يقترح بعضهم تأريخا تقريبيا لبزوغ الحداثة في الغرب هو عام 1880، ذلك الذي شهد اتحاد النشاط النقدي لحركة التنوير مع الطابع الاستكشافي في الحركة الرومانسية، لتظهر الأعمال الفنية للرعيل الأول للكتاب المحدثين أمثال مالرمه، وهو الرعيل الذي يدين بالفضل للفرنسيين فلوبير وبودلير، ثم أخذت أفواج من الكتاب والفنانين والموسيقيين تساهم في رفد هذه الحركة أمثال ديبوسيه وييتس وفيرجينيا وولف وبول فاليري وإليوت وباوند وغيرهم، واستمرت الحالة هكذا حتى أيامنا الحاضرة.
ونظن من خلال ذلك أن هذه الحركة بلغت ذروتها في الفترة الواقعة بين 1910–1935. وهناك من يرى أنه لفهم الحداثة ينبغي الرجوع إلى الفترة بين 1907 و1925، في حين يرى آخرون أن فترة ازدهارها هي بين 1910 وبداية الحرب العالمية الأولى، وعلى العكس فهناك من يرى أنها بدأت بعد الحرب العالمية، ومنهم من يرجعها إلى عام 1925 ورمزها السيريالية.
لكن هناك من يؤكد اليوم أن استمراية الحداثة كانت النتاجات الفنية التي جاءت بعد الحرب العالمية، وهي خليط من الفن التقليدي ومن فن اللافن، وكذلك هذا النوع الذي يسمى “فن المصادفة”، أو “أدب الصمت” الذي يقوم على اللامعقول واللاتخطيط وعلى المحاكاة الهزلية، ويتسع أحيانا ليشمل الرواية الجديدة (خصوصا في رواية “اللا رواية”)، التي تكتنفها كواليس الجنس والمخدرات.
وفي حين يسمي البعض هذه المرحلة بالحداثة الجديدة، فإن آخرين يسمونها “ما بعد الحداثة”، لكنهما بحسب نقاد عدة يرون أنهما مصطلحان لمفهوم واحد يؤكد حدوث تغيير مع التقاليد الحديثة. ويمكن لمس هذا التغيير مع الدادائية والسيريالية، وكذلك مع الأدب الفوضوي والسينما التجارية ونشوء التلفزيون.
ولعل هذا الخلط بين الحداثة وما بعدها، يؤكد انفصاما واضحا بينهما وفوضى وعدم تمييز بين ما هو حداثة وما بعدها. فالحداثة تطرح، فيما تطرح، انضباطا في المعايير، ودراية في استخدام اللغة، واحتراما للتراث، وعدم العبث بالبنى التي تتأسس عليها. فهي لا تمثل خروجا عن المنطق، على الرغم من جديدها، ولا خروجا على المعايير… ولا يمكن اعتبار كل ما هو تشكيل تراثيا ولا كل لغة حاضنة تراثا. ولطالما قرأنا شعراء عربا يهتفون بنسف التراث وتدمير اللغة، متجاهلين خطورة العبث بالجذور؛ إذ لا شيء ينبت بعد التراث (لا حداثة ولا غير حداثة)، فالتراث هو اللغة والعادات والإبداع، وتمثيل الزمن بفروقه ونزعاته، وإفرازاته. فلكل حركة جديدة أو حديثة، ما يربطها بأمهاتها، وبأصولها، وتاريخيتها. واللعبة الحداثية لا تنفي جذورها، بل تتعامل معها كأدوات تغيير وتطوير وإضافة، ومن هنا نقول إن بعض أعمال بيكاسو والسيرياليين في الفن لا ينتمي إلى الحداثة بل إلى ما بعدها. وأن “تحطيم اللغة” لا يمكن أن يكون مرحلة لتجديدها. فمالرمه ورامبو وحتى شكسبير وبول فاليري وسواهم من الكبار حققوا تغييرا جديدا في قصائدهم ولوحاتهم، من دون أن يرفعوا شعارات مناهضة للغة، وكذلك في السينما والمسرح والتلفزيون. مثلا اختراع الكهرباء نسف مفهوم المسرح الإغريقي وحمل المخرج (الذي لم يكن موجودا) عبء استخدام السينوغرافيا في المسرح، وكأننا نعلن في ذلك موت المؤلف.
اليوم مثلا نؤكد أن ما نشهده في هوليود هو انحطاط دور المخرج والنص لمصلحة وسائل المؤثرات، بل نحس أن ثمة قطيعة اليوم بين الجيل الجديد والحداثة. ويؤدي ذلك إلى مس اللغة والتراث المجهول. إنه الفراغ الثقافي الممتلئ يعبث اليوم بجوهر الحداثة والمخزون التراثي، فكرا وأدبا وفنا.
إننا نعيش حقا اليوم زمن الذبول والانهيار، زمن الفراغ، زمن الحداثة التقنية والذكاء الاصطناعي، الذي حل محل الكاتب والشاعر والرسام والإنسان. فأي حداثة فكرية، أو أدبية، أو فنية، يمكن أن ننتظر؟
