كتابة طارق حجي، مُحرّر مُنشئ. مجلة الفراتس
حين ينتصف سبتمبر وتبدأ الأجواء الخريفية تمهيداً للشتوية، ينتعش بعض محبّي الكتب. ثمّة معرضان كبيران للكتاب في الشهور القادمة، فتبدأ دور النشر من الآن عرض إصداراتها الجديدة من الكتب الجديدة والقديمة، ويبدأ محبّو الكتب في تدبير ميزانياتهم وتحضير مكتباتهم لاستقبال الوفود الجدد. الشتاء عندي هو الوقت الأمثل للقراءة، فأكثر ما أقرأ في الشتاء. للأسف لستُ مدخّناً، فلا يمكنني إكمال الصورة النمطية عن القارئ الذي يمسك بيدٍ سيجارةً وبالأخرى يقلِّب صفحات كتابٍ، يلفُّه ضبابُ التبغ والفكر في آنٍ واحد. وحتى الصورة النمطية الأخرى عن سائرٍ يرتدي معطفه في الطرقات، يدخّن سيجارةً وهو يتأبّط كتبه، لا أستطيع إكمالها. فالحركة في شوارع القاهرة المزدحمة لا تناسب هذه الصورة أيضاً. وإن اخترت مقهىً هادئاً، فلهذا تكلفته. جلستُ أقرأ مقالات هذا الأسبوع، فوجدتُها تلتئم تماماً داخل هذا الجو الخريفي والصور غير المكتملة، بين الكتب والدخان والطريق، وعلاقة رأس المال بالثقافة.
في المقال الأول “التاريخ الاجتماعي للتدخين في مصر”، يرسم رضوان آدم تاريخ تعامل المصريين مع التدخين. يأخذنا معه من القرن السابع عشر، وحتى عهد محمد علي، ثم قيام ثورة يوليو 1952، وإلى الوضع الحالي. ويكشف كيف أن تاريخ المصريين مع الدخان يروي عدداً من الصور الاجتماعية والسياسية. فقد تأثّر إنتاج الدخان وتوزيعه بالحوادث السياسية الكبرى، مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وعرف ظهور الاحتجاجات العمالية وظهور إشكالات الميكنة. كذلك تأثّر بتوجهات الحكومات المتعاقبة بشأن التأميم والخصخصة، وتأثّر بحركة السوق وسعر الدولار. يُبرز الكاتبُ أن الصورة المعهودة عن ربط السيجارة بالشعب الكسول، التي كرَّسها الاستشراق، تخفي تنوُّع الصور عن ارتباط السيجارة والغليون برموزٍ سياسيةٍ وفكريةٍ ومراحل مهمّةٍ في التاريخ.
في المقال الثاني “الضريبة الوردية للنساء في مواصلات طرابلس”، تأخذنا أميرة النعّال لاستكشاف ما تدفعه النساء كلّ يومٍ ثمناً باهظاً للحركة الآمنة في الفضاء العام. إذ تروي لنا تجربةَ السائقات النساء في ليبيا، اللائي ينتظمن في تطبيقات سيارات الأجرة. مع أن هذا حلٌّ لمعضلات خروج النساء وحركتهنّ في الشارع، وطريقةٌ آمنةٌ لكسب قوت السائقات، إلّا أنه يبرز تلك الضريبة المفروضة على النساء لقاء الحركة أو الكسب بأمان. وتوضِّح أنه مع غياب قراراتٍ حقيقيةٍ تستطيع أن تقلّل هذه التكلفة، وتضمن حركة المرأة بسلاسةٍ في الفضاء العامّ شأنها شأن الرجال، فإن النساء ما زلن يدفعن الثمن مادياً ومعنوياً.
تأتي المقالة الثالثة “كيف نالت الحرب من مكتبات دمشق وحلب”، ليوسف موسى، ليروي لنا قصص مكتبة محمود السلوم في دير الزور والمكتبة الوقفية في حلب ومكتبة المدرسة الخسروية، وكيف عانت من التضييق قبل الثورة السورية، وتأثرت بالحرب بعدها وبالرقابة مرّةً أخرى. وكيف حاول المثقفون إنقاذها مراراً إما بدفنها أو إخفائها أو نقلها.
ثم تأتي مقالة “الراب العربي من المقاومة إلى الاحتواء”، لياسمين فتحي، لتوضح لنا علاقةً أخرى للسلطة بالثقافة، حين ترتبط برأس المال وقيم السوق وخططه. تأخذنا المقالة في رحلةٍ طويلةٍ بين تجارب “الراب” العربية، لتكشف التحولات التي عرفها هذا الفن منذ ظهوره تأثراً بالأغاني الغربية. مثّل هذا الفن أحياناً نوعاً من المقاومة، لبعده عن المنصّات الرسمية وقلّة كلفته، ليصيح تعبيراً عن نبض الشارع وصوتاً للفئات الشابّة. إلّا أن صلته بالسوق وآلياته، أدّت به مؤخراً لإعادة التشكُّل. لم يُقضَ تماماً على مقاومته، بل تحوّلَت إلى جزءٍ من عملية تنفيسٍ دوريةٍ تديرها السلطة والسوق.
أخيراً يأتي مقال “صراع ترامب والفيدرالي يربك رؤية السعودية 2030” لرامز صلاح. ليلقي الضوء على تحولات العلاقة بين ترامب وبين البنك الفيدرالي، وكيف يؤثِّر هذا على السعودية. فيشير المقال إلى عمق الصلات بين العملتين السعودية والأمريكية، وكذلك المشاريع والاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة، والذي يجعل ارتباك هذه العلاقة بين الرئيس الأمريكي ورئيس الفيدرالي خطراً على رؤية السعودية 2030.
أنهيتُ قراءة المقالات، والتقطتُ كتاباً من المكتبة وأنا أعدّ قهوتي. ذكَّرني الكتاب الذي بين يديّ بكتب الفسلفة التي كنت أخفيها أثناء دراستي الجامعية. فقد كان ترك المذاكرة وقراءة كتبٍ من خارج مقرراتي سبباً في غضب أبي وأمي، فكنت أخفيها بين كتب الدراسة التي لا أقرؤها. جلست لأقرأ هذا الكتاب، وأنا أشرب قهوتي. أردت أن أدير بعض الموسيقى. فتحت شاشتي الذكية. الموسيقى مثل الراب ومثل تطبيقات السيارات، وذوقُنا الموسيقي مثل حركة المرأة في الفضاء، يديرها السوق ويحصِّل ضريبتها بكلّ الألوان.