أحمد الجابر..كاتب
منذ عقود، يواجه السوريون معضلة متجذّرة تتعلق بخطاب الكراهية، الذي لم يأتِ كنتيجة مباشرة للحرب فقط، بل تأسس عبر سياسات رسمية وممارسات اجتماعية متراكمة.
فقد وظّفت السلطة أدواتها التعليمية والإعلامية والسياسية لترسيخ صورة “الآخر” المختلف باعتباره تهديداً، وهو ما جعل الانقسام القومي والطائفي جزءاً من البنية اليومية للحياة العامة، ومع اندلاع النزاع في عام 2011، لم تختفِ هذه التوجهات، بل تفاقمت واتخذت أشكالاً أكثر حدّة، لتصبح جزءاً من آلة الحرب ذاتها.
فبدلاً من أن يكون التنوع السوري مصدراً للقوة والغنى الثقافي، جرى تصويره كخطر يجب إلغاؤه أو إخضاعه. ومع تفاقم الأزمة، برزت التنظيمات الجهادية لتعيد إنتاج خطاب إقصائي أكثر حدّة، يقوم على الشرعنة الدينية لإلغاء الآخر، بينما بقي النظام يستخدم نفس الأدوات القديمة من تخوين وتشويه وتشتيت للمجتمع.
اليوم، وبعد أكثر من عقد من العنف المسلح، يظهر خطاب الكراهية كواحد من أبرز التحديات أمام أي عملية لإعادة بناء المجتمع السوري أو صياغة مستقبل مشترك يقوم على الاعتراف بالتعددية والتنوع.
تبرز تجارب دول أخرى كأمثلة على إمكانية مواجهة خطاب الكراهية بفاعلية. ففي رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، جرى العمل على سياسات تعليمية وإعلامية صارمة لمنع تكرار التحريض العرقي. وفي البوسنة والهرسك، سعت مؤسسات المجتمع المدني إلى إعادة بناء الثقة بين المجتمعات المنقسمة.
هذه التجارب تفتح الباب أمام تساؤل أساسي في الحالة السورية: كيف يمكن صياغة استراتيجية وطنية لمكافحة خطاب الكراهية، تتناسب مع خصوصية مجتمع متعدد المكونات وتاريخ طويل من التوترات؟
يرى بعض الصحفيين والباحثين أن جذور الأزمة أعمق مما تبدو عليه للوهلة الأولى، فالسياسات البعثية لم تقتصر على احتكار السلطة، بل سعت إلى إعادة تشكيل الهوية السورية على أسس قومية ضيقة، ما عزز الانقسام بدلاً من تجاوزه. بالنسبة للكثيرين، فإن هذه المقاربة ساهمت في تمهيد الأرضية لخطاب إقصائي متواصل، يجد انعكاساته حتى اليوم في المشهد السوري.
ويذهب المنظمات الحقوقية والباحثون أبعد من ذلك، إذ يعتبرون أن خطاب الكراهية في سوريا لم يكن مجرد انعكاس لخيارات سياسية آنية، بل جزءاً من بنية أعمق تشمل المناهج التعليمية، المنابر الدينية، والإعلام الشعبي، ومع دخول فاعلين جدد إلى الساحة من جماعات جهادية إلى فصائل مدعومة إقليمياً، اكتسب الخطاب زخماً مضاعفاً، ما جعل آثاره تمتد إلى مختلف المكونات السورية من دون استثناء.
خطاب الكراهية في سوريا… من سياسات البعث إلى خطاب الجهاديين
يقول عبدالحليم سليمان، صحفي مقيم في قامشلي، لـ “963+”، إن سياسات النظام البعثي شكّلت الأثر الأساسي في تنمية وانتشار خطاب الكراهية في سوريا. فقد زرع نظام الأسد البعثي أفكاراً إنكارية تجاه الآخرين، عزّزت الفردية القومية والسردية التي تمنح ميزات وخصائص لمكوّن واحد على حساب باقي المكوّنات، في محاولة لتشكيل هوية واحدة لشعوب وطوائف متعددة. أي أن المشروع كان قائماً على فكرة صهر جميع المكونات في هوية مصطنعة لا تعبّر عن حقيقتهم.
هذه السياسات لم تؤسس لهوية وطنية جامعة، بل على العكس، خلقت تنافراً بين المختلفين، في وقت كان من المفترض أن تعزز الهويات الفرعية التي قد تشكّل هوية سورية جامعة. وبدلاً من ذلك، اعتمد النظام البعثي على مبدأ “فرّق تسد”، ما أدى إلى تكوين مجتمعات قائمة على الكراهية، خاصة مع الدور المركزي للأجهزة الأمنية. وقد شهدت سوريا أحداثاً متكررة للتناحر بين المجتمعات، بحسب سليمان.
ويضيف أن التنظيمات الجهادية الإسلامية التي ظهرت في سوريا عقب اندلاع الثورة استمدت الكثير من أفكارها من البعث. سواء القاعدة في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، أو في سوريا، كان رجالاتها الأمنيون والعسكريون في الأصل أبناء الأنظمة نفسها، وبالتالي حملوا معهم الأفكار الإلغائية تجاه الآخرين.
يتابع: “كثير من الخطابات والفتاوى المتطرفة التي أباحَت قتل وإنكار الآخر لم تكن بعيدة عن عقلية البعث في التعامل مع المختلف، ولا سيما من الناحية القومية. وبذلك، فإن الفكر الجهادي في المنطقة قائم على الفكر القومي الإلغائي، كما يظهر في تنظيمَي داعش والقاعدة”.
ويشير إلى أن خطاب الكراهية الذي انتشر لاحقاً حاول توحيد العرب السنة على حساب الطوائف الأخرى، لكنه سرعان ما استهدف العرب السنة المختلفين معه أيضاً. فأصبح كل مختلف ـ كردياً كان أو مسيحياً أو درزياً أو غيرهم ـ خارج نطاق الولاء، بالتالي هدفاً للإلغاء أو الاعتداء.
أما الحكومة السورية الحالية، فهي في مأزق كبير، بحسب سليمان، لأنها انبثقت من خلفية تحمل أفكاراً مشابهة، ولم يصدر حتى الآن أي تشريع أو قانون واضح يجرّم خطاب الكراهية، كما أن المنابر الدينية لا تزال تصدح بالتحريض، بينما الإعلام والمؤثرون المقرّبون من السلطة يواصلون إذكاء الكراهية وتأليب الشارع السوري على بعضه، سواء في الساحل أو في السويداء أو في شمال وشرق سوريا.
ويرى أن استمرار هذه الممارسات لا يضعف الحكومة فحسب، بل يسير بالبلاد نحو المجهول والكراهية، خاصة أن المجتمعات الخارجة من الحرب مليئة بالتناقضات التي تشكّل أرضاً خصبة لخطاب الكراهية.
ويؤكد سليمان أن المجتمع المدني والإعلام السوري يتحمّلان مسؤولية كبرى في نشر الوعي والتصدي لمثيري خطاب الكراهية من أي طرف. ويقع العبء الأكبر على عاتق المقرّبين من السلطة، كونهم يملكون القدرة على اتخاذ قرارات رسمية مؤثرة.
ويشير إلى أن تجارب إيجابية برزت في شمال وشرق سوريا، سواء عبر المجتمع المدني أو المؤسسات الرسمية، حيث جرى التواصل مع المجتمعات المختلفة للحد من خطاب الكراهية.
كما أن القوانين المتعلقة بالإعلام، السابقة منها أو الحالية، تتضمن بنوداً واضحة لمكافحة هذا الخطاب ومعاقبة من يروّج له على المنابر أو المنصات. ويلاحظ سليمان أن الخطاب السياسي والمجتمعي في تلك المنطقة ينسجم بدرجة كبيرة مع قيم التسامح والعيش المشترك.
كراهية متجذّرة في البعث
يوضح بسام الأحمد، المدير التنفيذي لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، لـ “963+” أن نظام البعث لم يكن وحده مسؤولاً عن نشر خطاب الكراهية، بل إن سياسات الحكومات المتعاقبة أيضاً لعبت دوراً في ذلك.
ويشير إلى أن نظام بشار الأسد، الذي أدار الدولة عبر حزب البعث، اعتمد سياسة إقصائية تقوم على تخوين المعارضين وشيطنتهم.
ويضيف أن خطاب الكراهية لم يكن مقتصراً على السياسة، بل وُجد في كل مكان: في الجوامع، في النكات والأمثال الشعبية، في المناهج الدراسية، وحتى في الأحاديث اليومية. وكان على البعث أن يغيّر هذه المناهج ويمنع خطاب الكراهية من جذوره.
كما أن التنظيمات الجهادية الإسلامية والفصائل المدعومة من تركيا، بحسب الأحمد، اعتمدت خطاباً يحض على الكراهية ضد غير العرب وغير المسلمين، ما عزز النزاع. ومع اندلاع الحرب السورية، ازداد انتشار هذا الخطاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي أوصلت رسائله إلى مئات الآلاف من الناس.
ويؤكد أن خطاب الكراهية ترك أثراً بالغاً على الدروز والأكراد والعلويين وغيرهم من الطوائف. حتى أن نظام الأسد وصف معارضيه السنة بالإرهابيين والعملاء لإسرائيل. فكل انتهاك في سوريا كان يسبقه خطاب كراهية يبرر الاستهداف.
ويشدد الأحمد على ضرورة سنّ قوانين واضحة لمكافحة خطاب الكراهية، بالتوازي مع سياسات وتدابير تشمل التعليم والمناهج والمجتمع المدني ورجال الدين، إضافة إلى الفنون. فالقوانين وحدها غير كافية.
ورغم أن المجتمع المدني والإعلام السوري لهما دور مهم في مواجهة خطاب الكراهية، إلا أنهما متورطان أيضاً في نشره إلى حدّ ما. ومع ذلك، ظهرت مبادرات مدنية تحاول مقاومة هذا الخطاب والحد من انتشاره. وهنا يلفت الأحمد إلى خطورة أن يُستخدم شعار “مكافحة خطاب الكراهية” كذريعة لقمع حرية الرأي والتعبير.
المصدر موقع 963