ملخص
تقارير اقتصادية واجتماعية عدة داخل دول كثيرة لم تعد تتطرق إلى الحرب بالمعدل نفسه الذي كان سائداً قبل أشهر، لكن إلى “اعتياد” الآثار، وذلك دون التقليل من حجمها. على سبيل المثال، أشار تقرير نشرته “سي أن بي سي” قبل أيام إلى أنه بعد مرور ستة أشهر على الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل من عمليات قتالية كبيرة في إيران، استقر الصراع في مواجهة مطولة دون وجود نهاية واضحة في الأفق. ومضت في سرد الأدلة المبرهنة على ضبابية المستقبل القريب، ومن ثم البعيد، واختلاف أدوات الضغط المستخدمة من ضربات عسكرية، وضغوط اقتصادية، وتضييقات تجارية وغيرها، لكن الأبرز والأكثر إثارة في التقرير هو “تأقلم الأسواق مع الحرب”.
بدأت حرب إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي. بالحسابات المعتادة، مر عليها نحو ستة أشهر، أما بحسابات النفس البشرية وقدراتها المتفاوتة على الفهم والاستيعاب من جهة، والتحمل والتأقلم من جهة، والحفاظ على حد أدنى من أدرينالين الاهتمام والمتابعة، وكذلك القلق والفزع، ومعها التوقع والتأقلم، فتقدر بأشهر أطول بكثير، وفي قول آخر بأعوام. ولولا الخوف من الاتهام بالمبالغة، لقيل إن حرب إيران بدأت قبل عقود، بحسب مقياس الثقل والضغط والخوف من المجهول.
علمياً، أجمعت دراسات نفسية وإعلامية عدة على أن اهتمام الجمهور بأخبار النزاعات، مهما بلغت من قسوة أو حدة أو وطأة، يشهد انخفاضاً حاداً بعد مرور بين أربعة إلى ستة أسابيع. يسمونها تارة “إرهاق القضايا”، وأخرى “إنهاك الأزمات”، أو “ثقل الأخبار”، وكذلك “عناء القلق” وغيرها كثير.
بحسب دراسة عنوانها “التأثيرات النفسية للتعرض المطول لتغطية الإعلام للأزمات على الصمود العام وآليات التكيف” (المجلة العربية لبحوث الإعلام والاتصال) (2025) للباحثة في الإعلام أميرة عبدالمنعم عبدالفتاح، فإن الأزمات الجيوسياسية الكبرى تثير اهتمام الجمهور، وتؤدي إلى ارتفاع هائل في متابعة مجرياتها والتفاعل معها في بداياتها، إلا أن القدرة، وكذلك الرغبة في التركيز عليها، تتضاءل بمرور الوقت، مهما بلغت من درجات عنف شديدة وأحداث مؤسفة متكررة، وظلت غير محسومة.
الحسابات الأسهل، على رغم أنها الأكثر قسوة، لآثار حرب إيران، تكمن في عداد القتلى والجرحى والنازحين. أبرز المتضررين من الحرب هم عائلات القتلى والجرحى وأسرهم والنازحون الذين اضطرتهم الحرب أو ارتداداتها داخل دول الجوار، لا سيما لبنان، لترك بيوتهم. أما الحسابات الأخرى غير المدرجة بصفة يومية في يوميات الحرب تكمن في ملايين المتضررين والمتأثرين حول العالم.
أسعار الطاقة المتذبذبة والمستمرة في الارتفاع، وارتفاع أسعار السلع والبضائع وكلفة السفر ونقص الأسمدة والأغذية، إضافة إلى التوترات السياسية داخل الدول والناجمة عن غضب أو رضا الشعوب من طريقة تعامل سياسييها ومعارضيها مع الحرب وأطرافها، والتغيرات الجذرية في تحالفات القوة وكذلك أنماط العداء والمنافسة، وغيرها مستمرة في التأثير في مليارات البشر حول العالم.
وعلى رغم هذه التأثيرات التي طاولت غالب شعوب الأرض بدرجات متفاوتة، وعلى رغم أن الحرب مستمرة في تأثيراتها، سواء الحالية جراء الوضع المتعقد المتعثر الحالي، أو المتوقعة بعد انتهاء الحرب من حيث التأثيرات الاقتصادية والسياسية والأمنية الممتدة، فإن أمارات الانفصال عن الاهتمام بالحرب ومجرياتها تتواتر.
تضارب الأهداف والنتائج
الأهداف السياسية التي جرى الحديث عنها للحرب التي لم تخل من تضارب على الجانبين، والنتائج المتحققة على الأرض التي طالها التضارب بحسب الجهة الراوية لها، وطول أمد التناقض، أكثر من طول أمد الحرب نفسها يعرض حرب إيران لخطورة شديدة، ألا وهي تآكل اهتمام الجماهير العريضة بها، وإرهاق وإنهاك يطاول الأعداد المتناقصة المتابعة لها، وملل وضجر يضربان بشدة معدلات المتابعة والاهتمام بأكثر تقارير الحرب إثارة، وأكثر تصريحات القادة إدهاشاً، وأكثر الصور والفيديوهات إبهاراً، وأكثر التطورات غرابة.
جرى عرف استطلاعات الرأي العام في أوقات الحروب والصراعات والأزمات أن يسأل الناس عن مدة موافقتهم أو معارضتهم للحرب، أو أي من الطرفين يدعمون، أو توقعاتهم حول المنتصر والمنهزم. أما حرب إيران، فقد قررت أن تصنع لنفسها عرفاً خاصاً بها. إنه العرف الذي نجم عن الإنهاك الخبري، والضغط الناجم عن التضارب والتناقض، لا بين إشهارات الطرفين فحسب، بل أحياناً في داخل الطرف الواحد، والدوار الناجم عن الإفراط في الإعلان عن التوصل إلى اتفاق، ثم نفي التوصل إلى اتفاق، وبعده تأكيد العودة إلى ساحة القتال، يعقبه تأكيد الالتزام بطاولة المفاوضات، ثم التلويح بورقة العقوبات الاقتصادية، ثم استبعاد اللجوء إليها وفجأة إعلان تطبيقها، وذلك قبل العودة إلى النقطة صفر، إذ التوصل إلى اتفاق ثم نفيه وهلم جراً.
دورة حياة الأخبار المثيرة والمزعجة معروفة. الأسبوعان الأولان ركض وراء الأخبار ولهاث لا ينقطع في محاولة للبقاء في حال اطلاع على كل كبيرة وصغيرة طول اليوم والأسبوع. يسمونها شهوة أو عاطفة المراقبة المحتدمة، وهذه الشهوة أو العاطفة تدفع الجموع الغفيرة بفعل الحرب أو الصراع أو الكارثة إلى المتابعة المكثفة بصورة غير عادية، مدفوعة بالصدمة أو الهلع أو الوقوع في قبضة أدرينالين متابعة الجديد المتجدد على مدار الدقيقة، وتقوم وسائل الإعلام مدفوعة بدورها في التغطية والإعلام والإخبار من جهة، والسعي إلى الإبقاء على اهتمام ومتابعة الجماهير من جهة أخرى بالاجتهاد الخوارزمي من جهة، والانكباب على العمل في غرف الأخبار ومتابعة عمل المراسلين من جهة أخرى، للحفاظ على ذروة المشاهدة أطول فترة ممكنة.
وبين الأسبوعين الثالث والسادس للحرب، تبدأ علامات التراجع. ولأن التصعيد العسكري وتفاقم الخسائر البشرية والمادية وتفجر ساحات جديدة أو توسع قاعدة الخسائر للمعركة لها حد أقصى، ولا يمكن الإبقاء عليها جميعاً في حال استنفار مستمر أو تصعيد لا ينتهي، فإن علامات الإرهاق الأولى تبدأ في الظهور بين الجماهير المتابعة، لا سيما مع اعتياد أسباب الإثارة الأولية من دهشة الضربات العسكرية ومخاوف الآثار الاقتصادية، وهلع التأثيرات الأمنية. تظهر هذه العلامات عادة بعد نحو شهر، وتتزايد بمرور الوقت حتى تصل أوجها مع قدوم الشهر الثاني واستمرار الحرب أو الأزمة.
ثم تبدأ مرحلة أخرى تسمى “التجنب الانتقائي” أو “التجاهل الفعال” للأخبار، بما فيها تلك التي تؤثر بصورة شبه مباشرة على المتلقي. وبحسب “تقرير ’رويترز‘ للأخبار الرقمية” لعام 2026، الذي جرى إنجازه قبل اندلاع حرب إيران، تشهد دورات الأخبار التقليدية تراجعاً عالمياً بصورة مطردة مع استمرار الصراعات.
يعتاد الجمهور الأزمة، ويبدأ في التعامل معها كـ”أصوات أو أضواء بيضاء” أو “ضوضاء في الخلفية”، وتتوقف عن التغلغل اليومي في حياتهم، حتى لو كانت تؤثر فيهم وفي معيشتهم.
ويشير التقرير إلى أن تسارع وتيرة التغيرات العالمية، وتغطية وسائل الإعلام لهذه الأحداث، وتحديثها على مدار الساعة، متنافسة على حصة من الساعات الأربع أو الخمس التي يقضيها كثر يومياً على هواتفهم الذكية تتيح للبعض فرصة جديدة لمتابعة الأخبار، لكنها تهدد آخرين بالشعور بالإرهاق من كثرة المعلومات وتفاقم مواطن القلق والخوف والفزع.
عزوف عام
ورصد التقرير استمراراً لظاهرة انخفاض نسبة الأشخاص الذين يبدون اهتماماً كبيراً جداً بصورة عامة بالأخبار، وهي الظاهرة التي بدأ رصدها في عام 2021. وبلغت نسبة مستهلكي الأخبار العاديين نحو 25 في المئة، قالوا إنهم يتابعون الأخبار مرة أسبوعياً، وأبدوا اهتماماً ضئيلاً أو معدوماً بها، مقارنة بـ16 في المئة عام 2021. المثير أن 42 في المئة تقريباً قالوا إنهم يتجنبون الأخبار.
المؤكد أن حرب إيران أدت إلى تغيرات وزيادات في هذه النسب المئوية، لا سيما في قطاعات متجنبي الأخبار وكارهيها ومستهلكيها في أضيق الحدود، لكن المؤشرات بعد ستة أشهر من القتال، وحروب الوكالة الفرعية، وفتح/ إغلاق – فتح جزئي/ إغلاق جزئي لمضيق هرمز، والحديث عن وجود ألغام، ثم حديث عن عدم وجودها، وبعدها تأكيد إزالتها وتلويح بنصر إيراني ثم فوز أميركي، بعدها عودة للقتال ثم تمسك بطاولة المفاوضات… إلخ تلقي بظلال من ملل وآثار ضجر وعلامات لا تخطئها عين في قدرة على التأقلم والتعايش مع واقع جديد، حتى لو موقت.
الشعور بالتعب والإنهاك لفرط الأخبار مهما بلغت من قسوة وقوع قتلى وحدوث إصابات وضرر يلحق ببنى تحتية وحركة تجارة وسلاسل إمداد وشد وجذب بين الطرفين الرئيسين المتصارعين وداعمي كل منهم، مفهوم ومرصود في حروب وصراعات سابقة.
البحث البشري عن مواطن الإثارة الشديدة والدهشة المفاجئة ليس غريباً، ومن دون ضربة عسكرية “غير مسبوقة”، أو رد صاروخي “غير متوقع”، أو تصعيد دراماتيكي “مذهل”، تتجاهل القاعدة العريضة ما يجري، أو في الأقل تقلص متابعتها للحدود الدنيا.
تجاهل ما يجري في حرب إيران لا يعني إغلاق باب الحرب تماماً. تقارير في دول عدة تشير إلى تحول دفة الاهتمام من المتابعة الليلية لمن ضرب من؟ ومن ألحق ضرراً أكبر بمن؟ ومن هدد من؟ ومن فاوض من؟ ومن ضرب عرض الحائط بما قاله من؟ وغيرها، لمصلحة كيف أثر كل ما سبق في الخسائر المحلية للحرب، من تقلب أسعار الوقود، والتضخم، وأسعار السلع وتوافرها، وسلاسل التوريد والإمداد، وتوقعات الغد وبعد الغد حال استمرار وضع الحرب على ما هو عليه من جمود مقلق، أو صفيح ساخن ساكن لكن يهدد بالانفجار.
تفسيرات عدة تتنافس لطرح ما يبرر أو يشرح التجاهل العالمي للأخبار، والتقلص الجماهيري الظاهر لمعدلات استهلاك تطورات حرب إيران. بين نظريات الإنهاك الخبري، والضغط النفسي والعصبي، والقلق، والضبابية واليأس والإحباط وغيرها، يصعب إيجاد شرح منطقي لكيف يمكن أن تتجاهل الجموع الغفيرة حرباً كهذه تؤثر في كل بيت وتلوح بتأثيرات أكبر مع استمرار حال الحرب غير المحسومة غير معروفة العواقب.
عرف الحروب والكوارث
عرف الحروب والكوارث الكبرى يشير إلى تضاؤل الاهتمام بالجوانب العسكرية والسياسية والجيوسياسية وحتى الأمنية للحروب الكبرى بمرور الوقت، باستثناء الحروب والأزمات التي تطاول جيب الناس وموازنات بيوتهم. وإذ إن حرب إيران تنال من جيوب وموازنات مليارات البشر حول العالم، وتؤثر في أسعار الوقود والطاقة، وتلوح بشتاء صعب في الدول الباردة وصيف قاسٍ داخل الدول الحارة، وتؤثر سلباً في أسعار السلع والأمن الغذائي، وذلك ضمن قائمة طويلة من التأثيرات المباشرة، فإن ما تشهده الحرب من تضاؤل الاهتمام والانفعال أمر مثير للشك والريبة.
يبدو أنه شك ناجم عن قدر غير مسبوق من التناقض، وريبة سببها الأكبر فقدان الثقة، لا في السلم فحسب لكن في قدرة الحرب على الحسم، وسط كم مذهل من التراشق بالتصريحات والتنابز بالتهديدات والتنافس على من يترأس قائمة الأكثر تناقضاً في المواقف.
موقف الرئيس ترمب نفسه مما يجري مدهش، فقد عبر غير مرة عن شعوره بالملل أو الضجر جراء إيران وموقفها والتفاوض معها والحرب عليها، والوصول إلى اتفاق في شأن هرمز معها وانتظار نتائج الضغط عليها.
ووصل الأمر لدرجة أن الوكالة الفرنسية أشارت في تقرير لها عنوانه “ترمب يتحول من الملل إلى الإنكار بعد ستة أشهر من حرب إيران” (أغسطس/ آب الماضي) إلى أن الشيء الوحيد الذي لا يذكره ترمب بعد مرور ستة أشهر على حرب إيران الذي هو حرب إيران، وأنه يبدو وكأن الرئيس الأميركي يشعر بالملل، أو حتى ينكر وجود صراع يلقي بظلاله على ولايته الرئاسية الثانية. وتضيف أن ترمب ذكر كلمة “غرانيت” 13 مرة، وكلمة “إيران” ثلاث مرات في فعالية استمرت 36 دقيقة اصطحب خلالها صحافيين في جولة داخل الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لاستعراض أحدث التجديدات.
الناس العاديون، وربما بعض القادة والزعماء، حين يشعرون بالملل أو الإرهاق من الحروب طويلة الأمد، يتحولون إلى اللامبالاة أو الانعزال أو الانخراط في أنشطة أخرى لا علاقة لها بالسياسة أو الجيوسياسة العالمية، وغالباً “يفشون غلهم” أو ينفسون عن غضبهم أو إحباطهم أو قلقهم بالإغراق في الاقتصاد، وهو البوابة الرئيسة للمرور إلى ساحة السياسة المحلية، لا سيما في الدول الديمقراطية حيث انتخابات وأحزاب وأيديولوجيات تتنافس على أصوات الجماهير الغفيرة.
طول أمد حرب إيران، التي جرى الترويج والتسويق لها باعتبارها ضربة خاطفة وصارمة لـ”ضبط الأوضاع”، مع الحجم غير المسبوق في تناقص التصريحات وتضاربها على الجبهتين، وفي داخل الجبهة الواحدة، بدأ بالفعل ينعكس داخلياً داخل دول غربية عدة بطرق مختلفة. بين رغبة في البقاء على قيد الحياة عبر التمسك بتلابيب الاقتصاد، وتركيز الوقت والجهد والاهتمام على كيفية التعامل مع الظروف المعيشية الآخذة في التعقد، وتحولات سياسية كبرى تشهدها دول عدة حيث بزوغ نجم أحزاب وخفوت أخرى على خلفية التضخم وارتفاع الأسعار وحال الضبابية في ملف الطاقة والوقود، وهو ما قد يؤدي إلى تغيرات كبيرة في سلوك الناخبين.
يشار في هذا الصدد إلى أن الظروف والأوضاع الاقتصادية حين تتعقد وتحتدم تصب عادة في مصلحة التيارات السياسية المتطرفة أو المتشددة أو تلك التي كانت تقبع بعيداً من الطيف السياسي المرشح لنيل جزء من كعكة السلطة والانتخابات، تزامناً مع تعدد صور انصراف الجماهير بعيداً من الاهتمام بالحرب نفسها، والتركيز على آثارها المنعكسة على بيوتهم وجيوبهم.
الحرب في هواء الشد والجذب
أما الحرب نفسها، فتبقى معلقة في هواء الشد والجذب والتأكيد والنفي، والتلويح بالتفاوض ثم تأكيد الضربات. وفي ورقة معمقة نشرها “مجلس العلاقات الخارجية” (مركز فكر وبحوث أميركي) تحت عنوان “حرب إيران بعد ستة أشهر، تحول المنطقة وعلاقتها بالولايات المتحدة الأميركية” (أغسطس 2026)، جاء أن حرب إيران المستمرة على مدار ستة أشهر أبرزت كيف يمكن أن تطيل التناقضات الجيوسياسية الاتفاقات السياسية المبهمة والغموض المعلوماتي أمد الصراعات الحديثة وتفاقمها. وأشارت إلى أنه بدلاً من العمل على توضيح ما يجري، فإن هذا الغموض يخلق بصورة فعالة حلقة مفرغة من الحسابات الاستراتيجية الخاطئة والعنف المستمر دون ملامح نهاية واضحة تلوح في الأفق.
اللافت أن المركز نفسه نشر مقالة في أبريل (نيسان) الماضي تحت عنوان دال على كم التناقضات المثيرة للدوار في هذه الحرب، “كيف أكدت الحرب الإيرانية، وتناقضت، وعقدت السياسة الأميركية”، ناقشت كيف أن صراع أميركا مع إيران في العام الحالي أكد افتراضات واشنطن السابقة حول ضعف النظام الإيراني، لكنه تناقض في الوقت نفسه وبصورة حادة مع الأهداف الأميركية المتمثلة في تجنب الحروب الأبدية، وزاد من تعقيد الأولويات الاستراتيجية الأوسع في منطقة الشرق الأوسط.
الغموض والتناقض وطول أمد الحروب تؤدي إلى ظهور غريزة البقاء ولو بعد حين، إنها الدافع الفطري الطبيعي الذي يحفز البشر على البقاء على قيد الحياة، إن لم يكن بالتغلب على الأخطار والتحديات فبتجنبها وتقليص هوامشها، وإن لم يكن هذا أو ذاك فبتجاهلها والبحث عن سبل للتعايش معها والتأقلم مع آثارها.
تستمر الحياة بصورة أو بأخرى في غالب أرجاء العالم. يغلق المضيق ثم يفتح أو يغلق جزئياً، تتضارب التصريحات ويلوح السلام في الأفق، لكن تعود طبول الحرب لتعلو دقاتها، وفي الخلفية تستمر شعوب الأرض في الحياة. وتطرأ تغيرات في أنماط النقل والمواصلات وسبل استهلاك الوقود، وتجري المؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة وحتى البيوت تعديلات اقتصادية واجتماعية وإجرائية، مع إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وإيجاد البدائل وغيرها كثير.
تقارير اقتصادية واجتماعية عدة داخل دول كثيرة لم تعد تتطرق إلى الحرب بالمعدل نفسه الذي كان سائداً قبل أشهر، لكن إلى “اعتياد” الآثار، وذلك دون التقليل من حجمها. على سبيل المثال، أشار تقرير نشرته “سي أن بي سي” قبل أيام إلى أنه بعد مرور ستة أشهر على الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل من عمليات قتالية كبيرة في إيران، استقر الصراع في مواجهة مطولة دون وجود نهاية واضحة في الأفق. ومضت في سرد الأدلة المبرهنة على ضبابية المستقبل القريب، ومن ثم البعيد، واختلاف أدوات الضغط المستخدمة من ضربات عسكرية، وضغوط اقتصادية، وتضييقات تجارية وغيرها، لكن الأبرز والأكثر إثارة في التقرير هو “تأقلم الأسواق مع الحرب”.
التقرير وعنوانه “ستة أشهر من حرب إيران، الأسواق تعتاد حال الجمود دون نهاية تلوح في الأفق” تحدث عن استمرار تقلب أسعار النفط وسط حال من عدم اليقين، لكم أمارات عدة تشير إلى شبه استقرار وشبه تحسن للأسعار، مع تجاهل أسواق الأسهم إلى حد كبير التداعيات المحتملة للصراع.
ويبقى السؤال هو هل تسهم هالة التناقض وحال عدم اليقين ووضعية اللاحرب واللاسلم، مع تنامي مظاهر الاعتياد وتزايد قدرات التأقلم، على خلفية ما أصاب الملايين من ملل وسأم، في الوصول بحرب إيران إلى فصلها الأخير؟
