الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021
 المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
محمد ايمور
يعد محمد أيمور من أبرز رجال الاستخبارات الأتراك، وصاحب بصمة في التاريخ السياسي لتركيا منذ ثمانينات القرن الماضي. في جعبة إيمور عشرات القصص عن جرائم القتل المجهولة الفاعلين، والتهريب المشرعن للسلاح، وعمليات التعذيب والاخفاء القسري وتمويل عمليات استخبارية عبر تجار المخدّرات وغيرها في الفترة الممتدة بين حادثة سوسورلوك، التي فضحت العلاقة العضوية بين ثلاثية السياسة والاستخبارات والمافيا في تسعينات القرن الماضي، ودعاوى أرغينيكون، في عهد “العدالة والتنمية”، التي غيّرت وجه المؤسسة العسكرية في البلاد.
 
18 جريمة بتورّط الدولة
تكشف الأدلة التي استندت اليها محكمة استئناف أنقرة في الغاء أحكام البراءة بحق 19 متهماً بارتكاب 18 جريمة قتل بين عامي 1993 و 1996 لسياسيين ومحامين ورجال أعمال كرد، بالإضافة إلى إيرانيين ورجل أعمال تركي ملقب بـ “ملك دور القمار”، أن مرتكبي هذه الجرائم معروفون من الدولة التركية، وأنه على الرغم من وجود وثائق تفصيلية حولهم لدى جهاز الاستخبارات التركية، فقد تمت حمايتهم بشكل ممنهج لمدة 25 عاماً، من بين هؤلاء وزير الداخلية في فترة حكومة تانسو تشيلر ومدير الأمن الداخلي وقائد شرطة اسطنبول وأسماء أخرى ما زالت تحتفظ بروثتها وتأثيرها ونفوذها في السياسة وعالم المال والأعمال.
أحدثت تصريحات إيمور الى موقع T24 الإخباري التركي ولقائه عبر شاشة “Halk TV” المعارضة عاصفة في الأوساط الإعلامية والأكاديمية التركية، بخاصة لجهة المعلومات التي أكّدت وقوف الأمن ووزارة الداخلية التركية خلف جرائم قتل الشخصيات الـ 18، والمعروفة في تركيا باسم قضية “JITEM” (قيادة استخبارات ومجموعة مكافحة الإرهاب التابعة للجندرما).
كما اعترف إيمور بتشغيله شخصياً للعميل محمود يلدرم المشهور في تركيا بلقب “الأخضر” والمرتبط اسمه بعدد كبير من جرائم اغتيال قادة وضباط أمنيين وعسكريين في المناطق الشرقية من البلاد، اضافة إلى جرائم قتل رجال الأعمال الكرد والإيرانيين وتقاسم أموالهم مع سياسيين وأمنيين أتراك رفيعي المستوى.
وقال إيمور خلال المقابلة: “استخدمنا الأخضر في مهمات خارجية. قبل أن يأتي إلينا (جهاز الاستخبارات الوطني التركي) كان الأخضر يحمل بطاقة رئاسة الوزراء، ويحضر اجتماعات الفيلق الجنوبي الشرقي”، مبرراً اعتماده على رجل بسجل جنائي حافل بالقول “لقد كان مناسباً لمهامنا، الرجال النظفاء لا يصلحون لمهامنا. قمنا بالتحقيق معه في احدى المرات في أمور متعلقة بالاستيلاء على أموال، وكشف لنا في حينه أنه كان دائماً يتقاسم الأموال المسروقة والمستولى عليها من ضحاياه مع مسؤولين أمنيين في وزارة الداخلية”.
من أبرز الجرائم التي أدين “الأخضر” بارتكابها هي جريمة اغتيال النقيب في استخبارات الجندرما أحمد جيم ارسيفير، صاحب السجل الحافل بالنشاط الاستخباري ضد حزب العمال الكردستاني في جنوب شرقي الأناضول حيث كان يدير الأنشطة والعمليات التي استهدفت الحزب الكردي في المنطقة خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وبعد استقالته من خدمته احتجاجاً على وفاة الجنرال أشرف بتليس في ظروف غامضة، هدد ارسيفير عبر رسالة بعثها إلى صحيفة “ميلييت” التركية في شهر أيار (مايو) 1993 بـ “إخبار الشعب التركي عن الأخطاء، والخيانات التي تمت منذ عام 1984. وخيانة جلال طالباني، وعلاقات “حزب العمال الكردستاني”، والوضع الحقيقي في جنوب شرقي البلاد، وحرّاس القرى، وجرائم القتل المجهولة الفاعلين، وموقع بعض السياسيين في التنظيمات السرية”. بعد أقل من 6 أشهر على هذه التهديدات وجد سيفير مقتولاً مقيّد اليدين بطلقتين أماميتين في رأسه.
كما ارتبط اسم “الأخضر” أيضاً بمحاولتي اغتيال فاشلتين لزعيم “حزب العمال الكردستاني” احداهما في العاصمة السورية دمشق بعملية سميت بـ “المرسيدس” نسبة لنوع السيارة التي تم تفجيرها بالقرب من منزل زعم اقامة الزعيم الكردي فيه في أيار (مايو) 1996 والأخرى في البقاع اللبناني.
حاول إيمور التسويق لعملية “المرسيدس” رغم فشلها بالقول ان “الاستهداف الذي نتجت منه حفرة بعمق 17 متراً في الأرض، كان السبب الرئيسي في مغادرة أوجلان سوريا”.
في المقابل اعتبر الكاتب والصحافي التركي المتابع لملفات المخدّرات والتنظيمات الاجرامية في تركيا جينكيز أردينج أن “تصريحات محمد إيمور تلفت الانتباه إلى القضية العدلية المستمرة في أنقرة والمعروفة أيضاً بقضية جيتم، لكن اللافت هو أن إيمور يوجّه سهام اتّهامه باتجاه هدف واحد فقط: المؤسسة الأمنية، بينما في فضيحة سوسورلوك لوحظ أن جماعات عدة من الشرطة والاستخبارات الوطنية (MIT) والجندرما كانت منخرطة في أنشطة الخطف والابتزاز بحجة “مكافحة الإرهاب”.
ولفت أردينج في تصريحات الى”النهار العربي”  الانتباه إلى “حقيقة أنه في قضية اغتيال مدحت سرهات (محام كردي)، الذي يُعتبر من بين جرائم القتل الـ 18، تعرّفت زوجته، التي كانت برفقته لحظة الاغتيال، الى نور الله توفيق أغانسوي، الذي عمل مع جاكيجي وكان مقرّياً من الاستخبارات الوطنية التركية. لم يتم تناول هذه المعلومات الهامة للغاية. ويظهر وجود أغانسوي هناك أن جرائم القتل لم ترتكب من قبل الفريق الموجود داخل الجهاز الأمني فحسب، بل كانت هناك شراكات لجهات مختلفة”.
واعرب عن اعتقاده بأن “المقارنات وفحص البيانات في القضية (جيتيم) ستكشف عن تنظيم أكبر بكثير، وأسماء أكثر من الموجودة حالياً قيد المحاكمة”.
 
المخدّرات لتمويل فرق الاغتيال 
من ضمن الاعترافات التي أدلى بها إيمور هو استعمال الاستخبارات التركية تجّار مخدرّات وتكليفهم  عمليات اغتيال شخصيات كردية وأرمينية ثورية في عدد من البلدان الأوروبية ودول الشرق الأوسط، ذاكراً أشهر هؤلاء على الإطلاق عبد الله تشاتلي الذي فجّرت وفاته بالصدفة في حادث سير فضيحة عرفت باسم سوسورلوك نسبة إلى المدينة التي وقع الحادث بالقرب منها، حيث اكتشفت الشرطة هويّات أمنية وأسلحة إسرائيلية من نوع “أوزي” مدرجة ضمن تقارير الأسلحة المفقودة من عتاد الجيش التركي في صندوق سيارته المحطّمة، وكانت برفقته حبيبته وقائد شرطة اسطنبول ونائب عن حزب “الطريق القويم” الذي كانت تتزعمه رئيسة وزراء تركيا السابقة تانسو تشيلر.
وادّعى إيمور أنه استخدم  تشاتلي  في عملية واحدة فقط، ومن ثم عارض استخدامه هو وتجار المخدرات الآخرين في العمليات ضد حزبي ا”عمال الكردستاني” والجيش السري الأرمني لتحرير أرمينيا، مشككاً في ولاء هؤلاء “الذين كانوا يدّعون تمسّكهم بالإيديولوجية القومية والعمل ضد “العمال الكردستاني” وفي الوقت ذاته كانوا يتعاونون مع عناصر “العمال الكردستاني” في تجارة المخدرات على مستوى أوروبا”، مضيفاً: “المرة الوحيدة التي التقيت فيها تشاتلي سألته عن نشاطه في تجارة المخدرات فكان جوابه “مضطرون (لمزاولتها) من أجل تأمين مصاريفنا”.
يتبع….