خلال يومين أو ثلاثة يكون قد مرّ ربع قرن تماماً على تفجير البرجين التوأم وسط نيويورك: مركز التجارة العالمية، وقد مرّ جيل كامل منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي غيّر العالم. احتفلت شبكة نتفليكس بالمناسبة وخلال الأسبوع الماضي، ببدء العرض الجماهيري لفيلمها الوثائقي الممتاز «نقطة انعطاف.. جيل الحادي عشر من سبتمبر». ولا بأس بمعالجة تلك الذكرى في هذا المقال قليلاً، انطلاقاً مما أثاره ذلك الفيلم من تداعيات.
آكد الرئيس الأمريكي في خطابه يومها، أن أفعال القتل الجماعي تلك استهدفت «ترهيب الأمة الأمريكية» ووقوعها في «الفوضى والرجعية: لكنها فشلت» فبلدنا قوي، كما آن الهجوم يمكن أن يهز أساسات أكبر المباني. لكنه لا يستطيع أن يهز آسس أمريكا» وهي «تحطم الحديد والفولاذ لكنها لا تستطيع تحبط عزيمتنا».
وبعد أن طمأن مواطنيه إلى «حصانة الحرية» وسلامة المؤسسات والأسواق المالية المستمرة بنشاطها، أكد حماية المواطنين الأمريكيين في الداخل وكل أنحاء العالم. ثم أعلن التعبئة العامة لأجهزة الاستخبارات والإنفاذ القانوني.. كما رسم الخطوط العريضة للحرب على الإرهاب واستراتيجية مساواة أهله بالدول المضيفة لهم. وذلك هو ما أصبح معروفاً إثر ذلك باسم «عقيدة بوش»، بقوله «لن نُفرّق بعد اليوم بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأفعال وأولئك الذين يحمونهم أو يؤوونهم».
وخاض حربين مهمتين بعد ذلك كانت أولاهما في أفغانستان سعياً وراء بن لادن والقاعدة ثأراً لهجمات سبتمبر، والثانية في العراق لملاحقة أسلحة الدمار الشامل وأيضاً للقاعدة وانتصافاً للشعب العراقي الذي يعاني من الاستبداد لعشرات السنين.
كانت الحرب في أفغانستان أطول الحروب الأمريكية، إذ استمرت عشرين عاماً. خسرت طالبان أفغانستان في بدايتها، واستردتها بسرعة في نهايتها. كما كانت تلك النهاية كارثية على الولايات المتحدة، وفوضوية أكثر مما حدث عند الانسحاب من فيتنام في مارس 1973. بعد أقل من شهر على هجوم البرجين، وفي السابع من أكتوبر، ابتدأ الهجوم الأمريكي على أفغانستان، حيث تتمركز طالبان، وتختبئ القاعدة. كان الهجوم مشتركاً مع قوى أخرى أهمها بريطانيا، واستطاع السيطرة على البلاد تقريباً خلال سبعين يوماً. مع بقاء جيوب فعالة لطالبان في أكثر من مكان. وانتفخ صدر جورج بوش ودونالد رامسفيلد كثيراً.. مع أن تمرد طالبان لم يلبث أن بدآ من جديد، ولحق الفشل بقوات التحالف بمحاولة لجم التمرد في عام 2006. لكن الوجود الأمريكي بقي في أفغانستان حتى عام 2021، حين اكتمل مشهد الهزيمة. وكانت إدارة بوش قد ارتكبت خطيئة أكبر بغزوها العراق في ربيع 2003، تحت عنوان إزالة خطر وجود أسلحة الدمار الشامل في أيدي صدام حسين، وأيضاً لدعمه وإيوائه القاعدة، كما في أفغانستان. دخل الجيش الأمريكي بغداد في التاسع من سبتمبر، وحضر تحطيم تمثال صدام حسين أمام كاميرات التلفزيون وعيون العالم.
خلال الأشهر والسنوات القليلة التالية، اعتُقل صدام وحوكم وأعدم وارتفعت حوله صيحات تحقيق الثأر والانتقام. كما شُكلت حكومة تطورت بسرعة إلى أداة للقوى الأقرب فأقرب إلى سلطة الملالي في إيران، التي بدا للعالم أنها المنتصر الأكبر من تلك الحرب. كان من الواضح اتجاه مآلات العراق بقوة دفع الاحتلال الأمريكي، حين تم حلّ هيكل الدولة العراقية العظمى بحل الجيش والأجهزة الأمنية ومن ثم إقرار قانون اجتثاث البعث، لإفساح كلّ الأبواب أمام إحلال طائفة بدلاً من طائفة، ومنع أسس قيام دولة أكثر حداثة من ذلك.
انتعشت قوى الإرهاب ابتداءً من قوى المقاومة والتحرير، التي جمعت قوى سنية إسلامية مع قوى سنية بعثية، وفتحت طاقة دخل منها بيسر وسهولة أبو مصعب الزرقاوي والقاعدة، حتى انتشرت بذور داعش وأنتجت غابةً حملت اسم الخلافة الإسلامية، امتدت في العراق وسوريا، وأعادت ضبط الساعة على القرون الوسطى. تحولت القوات الأمريكية إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب.. ذلك الذي ستخرج آخر عناصره من العراق نهاية سبتمبر الحالي. ولم تلحق الهزيمة النهائية بالإرهاب كما كان جورج بوش يأمل ويريد في خطابه الشهير، ولا أنجز شيئاً من تجفيف مستنقعاته؛ ولا يبدو أنه سينتهي مع دونالد ترامب؛ بل إنه أغرى رئيساً مختلفاً مثل أوباما باستثمار صلاحيات الحرب وشن عشرات الغارات بالطائرات المسيرة ضد «الإرهاب» في كل مكان وبخبط عشواء. لقد استطاع ذلك الإرهاب منذ هجوم سبتمبر بالتعاون مع السياسات الأمريكية أن يحيي نظريات المؤامرة كما كانت في القرون الوسطى، ويخرب مسارات السياسة الطبيعية التي تعتمد على السلام، وخرّب فهم تلك المسارات. تحت تأثير تلك الحرب التي ابتدأت في مطلع القرن، يجد الرئيس ترامب طريقه في الشرق الأوسط، مع إيران كهدف رئيس.. لكنها معركة مختلفة، كان الرئيس جيمي كارتر قد بدأها باكراً، في محاولة إنقاذ الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، الفاشلة جداً، تلك التي ربح رونالد ريغان الانتخابات في ظلالها بشكل كاسح، حين حقق 489 صوتاً في المجمع الانتخابي مقابل 49 صوتاً لكارتر «اللطيف» الذي لا يمكن تخيّله في مكان بوش بعد كارثة سبتمبر.
والشيء بالشيء يٌذكر كما يُقال، فقد بدأت عملية طوفان الأقصى في ذكرى يوم غزو أفغانستان في السابع من أكتوبر 2023 بهجوم بالصواريخ، يُقال إنها بلغت 4200 – 5000 صاروخ باتّجاه مختلف المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة. وفي الوقت ذاته شنّ مقاتلو حركة حماس مع قوى أخرى هجوماً كاسحا ببضعة آلاف مقاتل منظّم أو متطوّع بسيارات دفع رباعي والدراجات النارية باتجاه عدد من المستوطنات في محيط سديروت. وفي الوقت نفسه قتل 364 شخصاً كانوا في مخيّم لزوّار جاؤوا للاحتفال بمهرجان موسيقي بمناسبة عيد العرش اليهودي.. وكان يوماً مشهوداً للإسرائيليين لا يقلّ رعباً عمّا شهده سكّان نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر، قبل ذلك باثنين وعشرين عاماً. ذلك التشبيه إشكاليّ بالطبع، وقد تكون للنخب الأمريكية الحاكمة، وتلك الإسرائيلية مصلحة في إشاعته، تأكيداً لوحدتهما، وتبريراً للانتقام «الإلهي» اللاحق للحدثين. لكن هذا الاستدراك لا يعطي آيّة شرعية على الإطلاق للقيام بما قامت به القاعدة، وما قامت به حماس. كما لا يتناقض مع إعطاء تلك الشرعية في المقابل لمن يقف في وجه المبالغة الفظّة في ردّ الفعل حتى تدمير دول وشعوب ومجتمعات في المنطقة والعالم، كما حدث في أفغانستان والعراق وغزة والضفة، والحبل على الجرّار مع استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية الضروس المستمرة. مع ذك، يمكن أن يكون من الأدقّ اعتبار حرب غزّة نفسها من التفاعلات المستمرة للحادي عشر من سبتمبر و»غزوة نيويورك» كما سماها قائدها.
في 16 أغسطس 2021، ذُهل العالم وهو يرى على الشاشات منظر مطار كابول، حيث تشبث العشرات بطائرة ستقلع بأولئك الذين يفرّون من احتمال ملاحقتهم من قبل طالبان المنتصرة من جديد يومذاك، إضافة إلى الذين ماتوا في ذلك الزحام، ذكرت قناة «الجزيرة» في اليوم التالي عن انتشال جثث لمواطنين أفغان سقطوا من الجوّ فوق المنازل، من حيث كانوا يتشبثّون بإطارات تلك الطائرة المشؤومة…
وآنذاك، كان من خطّط لغزوة نيويورك يشربون الشاي غالباً، ومن قاموا بالثأر لها يشربون شيئاً آخر.. آمّا البقية في المنطقة وفي العالم فكانوا ينتظرون عصر دونالد ترامب!
كاتب سوري