قبل 17 آب 2026، كان كلّ شيء يبدو متّجهاً بوتيرة مدروسة و”متّفق عليها” بشأن عمليّة “نزع السلاح” في العراق، رغم “المنغّصات” التي يتهامس بها مقرّبون من الفصائل المسلّحة مرّة، وتظهر مرّة أخرى واضحةً على لسان سياسيّي “الإطار التنسيقيّ”، وهو التحالف الشيعي الحاكم في البلاد.
كانت هناك ثلاثة فصائل قبل هذه الفترة “شبه صامتة”، وتشترك في السلاح والاتّهامات بقصف المنشآت الأميركيّة في العراق وإقليم كردستان ودول الخليج. تشترك أيضاً في أنّها موصوفة أميركيّاً بـ”الإرهاب”، وهي: كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيّد الشهداء.
اعتقالٌ فتح أبواب الشّروط
في صباح الـ 17 من شهر آب الماضي، اعتُقل القياديّ في حركة “النجباء” عبّاس اليعقوبيّ. كان اعتقاله بداية لمرحلة أكثر وضوحاً في ملفّ “نزع السلاح”. ففي مساء اليوم نفسه، هدّدت “كتائب حزب الله” رئيس الحكومة عليّ الزيديّ بأنّ “صبرها بدأ ينفد تجاه أفعاله الاستفزازيّة وغير المسؤولة”، على حدّ تعبير المسؤول الأمنيّ لـ”الكتائب” أبي مجاهد العساف.
استخدم العساف وقتها أمثولة عشائريّة تشير إلى أنّ الفصائل تحمّلت “سبع دبكات”، وأمّا الثامنة فهي “العين بالعين والبادي أظلم”، خاصّة “بعد سماع نصائح المبعوث الأميركيّ، توم بارّاك، وتنفيذ عمليّات اقتحام لمنازل وترويع عائلات قتلى وجرحى”، وفق العساف.
قدّمت “كتائب حزب الله” ثلاثة شروط “تعجيزيّة” للتعامل مع ملفّ السلاح تبدأ بـ”الخروج الكامل والحقيقيّ للقوّات الأميركيّة من الأراضي والأجواء العراقيّة وضمان عدم عودتها وتحرير القرار السياسيّ والاقتصاديّ من الهيمنة الأميركيّة”، فيما كان الشرط الثاني “يتمثّل بانسحاب القوّات التركيّة من شمال العراق”، فضلاً عن “المطالبة بحلّ قوّات البيشمركة الكرديّة”، وهو آخر شرط في قائمة شروط الفصيل المسلّح الذي يعرف أنّ “العراق بلا دولارات أميركا”، سيكون بلا فاتورة للعيش، وأنّ “حلّ قوّات البيشمركة” يشبه أن تسلب من كردستان الأراضي والهياكل السياسيّة والأمنيّة والعقيدة الكرديّة التي صاغتها عقود الدماء والدموع.
لم يبقَ “معتقل النجباء” كثيراً خلف أسوار التوقيف بعد هذا التهديد. أُطلق سراحه في 19 آب، واستقبلته “حركته” أو فصيله استقبال الأبطال. ظهر الموقوف يسير “متعاظماً”، وأثناء ما كان يمشي قُدّمت له هديّة الإفراج عبر وضع بندقيّة بين يديه أمام الكاميرات، ووقف بعدها في مؤتمر صحافيّ ليتوعّد “جهاز المخابرات الوطنيّ” برفع دعوى قضائيّة ضدّه. قرأ عديدون أنّ البندقيّة هي رسالة الحركة الجديدة أو “تهديدها” لحكومة الزيديّ بشأن ملفّ السلاح.
مهلة 30 أيلول أمام حربين ولجنة
كانت هذه الأحداث بداية لانطلاق خزّان معلومات ومواقف وتحذيرات ضدّ مسار “نزع السلاح”. بدأت قوى “الإطار التنسيقيّ” في أعلى مستوياتها تحذّر من “صدام قادم”. لمّحت إلى “المكوّنات الأخرى” أو ربّما هدّدتها، لأنّ “الصدام” لن يكون شيعيّاً ـ شيعيّاً وحسب.
قال أبرز قياديّ في “الإطار التنسيقيّ”، ورئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، في 26 آب، إنّ “تحوّل ملفّ السلاح إلى مواجهة وصدام بين الدولة والفصائل المسلّحة سيكون بالغ الخطورة، وقد يعصف باستقرار البلاد ويفتح الباب أمام تداعيات مجهولة”، وقال أيضاً إنّ أيّ مواجهة داخليّة ستكون خسارة للعراق بأكمله، وليس لطرف أو مكوّن بعينه، وإنّ من يتصوّر أنّ أيّ صراع محتمل سيكون مقتصراً على الصبغة الشيعيّة – الشيعيّة فهو واهم”.
“كتائب سيّد الشهداء” هي الأخرى رفعت سقف المطالب لتعرض 10 شروط للتعامل مع ملفّ السلاح، وهي أكثر تعجيزيّة من الشروط الثلاثة لرفاق السلاح في “كتائب حزب الله”. كان من شروطها: “الانسحاب الأميركيّ الكامل، وإقرار قانون الحشد الشعبي، وإخراج مقاتلي “بي كي كي” من العراق وإخراج الجنود الأتراك من شمال العراق، ومسك الحدود في إقليم كردستان من قبل الجيش العراقيّ، وإخراج مجاميع المعارضة الإيرانيّة من شمال العراق، وتحرير القرار الماليّ من الهيمنة الأميركيّة وتحرير القرار السياسيّ في العراق من الاختطاف الأميركيّ”.
قبل ذلك، كانت حكومة الزيدي تتحدّث بـ”موقف صارم” وواضح بأنّه بعد 30 أيلول، وهو تاريخ انسحاب قوّات التحالف الدوليّ، لا يوجد أيّ قطعة سلاح خارج إطار الدولة، حتّى “لو كلّف ذلك الزيدي حياته”، لكنّ الأمر سيبدو مختلفاً خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تهديدات الفصائل وقوائم شروطها الطويلة والقصيرة، حيث ستنتقل المعركة حول ملفّ السلاح إلى حربين رئيسيّتين: لغويّة واستمرار التخويف من الصدام.
بخصوص “تجنّب الصدام” قام “الإطار التنسيقيّ” بتشكيل لجنة ثلاثيّة للتفاوض مع الفصائل حول سلاحها، لكنّ شيئاً ظهر إلى العلن كشف عن “فشل اللجنة” في هذا المسعى وأحرجها بالوقت نفسه، إذ إنّ التفاوض لم يكن لـ”حصر السلاح”، كما علمت “أساس ميديا”، وإنّما لـ”ضمان هدوء الفصائل فقط”. في 4 أيلول الجاري، كشف رئيس المجلس السياسيّ لحركة النجباء علي الأسديّ عن إجراء سلسلة زيارات لأقطاب “الإطار التنسيقيّ”. أشار الأسديّ إلى أنّهم “تفهّموا ورحّبوا بخصوص عدم تغيّر رؤية الحركة بشأن قدسيّة سلاح المقاومة”. شكر الأسديّ أيضاً قادة “الإطار” على “تفاعلهم وشعورهم بالمسؤوليّة”.
حرب اللّغة والتّوقيت المفتوح
بدت مفردة “نزع السلاح” ثقيلة الوقع على فصائل العراق ورفاقهم من السياسيّين الذين تتأرجح مواقفهم بين “دعم الدولة” و”دعم الفصائل” التي ترفض تسليم سلاحها للدولة. في 27 آب، ظهر رئيس خليّة الإعلام الأمنيّ سعد معن، قائلاً إنّ مصطلح “تنظيم السلاح” هو الأدقّ. كانت الحكومة تستخدم مفردة “حصر السلاح” يقابلها استخدام مفردة “النزع” من مؤيّدي إنهاء حالة الفصائل في العراق، لكن بعد سلسلة التهديدات، بدأ الحديث يتّسع عن “تنظيم السلاح”، ليظهر نوري المالكيّ وينسف المصطلح بمصطلح آخر أيضاً، أقلّ حدّة وأكثر قبولاً.
قال المالكي خلال مقابلة تلفزيونيّة على قناة الشرقيّة إنّ “المصطلح الأفضل في ملفّ السلاح هو احتواؤه”، وذلك لأنّ “منزوع السلاح له أثر نفسيّ كبير”، ليبدو الزيديّ وحيداً هنا أمام تحالف حاكم يراعي “نفسيّة الفصائل”، و”يتفهّم قدسيّة سلاحها”، على حدّ تعبير حركة النجباء.
في خطبة جمعة النجف التي ألقاها صدر الدين القبانجي، وهو مقرّب من القوى الشيعيّة، أشار إلى “وثيقة تفاهم” من أربعة بنود كتبت بين “الإطار التنسيقي” والفصائل، وقال إنّه من دون تحقيق هذه الشروط “لا يمكن حصر السلاح”، وهي “سيادة العراق أرضاً وجوّاً، وزوال التهديد الأمنيّ الداخليّ والخارجيّ، وشمول الحصر جميع الموجودات غير الحكوميّة، مثل الوجود التركيّ في شمال العراق والبيشمركة”، بالإضافة إلى الشرط الرابع والأخير، وهو “الحاجة إلى زمن، فالمشروع لا يتحقّق بشكل آنيّ، بل في سنوات”.
من الواضح أنّ “الفصائل” ترتكز على شروط تعلم أنّها لا تتحقّق. تعلم أيضاً أنّها غامضة ولا تؤدّي إلى توقيتات محدّدة. ما هو “التهديد الأمنيّ” الذي تنتظر الفصائل زواله؟ سألت “أساس ميديا” سياسيّاً داخل “الإطار التنسيقيّ”، فقال إنّه “لا يعرف”. قال زعيم كتائب سيّد الشهداء، “أبو آلاء الولائيّ”، في 6 أيلول أيضاً، إنّ “تنظيم السلاح مقابل السيادة الكاملة والشاملة معادلة غير قابلة للتجزئة، وما سواها مرفوض”، وتقريباً، لا يعلم أيّ عراقيّ في الدولة أو خارجها ما هي “السيادة الكاملة” بالنسبة للفصائل، وبين المطالب غير الواضحة و”الاحتواء”، يبدو أنّ ما بعد 30 أيلول لن يكون كما أراد المتفائلون أو الحالمون بدخول العراق ضمن الدول التي لها قرار أمنيّ واحد ودولة واحدة.
ماذا سيفعل توم بارّاك عندئذ؟ هذا هو السؤال.
* كاتب عراقيّ