الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021

خلال الحوار مع جعجع (تصوير الدو ايوب)
يخوض رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع مواجهة سياسية مفتوحة في الزمن اللبنانيّ الصعب، متسلّحاً بالمقولة المؤكّدة أنّ “أول جنديّ يموت، هو ذاك الذي يذهب خائفاً إلى المعركة”. هكذا ردّ على سؤالٍ موجّه ومباشر: “ألا تخاف أن تُقتل؟”. في معراب، حاوره وفدٌ من أسرة “النهار” و”النهار العربي” حيث وضع على طاولته “أسلحة مواقف” من نوع المقاومة السياسيّة السلميّة المرتفعة السقف، داحضاً كلّ الأقاويل التي تصوّره في خانة “صاحب مخازن أسلحة وفرق عسكريّة”. فلا تنظيم عسكرياً لدى “القوات”، وفق تأكيد رئيسها، ولكن منذ بدأ “حزب الله” يلاحظ أنّ كلّ الأحزاب ضعفت وتخلّت عن مواجهته، وبقيت هناك “القوات” فحسب، صار يعتبر أنّه في حال أزيحت “القوات”، لن يبقى هناك أحد. أما إذا بقيت فسيتكوكبون حولها مع تشكيل نواة مقاومة في مكانٍ ما. من هنا، يرسم جعجع خطوط تماس المعركة السياسية مع “حزب الله” الذي حاول، وفق مقاربته، تحميل مسؤولية أحداث “عين الرمانة” إلى “القوات” محاولاً عزلها لضرب آخر موقع مقاوم فعلي في لبنان. لكن “النتيجة أتت عكسيّة”.
ولا يلغي ذلك أنّ رئيس “القوات” يسير على دربٍ مزروع بـ”القذائف” والفِخاخ السياسيّة، انطلاقاً من فحوى توصيفه للواقع السياسيّ. من واقعة “عين الرمانة” انطلق الحوار، حيث تردّد صدى صوت الطلقات النارية الحيّة. مَن المسؤول؟ يؤكد جعجع أنّ “حزب الله أراد أن يضع القصّة عندنا، لكنّنا لسنا نحن المستهدفين بل التحقيق في انفجار المرفأ. أوّل 4 جرحى سقطوا كانوا من أهالي عين الرمانة، ثم حصل الاشتباك وتدخّل الجيش. كان حزب الله هو محور الحدث وليس القوات. كلّ الدور كان عند الحزب في الأحداث التي حصلت والمستمرّة حتى اللحظة… ولا يزال التحقيق في انفجار المرفأ هو محور الحدث”.
ويروي أنّه “يوم الأربعاء في 13 تشرين الاول، سرّبت مئة رسالة صوتية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تشير إلى نداء إلى عناصر حزب الله يدعو إلى الاستنفار العام وعدم التوجه إلى البقاع أو الجنوب. وقد استمع أهالي عين الرمانة إلى الرسائل الصوتية وأكّدوا خطورتها. اتصلت بمسؤول التواصل في القوات مع الأجهزة الأمنية عماد خوري، وتمنّيت عليه طلب تكثيف حضور القوى الأمنية. كثرٌ من أهالي عين الرمانة ترقّبوا ما سيحصل. هل من صورة لمسلّح من جهة عين الرمانة؟ لا، لا مسلّحين، بل أشخاص جلسوا أمام بيوتهم تحسّباً لما عاد وحصل”. من قتل الذين ماتوا؟ يجيب أنّه “بعد سقوط 4 جرحى من عين الرمانة ردّ الأهالي بما توافر لديهم من أسلحة فرديّة (مسدّس أو بارودة)”، متمنياً “اطلاع الجميع على التحقيقات الأوّلية. الجيش اللبناني كان حاضراً من اللحظة الأولى وخطابات قائده واضحة لجهة المسؤولية عن الأمن الخارجي والداخلي، وهي استراتيجية يعتمدها الجيش ومختلفة عن الاستراتيجيات السابقة”.
ولا ينفي أن “حزب الله” ساهم في خدمة “القوات”. “ربما فعل ذلك عن غير قصد”، يعقّب جعجع، مضيفاً أنه كان يتمنى أن “يقوم بخدمة أكبر من خلال التوقّف عن فرض إرادته بالقوّة على ما تبقّى من ناس. هذه الخدمة الكبيرة والأفضل التي أنتظرها من حزب الله”.
وهل عاد به الزمن سنوات إلى الوراء لحظة تبلّغه الاستدعاء إلى مديرية المخابرات؟ يسترجع اللحظة، ليقول إنّه “عندما تبلّغت استدعائي، حصل ذلك قبل ثلاث ساعات من مقابلتي عبر قناة “أم تي في”، علماً أن التبليغات كانت تحصل قبل الظهر. كان إحساسي ماذا يفعل هؤلاء؟ لم أستعد الماضي. كلّ حقبة تنتهي في وقتها. بحثت في الحيثيات القانونية، وتبيّن أن الاستدعاء غير قانونيّ”.
وكشف جعجع عن فحوى الاتصال الذي تلقّاه من رئيس الجمهورية ميشال عون، واصفاً إياه بـ”الاتصال الشيطانيّ بعد طول غياب”. يسرد أنّ “الهاتف رنّ وقالوا إن عون يريد التحدّث إليك. تردّدت إذا كان لا بدّ من أن أجيب على الاتصال، أم لا. قال لي: كيفك حكيم؟ نريد أن نوقف هذه القصة في عين الرمانة. قلت إنّ الجيش قدّها وقدود. فأجاب: يمكن لأحدهم أن يتسلّل من على سطح بناية. قلتُ عندئذٍ: أليس باستطاعة الجيش الصعود إلى الأبنية وتوقيف أي متسلّل؟”. ويرى جعجع ان الاتصال الذي تلقّاه من عون يشكّل “بداية الاستدعاء. يريدون أن يزعموا ويظهّروا أنّ ثمّة علاقة لي بالقصّة”.
على رغم تأكيد حزب “القوات اللبنانية” خلوّ جعبته من الذخائر العسكريّة، إلا أن ذلك لا يمنع تعويله على حيازة أسلحة سياسية فعّالة. يراهن جعجع على استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة كسلاحٍ ثقيل يضعه في وجه الأكثرية الحاكمة الحالية. ويعتبر أنّ “الأوضاع وصلت إلى حدود لم يعد باستطاعة أحد الهروب من المواجهة السياسية. كلّ الناس تريد الذهاب إلى حلول. أتى الرئيس نجيب ميقاتي ولا أحد يشكّك في نواياه الحسنة أو في معرفته بالأشياء، لكنّه لم يستطع التقدّم خطوة واحدة إلى الأمام. كان ميقاتي ليجمع مجلس الوزراء لو أن باستطاعته ذلك. لكن حزب الله يعطّل الأكثرية الحكومية. صحيح أن الأزمة فيها سيئات، لكنّ ايجابيتها تكمن في سقوط الأقنعة”.
وينتقي عنوان المعركة الانتخابية التي سيخوضها في الدورة الانتخابية المرتقبة، بعبارة “الخلاص”، مؤكّداً أنّه “ليس من أصحاب النظريات الكبيرة. وهناك شعار نعمل عليه للحملة الانتخابية. لا بدّ من الانطلاق من نقطة بناء الدولة. ومن الضروري البدء بالعمل كرجال دولة وتشكيل حكومة تباشر اتخاذ قرارات جديّة. الخطوة الأساسية هي في انتزاع الأكثرية النيابية بما يضمن عدم تحكّم حزب الله بتشكيل الحكومات. بدّن يعملوا مشاكل، يعملوا مشاكل. لا بدّ من مواجهة سياسية واضحة المعالم”.
ويشير إلى أنّ “الثنائي الشيعي لا يستطيع وحده أن يعطّل مجلس الوزراء أو مجلس النواب. وسبق له أن انسحب من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة ولم يحصل شيء. الميثاقية في لبنان مسيحية – إسلامية”. ويؤكّد على “مواجهة سيناريوات تعطيل الانتخابات التي لن تكون عملية سهلة على من يريد التعطيل، لأن كلّ العالم سيقف في وجه التعطيل”. وفي ما يخصّ التحالفات المرتقبة في الانتخابات، يشير إلى “أنّنا سنخوض الاستحقاق وحدنا ونشكّل لوائح مع شخصيات مستقلّة، باستثناء الجبل الذي له خصوصية ووضعية خاصة حيث سنتحالف مع الحزب التقدمي الاشتراكي”.
يدقّ البطريرك بشارة الراعي ناقوس الخطر الكبير الذي بات يستهدف الشراكة الوطنية. ويمكن أن تُسمع أصوات علنية تنادي بالتقسيم قريباً. هل سنُكمل في المسار الحالي للبلاد، أم سنرى ما يمكن فعله بعد الانتخابات؟ يجيب جعجع أنّ “الانتخابات مهمّة جدّاً على المدى المنظور. ولا يخال أحد أنّ الانتخابات لا تتمتع بأهمية. من المهمّ المشاركة في الانتخابات وتصحيح الخلل في البلاد. خسرت ايران الانتخابات في العراق، ولا تريد أن تترجَم النتائج، لأنها بمثابة مفصل مهمّ جدّاً في الحياة السياسية”. وعن فكرة تشكيل جبهة وطنية ومدى القدرة على إعادة توحيد الصفوف، يرى أنّ “ثمّة شيئاً تغيّر في البلد الأسبوع الماضي. فقد رأى الحزب التقدمي الاشتراكي أنّ الوضع لا يمكن أن يستمرّ على هذا النحو وأصدر موقفاً واضحاً. إنّ جلوس أناس لديهم الهدف نفسه على طاولات عدّة، يؤدّي إلى نتيجة مشابهة للجلوس على طاولة واحدة”.
ولماذا لم يضطلع بدور وسيط بعد الأزمة المستجدّة بين لبنان ودول الخليج العربيّ؟ يشرح جعجع أنّ “الأزمة أكبر وأعمق بكثير من أن يستطيع أحد أن يضطلع بدور رغم العلاقات الشخصية. اتخذ الصراع الفارسي – العربي في السنوات الأخيرة أبعاداً لم يسبق أن اتخذها مسبقاً على الاطلاق. يستجمع كلّ من الفريقين الفارسي والعربي أوراقهما. وقد باتت الدولة اللبنانية تتخذ موقفاً كاملاً مع المحور الفارسي نتيجة تحكّم حزب الله. الأزمة مرتبطة بالمستوى الاستراتيجي، وعلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تغيير المسار بشكل كليّ”.
وعن بداية التواصل العربي المباشر مع النظام السوري عقب زيارة وزير الخارجية الاماراتي إلى دمشق، يدحض جعجع “نظرية الانفتاح على النظام السوري الميؤوس منه، والهدف تغييره. ما يحصل عبارة عن محاولة بيع خطوة في مقابل خطوة، تؤدي إلى تغيير سياسي مطلوب. لست شخصياً مع هذه النظرية، وفي رأيي لا شيء ينفع مع هذا النظام”.