التأمت القمّة السّعودية – المصرية في لحظة مفصليّة وحسّاسة تتغيّر فيها بسرعة قواعد الأمن الإقليميّ، وتتداخل فيها ساحات الصراع إلى حدّ يصعب معه الفصل بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر، أو بين حرب غزّة والعدوان على لبنان وأزمات اليمن والسودان وسوريا.
أثمرت القمّة التي جمعت وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان والرئيس المصريّ عبدالفتّاح السيسي اتّفاقاً على تطوير العلاقات المشتركة عبر تفعيل مجلس التنسيق الأعلى المشترك الذي أنشئ في 2024، الأمر الذي يمثّل ضمانة للأمن والاستقرار ومواجهة التحدّيات الجسيمة التي تهدّد أمن المنطقة، لا سيما في ظلّ المحاولات لفرض متغيّرات عليها وعلى القضيّة على وجه التحديد.
تبدو القاهرة والرياض أمام سؤال أكبر من جدول أعمال قمّة ثنائيّة: هل تستطيع الدولتان الانتقال من تنسيق المواقف حيال أزمات المنطقة إلى المشاركة في صوغ قواعد جديدة لأمنها؟
تكتسب الزيارة هذه الدلالة من توقيتها أوّلاً. فهي تأتي بعد موجة هجمات لجماعة “أنصار الله” الحوثي استهدفت مدناً ومنشآت سعوديّة، بالتزامن مع تطوّرات مقلقة في الساحل الغربيّ اليمنيّ ووصول التهديد إلى باب المندب، بما يضع أمن البحر الأحمر والملاحة الدوليّة أمام اختبار جديد. وفي الوقت نفسه، لا تزال تداعيات حرب غزّة مفتوحة، فيما تتقاطع أزمات السودان وسوريا والصومال مع صراع أوسع على النفوذ والممرّات البحريّة ومصادر القوّة الإقليميّة.
هنا تحديداً تكتسب القمّة المصريّة ـ السعوديّة معناها الاستراتيجيّ. فالمسألة بالنسبة إلى القاهرة ليست أن تنخرط في الحرب اليمنيّة، كما أنّها بالنسبة إلى الرياض ليست مجرّد مواجهة مع جماعة مسلّحة. الخطر الحقيقيّ أن يتحوّل البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة لصراع إقليميّ، تصير فيه الممرّات البحريّة نفسها أدوات للضغط السياسيّ والاقتصاديّ، وتتحوّل الجماعات المسلّحة إلى أطراف في شبكة أوسع من الصراعات والرسائل المتبادلة بين القوى الإقليميّة.
عقدتان في معادلة واحدة
هذا ما يجعل باب المندب وهرمز عقدتين في معادلة واحدة. بالنسبة إلى السعوديّة، يرتبط مضيق هرمز مباشرة بأمن الخليج وتجارة الطاقة، بينما يرتبط باب المندب بأمن البحر الأحمر والساحل الغربيّ للمملكة. أيّ ضغط متزامن على المضيقين يعني عمليّاً أنّ الرياض تواجه ضغطاً استراتيجيّاً من الشرق والغرب في آن واحد.
أمّا مصر فتبدو المعادلة مختلفة في ظاهرها، لكنّها تلتقي مع السعوديّة في النتيجة. فأمن باب المندب يرتبط مباشرة بأمن قناة السويس، وأيّ اضطراب طويل الأمد في جنوب البحر الأحمر يمكن أن يدفع السفن إلى تغيير مساراتها، بما ينعكس على حركة التجارة العالميّة وعلى إيرادات قناة السويس والاقتصاد المصريّ. لذلك فإنّ أمن البحر الأحمر لم يعد ملفّاً جغرافيّاً منفصلاً عن الأمن القوميّ للدولتين، بل أصبح جزءاً من معادلة أمنيّة مشتركة.
لكنّ الأهمّ أنّ الخطر لم يعد صادراً عن دولة واحدة يمكن احتواء سلوكها عبر تفاهم دبلوماسيّ تقليديّ. الصواريخ والطائرات المسيّرة والجماعات المسلّحة باتت قادرة على التأثير في أمن دول كبرى، بينما تحوّلت الممرّات البحريّة إلى أدوات للصراع والابتزاز وإعادة توجيه حركة التجارة والطاقة. هذا يعني أنّ قواعد الأمن القديمة لم تعد كافية، وأنّ التعامل مع كلّ أزمة باعتبارها ملفّاً منفصلاً قد يؤدّي إلى فقدان الصورة الكبرى.
إعادة تعريف الشّراكة نفسها
من هنا، قد تكون القيمة الحقيقيّة لزيارة محمّد بن سلمان للقاهرة في أنّها تفتح الباب أمام إعادة تعريف الشراكة المصريّة ـ السعوديّة نفسها. خلال السنوات الأخيرة، لم يعد التنسيق بين البلدين مقتصراً على البيانات السياسية. في ملف غزة، تلاقت مواقف القاهرة والرياض حول رفض تهجير الفلسطينيين والتمسك بحل الدولتين ودعم إعادة الإعمار، بينما تطور التنسيق إلى مواقف وبيانات مشتركة في شأن عدد من القضايا الإقليمية، بما يمنح الموقف العربي وزناً أكبر في المحافل الدولية.
في المجال الأمنيّ، أكّدت مصر مراراً أنّ أمن السعوديّة جزء من أمنها القوميّ والعربيّ، وبرز هذا الموقف في التعامل مع الهجمات التي استهدفت المدن والمنشآت السعوديّة. ومع اتّساع دائرة التهديدات، أصبح التنسيق بين القاهرة والرياض يتجاوز فكرة التضامن السياسيّ إلى محاولة إدارة تداعيات الأزمات قبل أن تتحوّل إلى أخطار استراتيجيّة طويلة الأمد.
ربّما هذا هو التحوّل الأهمّ: من دبلوماسيّة ردّ الفعل إلى بناء قدرة مشتركة على الفعل. فالسؤال الأهمّ: ماذا تفعل القاهرة والرياض إذا أصبح اضطراب البحر الأحمر وضعاً دائماً؟
كيف تمنعان انتقال الصراع من اليمن إلى البحر الأحمر، ومن البحر الأحمر إلى دول أخرى؟ والأهمّ: هل تستطيعان بناء شبكة عربيّة أوسع للتعامل مع واقع أمنيّ تتراجع فيه قدرة الدولة منفردة على حماية مصالحها؟
هنا تظهر قيمة مصر تحديداً. فالقاهرة لا تمتلك الموقع الجغرافيّ الذي يجعلها طرفاً أصيلاً في معادلة البحر الأحمر فحسب، بل تمتلك أيضاً الثقل العسكريّ والسياسيّ والخبرة المتراكمة في إدارة الملفّات الإقليميّة المعقّدة. وتالياً فإنّ المصلحة المصريّة لا ينبغي أن تقتصر على تحمّل كلفة اضطراب البحر الأحمر والانتظار والتمهّل وتحمّل الكلفة، وإنّما الانتقال إلى موقع يتيح لها المشاركة في صياغة قواعد أمنه.
هذا يتقاطع مع المصلحة السعوديّة التي تحتاج بدورها إلى شريك عربيّ كبير قادر على الجمع بين الموقع والقدرة السياسيّة والأمنيّة. ولا ينفصل ذلك عن الملفّات الأخرى المطروحة على طاولة القاهرة والرياض: غزّة والسودان وسوريا والصومال واليمن، فضلاً عن التوتّر مع إيران. فهذه ليست أزمات متجاورة بالصدفة، بل تتقاطع جميعها عند سؤال واحد: من يملك القدرة على التأثير في النظام الإقليميّ الذي يتشكّل الآن، ومن يكتفي بالتكيّف مع نتائجه؟
لذلك فإنّ دعم الدولتين لوحدة الدول العربيّة وسيادتها، ورفض التدخّلات الإقليميّة التي تهدّد استقلالها ووحدة أراضيها، يمكن أن يتحوّلا من موقف سياسيّ إلى قاعدة في بناء منظومة أمنيّة أوسع.
الاقتصاد يوفّر دعامة للأمن والسّياسة
لا تقف هذه الشراكة عند الأمن والسياسة. فالعلاقات الاقتصاديّة والاستثماريّة بين القاهرة والرياض توفّر لها قاعدة أكثر استدامة، مع استثمارات سعوديّة كبيرة في مصر وتبادل تجاريّ يتجاوز 13 مليار دولار سنويّاً، إلى جانب الأطر المؤسّسيّة التي تطوّرت بين البلدين خلال السنوات الماضية، وذلك خلال مسار طويل من الزيارات المتبادلة بين الطرفين (بدءاً من 2015 وصولاً إلى زيارة حزيران 2022 التي شهدت توقيع 14 اتّفاقيّة تتعلّق باستثمارات تجاوزت 29 مليار ريال سعوديّ).
لذلك، فإنّ أهميّة زيارة محمّد بن سلمان للقاهرة تكمن في ما إذا كانت ستؤسّس لمرحلة مختلفة في العلاقة بين البلدين: مرحلة لا تكون فيها القاهرة والرياض مجرّد دولتين تتشاوران عند وقوع الأزمة، بل شريكان في محاولة منع الأزمة المقبلة وصوغ قواعد التعامل معها.
في لحظة المتغيّرات التي يشهدها الشرق الأوسط، تصير القاهرة والرياض أمام فرصة، وربّما أمام مسؤوليّة: الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الأمن الإقليميّ. فأمن البحر الأحمر ليس قضية مصرية أو سعودية منفردة، كما أن أمن الخليج ليس شأناً خليجياً خالصاً. وفي عالم يتصل فيه هرمز بباب المندب، وغزة بالبحر الأحمر، واليمن بالسودان، والساحل بالتجارة العالمية، لم يعد ممكناً حماية الأمن العربي بإدارة كل أزمة على حدة. المطلوب هو بناء معادلة جديدة يبدأ ثقلها من القاهرة والرياض، لكنّها لا تنتهي عندهما. معادلة تقوم على التنسيق السياسيّ، والقوّة الاقتصاديّة، والقدرة على حماية الممرّات البحريّة، والأهمّ على إرادة سياسيّة تعتبر أنّ الأمن العربيّ مسؤوليّة عربيّة مشتركة.
