.معاذ الحمد
النخب السورية المثقفة: عجز أمام موجة التعنيف الاصطلاحي أم ركوب للموجة نفسها؟
تمر سوريا في المرحلة الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع بفراغ سلطوي وتفكك مؤسسي غير مسبوق، انعكس على تماسك الدولة وقدرتها على احتكار العنف المشروع. فمع انهيار المؤسسات السابقة واستمرار التوترات الطائفية والإثنية، تفجرت موجة عنف مناطقي وطائفي، خاصة في الساحل ومناطق التماس، ما ألقى بظلال ثقيلة على موقع النخب المثقفة ودورها.
حكومة انتقالية وتحديات متفاقمة
سلطة الشرع المؤقتة تجد نفسها أمام تحديات هائلة في السيطرة على هذه الموجة، وسط استغلال واسع من قبل قوى محلية وإقليمية لحالة الضعف السياسي. في هذا السياق، تظهر النخب المثقفة بين خيارين: إما مواجهة هذا العنف بخطاب سياسي وثقافي مقاوم، أو الانجرار وراءه والانخراط في صراعاته تحت ذرائع مختلفة.
وفي هذا الإطار، يؤكد الأكاديمي والباحث السياسي السوري فايز قنطار، لـ”963+”، أن “السلطة المؤقتة تتحمل المسؤولية الكاملة عن تفشي العنف الطائفي وخطاب الكراهية في سوريا”، مشدداً على أن “النخب الثقافية المهمشة لا يمكن تحميلها وزر هذه الظاهرة”.
ويوضح أن “وصول السلطة المؤقتة إلى دمشق ترافق مع بناء أجهزة إعلامية كرست خطاب الكراهية والتحريض الطائفي”، لافتاً إلى أن “الفصائل التي تشكلت منها هذه السلطة عاشت صراعات دامية فيما بينها قبل دخولها العاصمة، وهي غير قادرة على بناء دولة أو تأسيس إعلام تربوي يرسخ الوحدة الوطنية”.
: هل نُحسن الاختلاف السياسي في سوريا الجديدة؟ – 963+
بين العجز والركوب
جزء مهم من النخب يعيش حالة عجز واضحة، فتراكمات القمع الأمني لعقود سابقة، وتعميق ثقافة الخوف والشتات السياسي، جعلت هذه النخب عاجزة عن إنتاج خطاب موحد أو مؤثر. هذا العجز يفسر ضعف مساهمتها في مواجهة الطائفية أو طرح بدائل سياسية وثقافية جامعة.
في المقابل، برزت نخب أخرى سارعت إلى “ركوب الموجة”، سواء عبر الاصطفاف مع محاور طائفية، أو عبر تبرير إجراءات قمعية باسم “الاستقرار”، أو حتى باستغلال الأزمات لتعزيز نفوذ سياسي أو اجتماعي داخل بنية السلطة الانتقالية. هذه المواقف ساهمت في إطالة أمد الانقسام، وأضعفت إمكانية خلق توافق وطني.
ويشير قنطار في هذا السياق إلى أن بعض النخب الثقافية والإعلامية انزلقت إلى تبني خطابات طائفية مثيرة للريبة، الأمر الذي ساهم في تأجيج الانقسام والتحريض على حرب أهلية، وهو ما انعكس على الواقع من خلال المذابح التي شهدتها مناطق عدة في البلاد مثل الساحل وريف دمشق والسويداء.
ويشدد على ضرورة أن تقوم هذه النخب بإعادة النظر في خطابها والتمسك بالمصلحة الوطنية العليا، مؤكداً أن الانغلاق والتعصب الطائفي يقود البلاد إلى الكارثة، وأن إدراك خطورة خطاب الكراهية ضرورة ملحة لإعادة اللحمة للمجتمع السوري.
ازدواجية سياسية وثقافية
سياسياً، انتقلت النخب بين السخط على السلطة السابقة والحذر من انفلات العنف، وبين محاولة اقتناص فرص نفوذ في النظام الجديد. ازدواجية المواقف عكست غياب رؤية موحدة للتعامل مع العنف الاصطلاحي، وأظهرت ضعف النضج السياسي لهذه النخب.
وهنا، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي السوري فراس علاوي، لـ”963+”، أن سوريا تعاني من أزمة نخب سياسية لم تؤسس لعملية سياسية حقيقية، نتيجة غياب الكتل والأحزاب المنظمة، مشيراً إلى أن معظم الشخصيات السياسية الحالية مارست دور المعارضة أكثر من ممارسة العمل السياسي المؤسسي.
ويوضح أن المرحلة الانتقالية لم تُفرز نخباً قادرة على قيادة مشروع سياسي متماسك، مبيناً أن إصدار قانون الأحزاب قد يفتح الباب أمام تجميع هذه النخب وتقديم بدائل سياسية للعمل الوطني.
ثقافياً، لا تزال الخطابات المثقفة أسيرة أثر الاستبداد الطويل، إذ تراجعت الثقافة الليبرالية الديمقراطية، وتراجعت معها قيم التعددية وقبول الاختلاف. هذا الانكماش الثقافي جعل الاستجابة للعنف أكثر ميلاً للتبرير أو التكيف منه لمواجهته بخطاب مضاد.
مسؤولية غائبة
يتعرض المثقفون السوريون اليوم لنقد حاد بسبب تقصيرهم في بناء أطر سياسية واجتماعية منظمة قادرة على استيعاب المجتمع وتوجيهه. فبدلاً من لعب دور ريادي في تأسيس مشهد سياسي مستقر، بدت النخب وكأنها استقالت طوعاً من مسؤولياتها. ومع أن بعض الأصوات تطالب باستعادة الدور عبر تشكيل أطر حزبية ومجتمعية قريبة من الناس، إلا أن ذلك ما يزال في طور التمنيات أكثر منه في طور الإنجاز.
وهنا، يقول الصحفي السوري جوان سوز، لـ”963+”، إن مواقف شريحة واسعة من النخب الثقافية السورية، سواء الموالية أو المعارضة، لم ترتقِ إلى مستوى المرحلة التي تمر بها البلاد، واصفاً أداءها بأنه “مخجل” في ظل ابتعادها عن هموم الشارع السوري وتطلعاته.
ويوضح أن عدداً من النخب التي عارضت النظام السابق، تحولت فجأة إلى موالية للنظام الحالي، سعياً وراء المكاسب السياسية دون أي اعتبار لمطالب المجتمع السوري، مشيراً إلى أن الخطاب الصادر عنها كان في معظمه ذا تأثير سلبي يقوم على خطاب الكراهية والتحريض.
ويشير سوز إلى أن هذه النخب أسهمت في تعميق الانقسام داخل المجتمع السوري بدلاً من المساهمة في الحفاظ على السلم الأهلي وصياغة خطاب جامع، مؤكداً أن حضورها يظل محصوراً في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، بينما هي بعيدة تماماً عن نبض الشارع السوري.
التحديات المستقبلية
التحدي الأكبر يبقى في غياب الكفاءات بين النخب السياسية داخل مواقع القرار. كما أن ضعف التخطيط الاستراتيجي يهدد فرص الاستقرار والتنمية، ويضع سلطة الشرع الانتقالية أمام امتحان صعب: كيف توظف هذه النخب في صياغة خريطة طريق دائمة؟
وفي هذا الصدد، يشدد علاوي على أن تجاوز الأزمة ممكن عبر توحيد المواقف والانخراط في الحياة السياسية، سواء في صفوف المعارضة أو الموالاة، والابتعاد عن دوامة العنف، مؤكداً أن ذلك سيساعد على تحقيق استقرار سياسي جديد وتهيئة البيئة أمام النخب للمشاركة الفاعلة في مستقبل سوريا.