تتواصل الاحتجاجات الشعبية في مدينة القامشلي، شمال شرقي سورية، رفضاً لتدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، وسط شكاوى من تراجع القدرة الشرائية للسكان وارتفاع كلفة الخبز والكهرباء والمحروقات، بالتزامن مع نقص المياه وتراجع مستوى الخدمات العامة.
ويطالب المحتجون بتحسين الظروف المعيشية وتأمين الخدمات الأساسية، معتبرين أن استمرار ارتفاع الأسعار، في مقابل محدودية الدخول والرواتب، دفع شرائح واسعة من السكان، ولا سيما الموظفين والمتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود، إلى حافة العجز عن تأمين احتياجاتهم اليومية.
وقالت المعلمة المتقاعدة شيرين أحمد لـ”العربي الجديد” إنها شاركت في الاحتجاجات لأن السكان “وصلوا إلى مرحلة لم يعد بإمكانهم فيها السكوت أو تحمل المزيد”، مشيرة إلى أن السبب الرئيسي يتمثل في “الارتفاع الكبير والمستمر في الأسعار”، الذي بات يفوق إمكانات أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين. وأضافت أن الأسعار تتغير باستمرار بينما تبقى الرواتب على حالها، موضحة أن المحتجين “لا يطالبون بالرفاهية أو الكماليات”، وإنما بتأمين أساسيات الحياة، من الكهرباء والماء والخبز، وبأسعار يمكن للمواطن تحملها.
وترى أحمد أن السكان تحملوا طوال سنوات الحرب ظروفاً قاسية من الفقر والنزوح وانقطاع الخدمات، على أمل أن يؤدي انتهاء الحرب إلى تحسن أوضاعهم، إلا أن المعاناة، بحسب قولها، استمرت في أشكال جديدة.
وأكدت أن المتقاعدين يعتمدون بصورة أساسية على رواتبهم، التي لم تعد تكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، متسائلة: “ماذا نفعل عندما ينتهي راتبنا قبل أن ينتهي الشهر؟ وكيف نستطيع أن نؤمن احتياجاتنا إذا كانت الأسعار ترتفع باستمرار بينما دخلنا يبقى على حاله؟”.
وطالبت أحمد المسؤولين بالنظر إلى الواقع المعيشي للسكان كما هو على الأرض، داعية إياهم إلى النزول إلى الشارع والاستماع إلى المواطنين ومعرفة كيفية تأمينهم ثمن الكهرباء والماء والخبز والغذاء من دخول محدودة.
من جهته، قال المدرس المتقاعد من مدينة القامشلي هلوش عزيز لـ”العربي الجديد” إن الخروج إلى الشارع بات ضرورياً للمطالبة بالحقوق الأساسية، مؤكداً أن المحتجين “لا يطالبون بالكماليات أو الرفاهية وإنما بأساسيات الحياة والعيش الكريم”.
ودعا عزيز جميع مكونات المنطقة، من عرب وأكراد ومسيحيين، إلى المشاركة في المطالبة بتحسين الظروف المعيشية، معتبراً أن الأزمات الحالية تطاول الجميع ولا ينبغي أن تتحول المطالب الخدمية والمعيشية إلى قضية تخص فئة بعينها.
كما دعا الأحزاب الكردية إلى الخروج من حالة الصمت، وتحمل مسؤوليتها تجاه المواطنين والدفاع عن احتياجاتهم، مشيراً إلى أن أزمة الكهرباء تفاقمت بصورة كبيرة، خصوصاً بعد الارتفاع الحاد في أسعار أمبيرات المولدات، بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار.
وقال إن السكان يعانون من الفقر وتدهور مستوى المعيشة، بينما باتت نسبة محدودة فقط قادرة على تأمين حياة مريحة، في وقت تكافح فيه غالبية الأسر لتأمين احتياجاتها الأساسية.
أزمة خبز ومحروقات وخدمات
ولا تقتصر شكاوى سكان القامشلي على الكهرباء وارتفاع الأسعار، إذ تتداخل معها أزمات الخبز والمحروقات والمياه، في وقت تعاني فيه المدينة من تراجع الخدمات الأساسية.
وقالت حنان محمد لـ”العربي الجديد” إن “السكان يخرجون إلى الاحتجاجات منذ أكثر من شهرين ونصف الشهر بصورة متكررة”، من دون أن يجدوا، بحسب قولها، استجابة لمطالبهم أو مسؤولاً يسأل عن أسباب استمرار الاحتجاج. وأوضحت أن أزمة الخبز كانت من أبرز الأزمات التي أثقلت كاهل السكان، بعدما طُلب التعامل بالعملة السورية الجديدة في وقت لم “تُضخ فيه كميات كافية منها في محافظة الحسكة، الأمر الذي أدى إلى اضطرابات في عملية شراء الخبز وزاد الصعوبات أمام الأهالي”.
وأضافت أن أزمة الخبز تزامنت مع تأخر صرف مستحقات المزارعين، مشيرة إلى أنه لم يُصرف، وفق معلوماتها، سوى نحو 5% من قيمة فواتير المحاصيل الزراعية، ما انعكس سلباً على المزارعين وأسرهم.
وبحسب حنان محمد، فإن أزمة الخدمات تتصدر المشهد حالياً، ولا سيما الكهرباء، إذ تعيش القامشلي، وفق وصفها، “ليلاً في ظلام دامس”، فيما يعاني السكان خلال النهار من ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.
وأشارت إلى أن أزمة الكهرباء تنعكس بصورة مباشرة على المياه، بسبب تعذر تشغيل المضخات والمولدات اللازمة لضخها، موضحة أن المياه لا تصل إلى بعض الأهالي إلا لنحو ساعتين يومياً، وهو وقت لا يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية.
وتقول محمد إن “الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تزداد سوءاً مع استمرار ارتفاع الأسعار”، مشيرة إلى تزايد الفقر والسرقات نتيجة الظروف المعيشية الصعبة.
“مطالبنا ليست ترفاً”
من جهته، قال سفير علي، أحد المشاركين في الاحتجاجات، لـ”العربي الجديد” إن “خروج السكان إلى الشارع ليس بهدف الشهرة أو التظاهر، وإنما للمطالبة بحقوق يعتبرونها أساسية ومشروعة”. وأوضح أن المحتجين يطالبون منذ نحو ثلاثة أشهر بتحسين ظروفهم المعيشية، لكنهم لم يلمسوا، وفق قوله، استجابة حقيقية لمطالبهم.
وأكد أن المطالب تتعلق بلقمة العيش والخدمات الأساسية، داعياً السلطات والجهات المسؤولة إلى تحمل مسؤولياتها وإيجاد حلول سريعة للأزمة، ومعتبراً أن الوضع لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار.
وربط علي جزءاً من التدهور الحالي بتداعيات مسار “الاندماج” بين مؤسسات الإدارة الذاتية والدولة السورية، معتبراً أن هذا المسار انعكس، بحسب رأيه، على بعض مقومات الاستقرار والخدمات.
وقال إن “السكان باتوا يواجهون نقصاً في الكهرباء والماء والخبز والغاز”، مضيفاً أن “بعض الأهالي اضطروا للعودة إلى وسائل بدائية للطهي والتدفئة في ظل نقص المحروقات”.
وتحدث عن معاناته الشخصية مع انقطاع المياه، قائلاً إن السكان قد يضطرون إلى الاستيقاظ في ساعات الفجر على أمل الحصول على المياه، قبل أن يعودوا من دون الحصول على حاجتهم منها.
وشدد على أن المحتجين لا يطالبون بامتيازات أو رفاهية، وإنما يريدون تأمين الكهرباء والماء والخبز والغاز والعيش بكرامة، مؤكداً استمرارهم في الاحتجاج بالطرق السلمية إلى حين وصول مطالبهم إلى الجهات المعنية.
وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت تواجه فيه مناطق شمال شرق سورية أزمات اقتصادية وخدمية متراكمة، تشمل ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات، وضعف القدرة الشرائية، وأزمات الكهرباء والمياه والخبز، ما يزيد الضغوط على السكان، خصوصاً الفئات التي تعتمد على رواتب ثابتة.
ويرى محتجون أن معالجة هذه الأزمات لا يمكن أن تقتصر على إجراءات مؤقتة، بل تتطلب حلولاً تتعلق بتوفير الخدمات الأساسية وضبط الأسعار وتحسين القدرة الشرائية، بما يخفف الأعباء عن السكان الذين يقولون إنهم لم يعودوا قادرين على تحمل موجات الغلاء وتراجع الخدمات المتتالية.