خارجيّة. قد يبدأ الإنسان الكتابة لأنّه يريد أن يقول شيئًا، ثمّ يصبح همّه أن يُرى كاتبًا. وقد يبدأ الرسم لأنّه يحبّ الألوان، ثمّ يصبح أكثر اهتمامًا بأن يُعرف فنّانًا. وقد يختار مهنة لأنّها، كما يظنّ، تشبهه، ثمّ يقضي سنوات فيها لأنّ صورتها أمام الآخرين أصبحت أثقل من علاقته بها. في البداية كان الإنجاز امتدادًا للذات، ثمّ أصبح، شيئًا فشيئًا، دليلًا عليها. وهنا يتحوّل الإنسان من صانع لحياته إلى جامع للأدلّة على أنّه يعيش حياة تستحقّ الإعجاب.
ربّما كان وراء هذا كلّه خوف أقدم من الهاتف وأبقى من عيون الآخرين، فمنذ أن عرف الإنسان أنّه سيموت، وهو يحاول، بطريقة أو بأخرى، أن يؤجّل غيابه. يترك طفلًا يحمل ملامحه، أو بيتًا بناه بيديه، أو كتابًا وضع فيه شيئًا من روحه، أو شجرة غرسها ولن يجلس طويلًا تحت ظلّها. يكتب اسمه على حجر، يرسم، يبني، ينجب، يعلّم، ويحبّ؛ وكأنّ في داخله صوتًا خافتًا يريد أن يقول للزمن: مررت من هنا. وقد لفتت “نظريّة إدارة الرعب” إلى هذا الجانب العميق من النفس البشريّة: حين يقترب وعي الإنسان من حقيقة فنائه، يشتدّ تمسّكه بما يمنح حياته معنى. لكنّ ثمّة فرقًا بين أن تريد أن يبقى منك شيء، وأن تحتاج إلى أن يراك الجميع كي تشعر أنّك كنت موجودًا. بين الأمرين مسافة تبدو صغيرة. لكنّها قد تبتلع عمرًا كاملًا. وهنا، ربّما، لا يعود خوفنا الحقيقيّ من أن نكون عاديّين، بل من أن نكون قابلين للنسيان.
لكن تبقى هذه النظريّة جهة من التجربة الإنسانيّة في مواجهة الموت، ففي الجهة الأخرى يقف الإيمان ليقول شيئًا مختلفًا تمامًا: لست مطالبًا بأن تهزم الموت بأن تجعل اسمك أبقى منه؛ لأنّ الموت نفسه ليس النهاية. في التصوّر الإيمانيّ، الموت ليس محوًا للوجود، إنّه عبورٌ إلى وجود آخر، ولا يعود الخلود بحاجة إلى أن يُنتزع من الزمن بكتاب أو تمثال أو شهرة. يكفي أن يكون للحياة معنى عند الله، حتّى لو لم يعرف بها أحد. ولعلّ التصوّف يذهب بهذا المعنى إلى أبعد من ذلك؛ فكلّما ابتعد المحبّ عن مركزيّة ذاته، خفّت حاجته إلى أن يرى الآخرون ذاته. لا يعود همّه أن يثبت أنّه كان هنا، بقدر ما يصبح همّه أن يكون صادقًا في حضوره، حتّى لو مرّ بين الناس بدون أن يلتفت إليه أحد. هناك، لا تكون قيمة الأثر في عدد من يراه، وإنّما في صدق ما أودعته الروح فيه. ومن هنا يبدو الفرق عميقًا بين رغبتين قد تتشابهان من الخارج: أن أترك أثرًا لأنّني أخشى أن أُنسى، وأن أترك خيرًا لأنّني أؤمن بأنّ ما يخفى عن الناس ليس خافيًا عن الله. في الأولى يظلّ الإنسان مشدودًا إلى أعين الآخرين؛ وفي الثانية يستطيع أن يعمل حتّى حين لا توجد عين تنظر.
هنا أيضًا قد لا يكون المؤمن والصوفيّ خارجين تمامًا من حكاية خوفنا من العاديّة. لكنّهما يستطيعان أن يخرجا منها بإعادة تعريف العاديّة نفسها، فما يبدو عاديًا في عين العالم قد يكون عظيمًا في عينٍ أخرى: أمّ ترعى أبناءها، وإنسان يكتم أذى، ويد تمتدّ إلى محتاج بدون أن يعرف بها أحد. لا جائزة هنا، ولا صورة، ولا جمهور؛ ومع ذلك قد تكون الحياة، في أعمق معناها، ممتلئة. وربّما هنا يكمن الفارق بين أن نريد أن نبقى في ذاكرة الناس، وأن نريد أن تكون حياتنا ذات معنى حتّى لو نسيها الناس.
في النهاية، يبدو أغرب ما في الحكاية أنّ الطريق الذي نسلكه هربًا من التشابه قد ينتهي بنا إليه، فكثيرون يطلبون الاستثناء عبر الصور الجاهزة التي صنعتها الثقافة للتميّز، فيجدون أنفسهم، من حيث لا يشعرون، في الصفّ نفسه الذي أرادوا أن يخرجوا منه. وما ظنّوه هروبًا من الاختفاء قد يقودهم إليه؛ لأنّ الإنسان، حين يقلّد صورة الآخرين عن الاختلاف، يفقد الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن يمنحه إيّاه أو ينتزعه منه: صوته الخاصّ. ولعلّ النقيض الحقيقيّ للعاديّة ليس أن تكون أكثر لمعانًا من الآخرين، بل أن تكون أصيلًا، فالاستثناء قد يجعلك مختلفًا، لكنّ الأصالة تجعلك أنت.
* كاتبة أردنيّة.