محرر بموقع السفينة
لم يكن إعلان مظلوم عبدي حلّ «قوات سوريا الديمقراطية» والإدارة الذاتية مجرد قرار عسكري أو إجراء تنظيمي عابر. كان، في جوهره، إعلاناً عن انتهاء مرحلة كاملة من تاريخ الحركة السياسية والعسكرية الكردية في سوريا، وبدء مرحلة أخرى لم تتضح ملامحها النهائية بعد. ولهذا فإن التعامل مع الخطوة بمنطق التخوين أو التقديس هو أسوأ ما يمكن أن يحدث في لحظة بهذا الحجم. فأنصار عبدي سيقولون إنه اتخذ القرار الأكثر واقعية في لحظة إقليمية ودولية لم تعد تسمح باستمرار النموذج السابق، بينما سيقول خصومه إنه تخلى عن أوراق قوة راكمها الكرد خلال سنوات الحرب من دون ضمانات كافية للمستقبل. لكن بين هذين الموقفين توجد مساحة سياسية أوسع بكثير، وهي المساحة التي يجب أن يبدأ منها النقاش الحقيقي: ماذا فعل مظلوم عبدي فعلاً؟ وهل أنهى مشروعاً كردياً، أم أنه أنهى شكلاً من أشكال هذا المشروع كي ينقله إلى مستوى سياسي جديد.
قرار أكبر من «قسد»
المشكلة في النقاش الجاري أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع «قسد» باعتبارها قوة عسكرية فقط. والحقيقة أن «قسد» كانت جزءاً من منظومة سياسية وأمنية وإدارية نشأت في لحظة انهيار الدولة السورية، ثم تطورت لتصبح واقعاً سياسياً وجغرافياً يصعب تجاهله. ولهذا فإن حلها لا يعني سحب السلاح من الشارع فقط، بل يعني نهاية نموذج كامل من الحكم والإدارة والتمثيل السياسي. وهنا يصبح السؤال أكثر جدية: هل كان هذا النموذج قد استنفد إمكاناته فعلاً، أم أن الظروف الدولية والإقليمية هي التي دفعت إلى إنهائه؟
ربما الاثنان معاً. فالنموذج الذي ولد في ظل الحرب على تنظيم «داعش» والدعم الأميركي والتوازنات الميدانية، لم يكن نموذجاً قابلاً للاستمرار إلى الأبد. وفي المقابل، لم تعد البيئة الإقليمية التي سمحت بازدهاره موجودة بالصورة نفسها؛ تركيا تغيرت، والولايات المتحدة غيرت حساباتها، ودمشق استعادت جزءاً أكبر من موقعها، والملف الكردي في المنطقة دخل مرحلة مختلفة.
باتت القوى المحلية أمام خيارين: إما الذهاب إلى تسوية سياسية، أو المخاطرة بمواجهة عسكرية مفتوحة. واختار عبدي التسوية.
هل كان القرار اضطراراً أم رؤية؟
هذه ربما تكون أهم نقطة في تقييم تجربة مظلوم عبدي: هل اتخذ قراره لأنه فقد أوراق القوة، أم لأنه رأى أن أفضل طريقة لحماية المكتسبات الكردية هي نقلها من الميدان العسكري إلى المجال السياسي؟ الفرق بين الاحتمالين كبير جداً:
في الحالة الأولى: نحن أمام تراجع.
في الحالة الثانية: نحن أمام إعادة تموضع استراتيجية.
والحكم على الرجل لن يكون ممكناً اليوم، لأن النتائج لم تظهر بعد؛ فالتاريخ السياسي لا يحكم على القرارات في لحظة اتخاذها، بل على ما تنتجه بعد سنوات. لذلك، فإن قول إن عبدي “استسلم” مبكر، كما أن القول إنه “حقق انتصاراً تاريخياً” مبكر أيضاً.
الحقيقة أن الرجل نقل المعركة من ساحة يعرف كيف يقاتل فيها، إلى ساحة أكثر تعقيداً بكثير: ساحة السياسة السورية.
من قائد عسكري إلى رجل دولة؟
في المرحلة السابقة، كان عبدي يستطيع أن يتحدث من موقع القوة؛ كان يقود قوة عسكرية منظمة، تسيطر على مساحة جغرافية واسعة، وتحظى بدعم أميركي، وتمتلك نفوذاً أمنياً وسياسياً كبيراً. أما الآن، فإن انتقاله إلى موقع مستشار لرئاسة الجمهورية السورية يضعه أمام وظيفة مختلفة تماماً. لم يعد المطلوب منه أن يدافع عن منطقة بالسلاح، بل المطلوب أن يدافع عن حقوق مجتمع داخل دولة. وهذه معركة أصعب؛ فالقائد العسكري يحتاج إلى قوة، أما السياسي فيحتاج إلى دستور، وتحالفات، ومؤسسات، وشبكة علاقات، وقدرة على الإقناع، والأهم: القدرة على تحويل الوعود إلى ضمانات.
من هنا، يمكن أن يكون الانتقال من «قسد» إلى الدولة خسارة، ويمكن أن يكون مكسباً. كل ذلك يتوقف على سؤال واحد: ما الذي دخل مع عبدي إلى دمشق، وما الذي بقي خارج أبوابها؟
إذا دخلت الحقوق الكردية، وضمانات المشاركة السياسية، والاعتراف بالخصوصية الثقافية، والإدارة المحلية الفاعلة، والشراكة الأمنية الحقيقية، فنحن أمام عملية انتقال سياسي.
أما إذا دخل الأفراد فقط، وخرجت القضية من المعادلة، فنحن أمام عملية استيعاب أمني.
هل انتهت القضية الكردية؟
هنا يقع سوء الفهم الأكبر: حل «قسد» لا يعني حل القضية الكردية، تماماً كما أن نهاية الحرب لا تعني نهاية السياسة. فالقضية الكردية في سوريا لم تكن مرتبطة بوجود «قسد» وحدها، كما أنها لم تبدأ معها، ولن تنتهي بانتهائها. هناك لغة وثقافة وحقوق وذاكرة سياسية ومشكلة مواطنة وتمثيل سياسي وتنمية ومشاركة في مؤسسات الدولة.
وإذا كان قرار عبدي قد أنهى مرحلة السلاح والإدارة المنفصلة، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تبدأ من سؤال مختلف: كيف تصبح القضية الكردية قضية مواطنة وحقوق وشراكة سورية، لا قضية منطقة مسلحة؟
نهاية «الإدارة الذاتية» قد تفتح باباً جديداً
للمفارقة، قد يكون انتهاء الإدارة الذاتية فرصة لإعادة بناء السياسة الكردية من جديد. فالسنوات الماضية جعلت معظم النقاش السياسي الكردي يدور داخل بنية واحدة واسعة النفوذ («قسد» والإدارة الذاتية والقوى القريبة منهما). أما الآن، فقد أصبح المجال مفتوحاً أمام القوى الكردية الأخرى، والمجتمع المدني، والنخب والمثقفين والشخصيات المستقلة لكي يشاركوا في صياغة المرحلة. وهذا أمر مهم للغاية، لأن المجتمع لا يحتاج فقط إلى من يحميه، بل إلى من يمثله سياسياً، وإلى طبقة سياسية قادرة على التفاوض، والمساءلة، وصناعة البرامج. إذا حدث ذلك، فإن نهاية «قسد» كقوة مستقلة قد تكون بداية لنهاية احتكار جهة واحدة للقرار الكردي السوري.
لكن هناك مشكلة لا يجوز تجاهلها
الاندماج في الدولة جميل كمفهوم، لكنه يصبح خطيراً إذا تحول إلى شعار بلا ضمانات. التجراب السورية والعربية لا تسمح لنا بأن نكون ساذجين؛ فالدولة القوية يمكن أن تكون ضمانة للمواطنة، لكنها يمكن أيضاً أن تكون أداة لإعادة إنتاج التهميش إذا غابت المؤسسات والضمانات الدستورية. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل عاد شرق الفرات إلى الدولة؟ بل: أي دولة؟ وبأي دستور؟ وبأي حقوق؟ وبأي ضمانات؟
ماذا عن مظلوم عبدي نفسه؟
من حق الناس أن يسألوا عن دور عبدي، وإلهام أحمد، والقيادات السياسية والعسكرية، وعن علاقاتها الإقليمية والدولية، وعلاقة القرار الكردي السوري بحزب العمال الكردستاني وعبدالله أوجلان، وحجم التأثير الأميركي والتركي في مسار التسوية. كل هذه أسئلة مشروعة. لكن هناك فارقاً بين المساءلة السياسية واغتيال الشخصية؛ الأولى تسأل: ماذا فعلت؟ لماذا فعلته؟ وما نتائجه؟ أما الثانية فتستهدف الهوية والانتماء.
عبدالله أوجلان… الحاضر الغائب
لا يمكن تجاهل النقاش المتزايد حول الدور الفكري والسياسي لعبدالله أوجلان في التحول الذي تشهده القضية الكردية. ثمة من يرى أن المسار الجديد (من نبذ الكفاح المسلح إلى إعادة تعريف العلاقة مع الدولة) يعكس تحولاً استراتيجياً في التفكير الكردي الأوسع، وثمة من يرى أن هذه التحولات فرضتها موازين القوى أكثر مما فرضتها الرؤية الأيديولوجية. وقد يكون الاثنان صحيحين بدرجات مختلفة. لكن ما يحتاجه النقاش هو الانتقال من سؤال “من أعطى الأمر؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: لماذا أصبحت الفكرة القديمة غير قابلة للاستمرار، ولماذا باتت فكرة جديدة أكثر واقعية؟
تركيا وإسرائيل وإيران في المشهد
تركيا: لا يمكن فصل ما جرى في سوريا عن التطورات التركية. فتركيا التي كانت تعتبر «قسد» تهديداً مباشراً، دخلت هي الأخرى في مسار إعادة تعريف علاقتها بالمسألة الكردية. ومع تراجع خطر الحرب المفتوحة، أصبح استمرار كيان عسكري كردي شبه مستقل في سوريا أكثر صعوبة استراتيجياً. وبالتالي فإن عبدي كان يتحرك داخل معادلة تشمل أنقرة وواشنطن وأطرافاً إقليمية وعواصم عربية.
إسرائيل وإيران: إسرائيل قد تكون مرتاحة إلى تراجع النفوذ الإيراني، لكنها لا تريد نفوذاً تركياً عسكرياً قوياً على حدودها الشمالية. أما إيران، ورغم خسارتها لجانب من نفوذها، لم تخرج من المعادلة.
إنهاء «قسد» لا يعني ببساطة خروج قوة ودخول أخرى، بل يعني إعادة توزيع للنقاط على رقعة شطرنج إقليمية أكبر بكثير من سوريا نفسها.
الآن تبدأ مسؤولية الكرد
الخطأ الأكبر سيكون أن تتحول المرحلة الجديدة إلى معركة دفاع عن الماضي. المطلوب هو مراجعة جادة:
- ما الذي أنجزته الإدارة الذاتية؟ وأين أخفقت؟
- ما الذي كان ضرورياً في سنوات الحرب ولم يعد ضرورياً اليوم؟
- لماذا لم تتمكن القوى الكردية من بناء جسم سياسي سوري كردي أكثر اتساعاً؟
عادة المجتمعات التي ترفض مراجعة أخطائها محكومة بتكرارها.
لا تصفية حسابات… ولا شيكات على بياض
في هذه اللحظة تحديداً، لا يحتاج الكرد إلى تصفية حسابات، ولا إلى شيكات على بياض لأي قيادة:
لا يحتاجون إلى تخوين مظلوم عبدي، ولا إلى تقديسه.
لا يحتاجون إلى تخوين منتقديه، ولا إلى إسكاتهم.
المطلوب هو نقد سياسي مسؤول يلتزم بالوقائع دون كراهية شخصية. فالاختلاف ليس خطراً على القضية، بل الخطر الحقيقي هو غياب الاختلاف.
الخلاصة: هل ربح مظلوم عبدي أم خسر؟
ربما يكون السؤال نفسه خاطئاً.
لقد خسر عبدي بالتأكيد جزءاً من القوة التي كان يمتلكها، لكنه حصل في المقابل على موقع سياسي داخل الدولة الجديدة. خسر «قسد» كقوة مستقلة، لكنه فتح الباب لاحتمال انتقال القضية الكردية إلى المجال السياسي. وخسر الكرد نموذجاً إدارياً استثنائياً، لكنهم حصلوا على فرصة لاختبار فكرة جديدة: أن يكونوا شركاء في الدولة بدلاً من أن يكونوا أصحاب منطقة مستقلة عنها.
اتخذ مظلوم عبدي أصعب قرار في مسيرته السياسية بالرهان على المستقبل، وهذا القرار يُحكم عليه بالنتيجة:
فإذا تحولت هذه الخطوة إلى حقوق دستورية، وشراكة سياسية، وأمن مشترك، وتنمية حقيقية، فسيقال إن عبدي عرف متى تنتهي الحرب ومتى تبدأ السياسة.
أما إذا انتهت «قسد» ولم تولد في مكانها شراكة حقيقية، فسيكون السؤال مختلفاً تماماً.
في الحالتين، التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد. وأفضل ما يمكن أن يفعله الكرد اليوم هو ألا يكتبوا حكماً نهائياً، بل أن يفتحوا كتاب المرحلة الجديدة ويبدأوا بقراءة ما بين سطوره.