عبد الخالق كيطان… جريدة المدى
ومن الأخبار الجميلة الكشف عن ترنيمة بابلية ضائعة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. تصوّر الرقم! ولكن كيف حفظت؟ الجواب باختصار: في لوح من الطين. هل تتخيل عظمة الاكتشاف، بل قل عظمة الذي كتب الترنيمة وحفظها من التلف لآلاف السنين؟
منذ عام 2018، شرع فريق بحثي مشترك من جامعة بغداد وجامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونخ، في رقمنة آلاف الألواح الطينية ضمن مشروع “المكتبة البابلية الإلكترونية”، في إطار جهد دولي يسعى إلى حماية التراث المسماري من الضياع.
وبحسب الخبر فإن “الخوارزمية التي يقودها البروفيسور إنريكي خيمينيز، بالتعاون مع الباحث العراقي أنمار فاضل، نجحت في مطابقة أكثر من ثلاثين نسخة مجزأة من الترنيمة، تعود تواريخها إلى ما بين القرنين السابع والأول قبل الميلاد. وبفضل هذا التلاقي الحسابي، أعيد بناء نص شعري من نحو 250 بيتًا، ظل غائبًا عن أعين الباحثين طيلة العقود الماضية».
ما يهمني في الخبر هو قصائد الشعوب الخالدة. فنحن نقرأ باستمرار قصائد من التراث الرافديني أسهم علماء كبار في استخراجها من الطين وترجمتها للعربية، أو الانكليزية. وبالطبع يحدث هذا أيضا مع نصوص من حضارات أخرى كثيرة ما يشكل بالنتيجة مكتبة ضخمة لذاكرة الشعوب.
وبين الحين والآخر تذهب تلك القصائد لتكون مرجعيات معينة في فهم أنساق ثقافية، أو طبيعة الشعوب نفسها. كما ان البعض من الأبيات الشعرية تغدو مضربا للأمثال، أو أقوال في الحكمة يستأنس بها الباحثون والكتاب المعاصرون.
والسؤال هنا: هل تقتصر قصائد الشعوب على تلك اللقى الاثرية وحدها؟ بالتأكيد لا. ولكن تلك اللقى، لقدمها وربما لقدسيتها، صارت هي المثال، ولكن الحقيقة أن شعر الشعوب لم يتوقف يوما عن الإنشاد من أجل الإنسان.
في هذا السياق نشر الفنان مقداد عبد الرضا مؤخرا شيئا من شعر نساء البشتون الافغانيات. وهو شعر جريء كنت قرأت منه سابقا وعجبت لطراوته المذهلة. هو شعر يمكن تصنيفه في ذات الموقع: قصائد الشعوب. وربط عبد الرضا، بكاء، شعر البشتون هذا مع شعر نساء كن جنوب العراق أغلبه في الندب والنعي. وبالطبع فإن شعر الندب والنعي في جنوب العراق هو شعر أصيل قد تكون جذوره في مراثي عشتار. ولكن ما أريد الوصول إليه هنا هو سؤال عن كيفية حفظ هذه النصوص، والتي يقارب عمرها حوالي قرن من الزمان، من الضياع؟ هذه النصوص الشفاهية التي يتداولها الجلاس في المضائف والمقاهي كتبت باللهجة المحكية، وأعتقد أن أول خطوة على طريق حفظها هو تبويبها وتنسيقها ومن ثم تحويلها الى اللغة العربية الفصيحة. في هذا السياق يبدو الجهد النبيل الذي قامت وتقوم به مجلة التراث الشعبي، في حفظ النصوص الشفوية، لافتا، ولكنه جهد لن يكتمل إلا إذا تم تحويل النصوص للعربية الفصيحة لكي تكون متاحة للقراء في أي مكان في العالم، شأنها شأن الترنيمة البابلية التي عثر عليها مؤخرا.