ذات صباح لندني صيفي مشرق، رنّ جرس الهاتف من رقم لم يكن في سجلاتي. وعند الرد زادت دهشتي حين عرّف المتحدث نفسه بأنه أحمد إبراهيم دريج، الشخصية المعروفة والسياسي السوداني المخضرم. رحّبت غاية الترحيب بالرجل الذي عرفته أجيال من السودانيين، رغم أننا لم نكن قد التقينا مباشرة من قبل إلا لقاءاتٍ عابرةً في مؤتمرات. أبلغني أنه يتابع كتاباتي، وشكرتُ له هذا. وتحدّثنا باقتضاب في بعض الأمور، وختم بأن دعاني إلى الغداء. وبالطبع، رحّبت غاية الترحيب.
كانت هذه بداية صداقة وتواصل استمر حتى رحيله في سبتمبر/ أيلول 2020. وفي هذه الذكرى السادسة لرحيله، ولأسباب أخرى، رأيت أن أكتب هذه الملاحظات عرفاناً بالصداقة وبدوره الفريد في الساحة السياسية في السودان، وكونه أحد أهم الشخصيات التي لا نلمس ما يكفي من الاعتراف بدورها.
كان اللقاء في مطعم في منطقة مي فير (Mayfair) المعروفة، في قلب لندن الملكية، وقضينا معظم اللقاء، بعد التعارف، في مناقشة هموم السودان العديدة، خصوصاً قضيتي دارفور والسلام في الجنوب، والقضايا السياسية في السودان عموماً… تكرّرت اللقاءات، على فترات، واستمر هذا التواصل سنوات، حتى عودة الأستاذ إلى السودان في نهاية 2014، عقب تفاهم مع الحكومة السودانية. وكان قد تواصل معي قبيل ذلك للتشاور حول جهة قانونية تدعم جهده لاستعادة بعض المزارع والعقارات التي صادرتها الحكومة، فنصحت ما استطعت.
في مرّة، عرضتُ إجراء مقابلة معه عن سيرته وتجاربه السياسية، وكنت في تلك الفترة بدأت التفكير في إعداد كتابي الذي صدر حديثاً، “أن تكون سودانياً”، ورأيته شخصية مناسبة للتناول في الكتاب، بسبب غنى تجربته في دوائر عدة من السياسة والمجتمع السوداني، ولتجسيده للهوية السودانية ومفارقاتها.
وللتعريف، برز دريج في 1964 (عام تفجر ونجاح ثورة أكتوبر الشعبية ضد الحكم العسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود) بأنه أحد مؤسّسي جبهة نهضة دارفور، وهي تكتل من النخبة المتعلمة في الإقليم، دعا إلى تسريع التنمية في الإقليم. وفي انتخابات 1965 انتخب ممثلاً لدائرة قارسيلا (موطنه ومكان ولادته) نائباً مستقلّاً، مثل إلى حد ما عضوية “جبهة دارفور” العريضة، وقاعدتها متعدّدة التوجهات والمرجعيات. ويقول دريج إن جهات كثيرة حثته على الترشّح في الدائرة “المضمونة”، محور نفوذ والده الشرتاي إبراهيم على الأمين سالم. (دريج لقب، وهو تحريف لاسم قريق Greg المفتش البريطاني في المنطقة)، وكان محل إعجاب محلي. وهذا يضعه ضمن الأرستقراطية المحلية، حيث إن الشرتاي كان حاكم المنطقة في عهد السلطنة، حجّمت اختصاصاته مع بقية القيادات القبلية إبان الاستعمار، من دون أن يحجم نفوذه. وعندما كان دريج في الحادية عشرة توفي والده، فاستدعي إلى زالنجي حتى يتولى خلافته في منصب الشرتاي، إلا أن مسؤولي الإدارة الاستعمارية وجّهوا بتأجيل ولايته حتى يكمل تعليمه فيكون أنفع لمنطقته. وكان دريج وقتها قد أكمل الدراسة الابتدائية في زالنجي، والتحق بالمدرسة الوسطى في مدرسة الدويم الريفية، التي أعدّت خصّيصاً لتعليم أبناء القيادات “الأهلية” من زعماء القبائل والمناطق. فأكملها ثم انتقل إلى الدراسة الثانوية في مدرسة حنتوب بوسط السودان، وكانت وقتها ثانية مدرستين ثانويتين، فلم يكن يبلغها إلا ذو حظ عظيم. وعندما جاء وقت الالتحاق بالجامعة خيرته السلطة الاستعمارية المحلية بين العودة فوراً لتولي منصب والده، أو الاستقالة إذا أراد دخول الجامعة، فتخلى عن المنصب لأحد أقاربه.
وبعد وصوله إلى البرلمان، انضم إلى حزب الأمة. بطلب من تجمّع من نواب دارفور ونخبتها بحجة أن دعم قضية الإقليم يستدعي أن يكون ممثلوهم في البرلمان ضمن الحزبين الكبيرين الحاكمين في البلاد. وهناك انحاز إلى جناح الصادق المهدي في الانقسام الذي شهده الحزب، وأصبح وزيراً للعمل في الحكومة عام 1966، ثم زعيماً للمعارضة بعد سقوط حكومة الصادق في 1967.
في حديثه معي، تناول بتفصيل مطول ملابسات الصراع (السياسي والديني والأسري) وتفاعلاته داخل الحزب والطائفة المهدوية، ومساعيه إلى التوفيق بين الصادق المهدي وعمّه الهادي المهدي. وقد كان والد الصادق المهدي الزعيم السياسي والديني لطائفة الأنصار وحزب الأمة. وبعد وفاته المبكرة، لم يكن ابنه الصادق بلغ مرحلة الزعامة الدينية، ولا حتى السياسية، حيث كان طالباً في الجامعة، ولم يبلغ سن الترشح للبرلمان. فورثه شقيق والده الهادي المهدي. حاول الصادق الالتفاف على هذا الوضع بتولي الزعامة السياسية للحزب، ثم إضعاف قبضة الهادي السياسية عليه، مستنداً إلى تحالف مع الحزب الاتحادي الديمقراطي، شريك الحزب في الائتلاف، إلا أن الأخير سرعان ما ضاق بطموحات الصادق، فعاد إلى تحالفه مع جناح الهادي. وقد تضرر جناحا الحزب من هذا الشقاق. ولأن دريج كان مرضياً من الطرفين، تطوع لإصلاح ذات البين، فسعى بجد إلى التقريب بينهما. وقد أظهر حنكة وقدرات سياسية عالية في هذا السبيل. وكانت مساهمته مهمّة، لأنه كان الوحيد القادر على التحدّث مع الإمام الهادي بصراحة.
عندما جاء وقت الالتحاق بالجامعة خيرته السلطة الاستعمارية المحلية بين العودة فوراً لتولي منصب والده، أو الاستقالة إذا أراد دخول الجامعة
جاءت المصالحة عشية انقلاب العقيد جعفر النميري، أي بعد فوات الأوان. وسعى النظام الجديد إلى استقطاب دريج باعتباره زعيم المعارضة في العهد الديمقراطي، ولم يكن منتمياً عضوياً إلى أيٍّ من الأحزاب، كما أنه كان شخصية ذات وزن في دارفور: إلا أنه تخلى عن فكرة التعاون، حين عرضت عليه مهمّة دون طموحه وزيراً سابقاً، فغادر السودان إلى الإمارات، حيث ساهم في تأسيس الدولة الواحدة، قبل انتقاله إلى العمل الخاص، حيث أصبح من أبرز رجال الأعمال السودانيين.
وفي 1980، أعلن الرئيس النميري مشروعاً للإدارة اللامركزية في السودان، أسوة بما كان عليه الجنوب. فقسم الشمال إلى خمسة أقاليم، منها دارفور. وعين الرئيس على دارفور (من دون كل الأقاليم الأخرى) حاكماً ذا خلفية عسكرية من خارج الإقليم، ففجرت هذه “الإهانة” انتفاضة شعبية في دارفور، دفعت بالنميري إلى الاستعانة بدريج، فعرض عليه أن يتولى الحكم، فقبل بشرط أن تتاح له حرية واسعة في خياراته، بدءاً من اختيار وزرائه.
ويروي دريج أنه زار رئاسة المحافظة لقضاء بعض شؤون شركاته حين اقتيد بدون مقدّمات إلى مقر رئاسة جهاز الأمن، ومن هناك إلى مقابلة الرئيس النميري الذي شكا له من أنه يواجه مشكلة في دارفور، لأنه أراد تعيين مرشحه لحكم الولاية لأنه وال ناجح عليها سبع سنوات من قبل، كما أنه كان ذا خلفية عسكرية، وهي تأهيل مهم بعد أن أصبحت دارفور ساحة للصراع بين السودان وليبيا. وعرض عليه أن يتولى الحكم على هذه الخلفية. لقي دريج ترحيباً شبه جماعي من سكان الإقليم، إلا أن الخلافات القبلية تفجرت في أثناء حكمه على خلفية مزاعم أن الحاكم الجديد انتهج التمييز لصالح قبيلة الفور التي ينحدر منها، ما ولد احتكاكات قبلية. وقد عقّد من الأمر تعمّق الصراع الذي أشار إليه النميري مع ليبيا، وتدخل الولايات المتحدة بتنسيق مع مصر، وتداخل هذه المواجهة مع الحروب التشادية.
قومي الهوى، يتفاعل مع كل قضايا الوطن كأنها قضيته، ويتحرّك وسط النخبة السودانية من كل المشارب كأقران ورفاق درب
لم نتحدّث عن هذا الجانب من إرث دريج، حيث إنه اختار التركيز على الجوانب الإيجابية في فترة حكمه، ثم خلافه مع النميري ومغادرته البلاد مرة أخرى. لكني كنتُ قدر زرتُ مدينة الفاشر أول مرة في مطلع 1988 في صحبة رئيس الوزراء عندها الصادق المهدي، وذلك في الفترة التي كان فيها الصديق التجاني السيسي حاكماً. وكانت تخيم على المدينة أجواء حرب أهلية مدمرة لم تشهد مثلها، حتى كان بعضهم يتحدّث عن “محرقة”.
لم نتحدث أيضاً عن حركة المعارضة التي أنشأها دريج في بداية التسعينيات مع الأكاديمي شريف حرير، وسمّياها التحالف الفيدرالي. وقد شاركت تلك الحركة فيما بعد مع ائتلاف المعارضة والحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جورج قرنق في بعض العمليات العسكرية. بعد قيام الحرب في دارفور، ولكنه على ما يبدو لم يحقق نجاحاً. وبعد اندلاع الحرب تناولت حواراتنا جهود إنهائها، وكان دريج مستاءً من فشل جهوده المكثفة للتوحيد بين الحركات المقاتلة، التي أصبحت تتشظى بدل أن تتحد. وكان يشاركني قصصه عن تجاربه المثبطة معها. روى لي مرة حكايته مع أحد زعماء الفصائل الذي اتخذ من باريس مقراً، مختاراً “النضال عن بعد”، وكان دريج قد مرّ على باريس في رحلة من واشنطن خصيصاً لمقابلته. وعندما وصل إلى الفندق حاول التواصل معه بالهاتف فلم يجد رداً. هاتف زوجته فقالت إنها لا تعرف أين هو. أبلغها أنه جاء إلى المدينة خصيصاً لمقابلة الرجل، وأن مكثه لن يزيد على سويعات، طالباً أن يتواصل معه عندما يحضر. وبالطبع لم يفعل الرجل. توجه دريج إلى المطار عائداً إلى لندن. وعندما أكمل معاملاته واتجه للصعود إلى الطائرة، رن هاتفه، فإذا هو صاحبنا يتساءل ببراءة: أين أنت ياعم دريج؟
سعدتُ كثيراً بمعرفة دريج وبحواراتنا المتكررة. كان الرجل إنساناً بكل معاني الكلمة، ليس فيه شيء من مناورات السياسيين وحربائيتهم. وكان متعلقاً مثل كل السودانيين بموطنهم والأهل والعشيرة، محتفياً بأصدقائه ورفاق الدراسة الذين مثلوا الرعيل الأول من النخبة السودانية المتعلمة. ويبدو أن مدرسة الدويم الريفية التي أسّسها البريطانيون لتجمع بين نخبة الجيل الثاني من الزعامات القبلية السودانية قد حققت بعض أهدافها، حيث إنه يقول إنهم لم يكونوا في تلك المدرسة التي قضوا فيها مرحلة مهمة من العمر (بين الحادية عشرة والخامسة عشرة) يقدّمون الولاءات المحلية والقبلية، بينما كانوا يحسّون بهوية سودانية جامعة توحدهم. الشعور نفسه كان يتملكهم في مدرسة حنتوب ثم جامعة الخرطوم التي كانت كل منهما تجمع طلاباً من كل أنحاء السودان في رحابها.
جعل أول أعماله السياسية إنشاء جبهة نهضة دارفور لاقتلاع وطنه الأصغر من هوّة الفقر والتخلف، ورفعه إلى فضاءات الرفعة والتقدّم والعلم، ومعه كل السودان
ولكنه كان في الوقت نفسه يجسّد بعض ملامح الكوزموبوليتانية في حياته وسلوكه. قضى معظم حياته في بريطانيا، حيث تبوأ أحد أحياء لندن المهمة، وتزوج من ألمانية كانت ابنة عمدة مدينة بون، تعرّف عليها في لندن. وكانت بوتسوانا (توفي في عاصمتها قابورون) إحدى مراكز أعماله المهمة ومقامٌ آخر له. فهو من كل الأوجه المواطن العالمي المثالي: يتنقل بين مراكز العالم الكبرى في سهولة ويسر، ويتواصل مع كل مناطق السودان كأنها مسقط رأسه، وهو قومي الهوى، يتفاعل مع كل قضايا الوطن كأنها قضيته، ويتحرّك وسط النخبة السودانية من كل المشارب كأقران ورفاق درب. وهو ابن العشيرة، متجذّر في رحابها، ابن قارسيلا وفارسها. وهو يحرص على أن يرث أبناؤه هذه التركيبة. سئل مرّة عن كيف يربي أبناءه من زوجته الألمانية، فأكد أنهم جميعاً درسوا في مدارس عربية، وسودانية في الغالب. ولم يشأ أن يدخلهم في السودان إلى أي مدرسة أجنبية، وحتى المدارس المحلية الموجهة إلى الأقليات. وحتى قي لندن والإمارات، حرص على تعليمهم في مدارس عربية. إضافة إلى هذا، ظلوا يصرون على قضاء العطلة الصيفية في السودان، بين الأهل والعشيرة.
كان دريج إذن شخصية متفرّدة بين السودانيين، ليس فقط في تمسّكه بالهوية العشائرية والإقليمية من دون أن يعطي الوطنية والعالمية حقها. جعل أول أعماله السياسية إنشاء جبهة نهضة دارفور لاقتلاع وطنه الأصغر من هوّة الفقر والتخلف، ورفعه إلى فضاءات الرفعة والتقدّم والعلم، ومعه كل السودان. خدم بلاده بقدر ما استطاع، بداية من دارفور، ولكن بلده لم يقبل عروضه بالخدمة، فانتزع منه استثماراته في وطنه، وتركه يوجه استثماراته إلى كل أنحاء العالم الأخرى، بما فيها بلدان أفريقية سخَّر نفسه لخدمتها.
ألا رحم الله الصديق والمناضل والناشط، رجل البناء والتعمير والخدمة. عفيف اليد واللسان، الأستاذ أحمد دريج، بن الشرتاي إبراهيم، بن الشرتاي إبراهيم بن الشرتاي علي الأمين.
