
أكاديمي وباحث… الثورة السورية دمشق
هل نحن ذاهبون فعلاً نحو نظام ديمقراطي؟ ولماذا يزداد توجس النخبة من الاتجاه نحو الحكم الفردي؟ ما مناسبة هذا السؤال الآن؟ وأنا ممن دعا (ولا زلت) إلى تأخير إصدار قانون للأحزاب لأني أجد أن التوافق على القانون وكونه امتداداً للنظام السياسي في الدستور يتطلب بعض التمهل، كما يتطلب قدراً كبيراً من الاستقرار والتغيير في مؤسسات الدولة، على أساس أن الموضوعات التأسيسية بحاجة لتوافق سياسي كي تستقر، وكي تولد نظاماً سياسياً محترماً من قبل الجميع.
ومن هنا بالضبط أريد أن أشرح وجهة نظري في احتجاجات أسعار المحروقات، التي تمثل برأيي “إنذاراً مبكراً” ومهمّاً عن تراجع الثقة وتبدل مزاج الناس، خلافاً لجميع الاحتجاجات التي سبقت، ولا أعتقد أن من الصواب اختزال هذه الاحتجاجات في مسألة اقتصادية محضة، أو التعامل معها باعتبارها موجة غضب طارئة يمكن امتصاصها ببعض الإجراءات ثم تفقد زخمها مع مرور الوقت، لكن أيضاً لا ينبغي، في المقابل، تحميلها أكثر مما تحتمل والقول إنها دليل قاطع على تحول سياسي شامل في المجتمع.
الأدق أن ننظر إليها بوصفها إنذاراً مبكراً عن مشكلة تتراكم في العلاقة بين المجتمع والدولة: من يشارك في اتخاذ القرارات التي تؤثر مباشرة في حياة الناس؟ ومن يراقب الإنفاق العام؟ ومن يستطيع مساءلة السلطة عندما تتخذ قراراً غير شعبي؟
وجهة نظري ببساطة أن هذه الاحتجاجات، والتي تشير خارطة انتشارها إلى أنها في القاعدة الاجتماعية الصلبة للحكم الانتقالي على وجه العموم، خطيرة، فحين نقول الشراكة في صنع القرار فنحن نتكلم بالضرورة عن التمثيل الحقيقي للمجتمع في مستويات صنع القرار، نحن نتحدث عن جميع قنوات التعبير عن مصالح المجتمع، وهي تبدأ بالمجالس المحلية وتمر بالنقابات والاتحادات والروابط وصولاً إلى البلدية ومجلس المحافظة وحتى مجلس الشعب.
لا نتحدث هنا عن الهيكل التنفيذي بقدر ما نتحدث عن الهياكل الموازية والموازِنة له، التي تعمل على تصويب قراراته والدفاع عن مصالح فئات المجتمع التي يمثلونها، وهؤلاء جميعاً ينبغي أن يكونوا منتخبين ليعبروا عن الناس، ولكن لا يوجد واحد من هذه الكيانات حتى الآن مُنْتَخَبَاً!
حسنًا! إلى أين يذهب الناس إذن في الأزمات حين لا يجدون الهياكل التي تدافع عن مصالحهم وتمثلهم؟ إلى وسائل التواصل الاجتماعي والشارع طبعاً، لا يحتاج الأمر إلى تفكير طويل للوصول إلى هذه النتيجة البدهية، لأنه ببساطة شديدة التمثيل الحقيقي للناس ليس مجرد إجراء انتخابي، إنما هو بناء شرعية للشراكة في صنع القرار، والناس تصبر على قرار اتخذته بنفسها أضعاف ما تحتمله في قرار مفروض عليها بدون استشارتها.
ما الذي يمنع بعد مرور عامين من انتخاب النقابات؟ والمجالس المحلية للأحياء مثلاً؟ لماذا لا تظهر خطوات تمهيدية؟ ما الذي يمنع ذلك بعد مرور كل هذه المدة؟ لماذا لا ندع الناس تتحمل مسؤوليتها أيضاً؟
يحتاج أي حكم إلى بناء شرعية مستقرة، وهي شرعية متعددة الطبقات، وخصوصاً الحكم القادم بشرعية ثورية، فالشرعية الثورية هي شرعية اضطرارية مستمدة من “الإنجاز”، ولا ينبغي الاعتقاد أن الشرعية الثورية يمكنها أن تستمر للأبد، ثمة حاجة دائماً للانتقال إلى الشرعية الأصل، أي الشرعية الشعبية، فهي التي تمنح الاستقرار.
لكن مقابل هذه الشرعية هناك “بناء الثقة”، الثقة التي تكون مطلقة في لحظات التحرير تتآكل مع الوقت تحت وطأة متطلبات الحياة اليومية، وتحديات المرحلة الانتقالية السياسية، فالاعتماد المستمر على الثقة الأولى خطر للغاية، وأكثر ما يفتت هذه الثقة قصص الفساد التي يمكن أن تظهر، ودواء الثقة هو الشفافية، الشفافية في إدارة الأموال العامة للحفاظ على الثقة، إذ يجب أن تطمئن الناس أين تذهب أموالها العامة، وإلا فإنها ستقع فريسة الشكوك والشائعات التي لا تستطيع نفيها بسبب الغموض ومظاهر التفاخر وإظهار السلطة، وأداء الكثير من المسؤولين.
لنتذكر أن واحدة من أكثر العبارات التي كانت تثير سخرية مريرة في المجتمع في عهد الأسدين كانت عبارة رئيس مجلس الشعب وقتها عبد القادر قدورة: “النفط في أيادٍ أمينة”، وهي تعبير متذاكٍ عن رفض الشفافية.
هل يمكن أن تُعتبر تلك مؤشرات على وجود نية لحكم فردي شبه مطلق والإطاحة بآمال التحول الديمقراطي؟ جزء من النخبة السورية، وفيها معارضون جذريون لحكم الرئيس الشرع، تجد “عزاءً” لعدم تقبل غالبية المجتمع آراءها في إثارة الشكوك التي تحيط بالعملية السياسية الانتقالية، من خلال مثل هذه المؤشرات.
بطبيعة الحال علينا أن نعترف أن الإجابة القانونية حول اتجاه نظام الحكم في نهاية المرحلة الانتقالية التي حُددت في الدستور بعدد من المواد الرئيسية لا تكفي، ليس لأنها غير واضحة، بل لأن مرور نحو سنتين على المرحلة الانتقالية دون وجود مؤشرات على بناء تدريجي ومؤسسي للانتقال السياسي نحو هذا النظام الحزبي التعددي.
تجنب الإعلان الدستوري ذكر الديمقراطية خلافاً لجميع الدساتير السورية، وكان هذا فعلاً متعمداً نظر إليه الكثيرون على أنه إجراء مؤقت يمكن تفهمه من خلال معرفة إرث مكونات القوى العسكرية التي قادت عملية ردع العدوان العظيمة المتباينة، التي كان لبعضها عداوة صريحة “للديمقراطية” – في مرحلة من المراحل – مصطلحاً ومفهوماً، لاعتبارات أيديولوجية، أو لقناعات فكرية، لكنه إجراء سينتهي في نهاية المطاف بكتابة الدستور الذي سينص صراحة على نظام الحكم ويسميه.
وريثما يحين ذلك الوقت قد يُؤخذ عدم استخدام مصطلح “الديمقراطية” في الإعلان الدستوري والخطاب السياسي الرسمي العلني على أنه مؤشر من مؤشرات ترسيخ النزعة الفردية السلطوية في نظام الحكم.
كما قلت في البداية، كنت ولا أزال من الداعين لتأخير قانون الأحزاب إلى سنة على الأكثر قبل نهاية المرحلة الانتقالية، ولكن ريثما يحين ذلك الوقت يجب العمل وفق استراتيجية واضحة على بناء مؤسسات إنتاج الشرعية الشعبية، وإيجاد مؤشرات تراكمية على التقدم في نقل مصادر الشرعية وممارسة السلطة.
من ذلك إخضاع الإنفاق العام والقرارات التنفيذية للرقابة المؤسسية والشفافية في الأداء وفي إدارة الأموال العامة، والبدء التدريجي بانتخابات المجالس المحلية والنقابات، وإصدار القوانين اللازمة لعمل المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، وتعزيز استقلال القضاء بقوانين جديدة لمجلس القضاء الأعلى وتحديد آليات عمل السلطة القضائية.
إذن في الإجابة على سؤال ما إذا كنا ذاهبين نحو نظام سياسي ديمقراطي نحن في منتصف الطريق، وهو موقع قد يكتنفه الغموض بعض الشيء، ولكن الوصول للوجهة النهائية كما حددها الإعلان الدستوري وكانت على الدوام هدف الثورة السياسي تحتاج إلى جهد مشترك من المجتمع والدولة.