النهضة العربية: من الانبهار بالغرب إلى الوعي بالذات
1- لم يعد من الممكن مواصلة التفكير في مشروع النهضة العربية، في علاقته بتحديات وأسئلة الراهن العربي، بالطرق والمفردات التي تبلورت في كتابات نخب القرن التاسع عشر الإصلاحية، في كل من مصر والشام، وشملت بعد ذلك باقي البلدان العربية. فقد حصلت طيلة عقود القرن العشرين تحوّلات كبيرة في المجتمعات العربية وفي العالم، وأصبح الأمر يقتضي لزوم بناء آليات وطرق أخرى في النظر، تسمح بتعقل ما جرى ويجري، بهدف بناء مقاربات أخرى لأسئلة النهضة العربية. ومن المؤكد أن نخب الثلث الأخير من القرن الماضي بذلت جهدًا كبيرًا وهي تحاول تحيين المشروع النهضوي العربي، في ضوء المتغيرات التي شملت مختلف بنيات الواقع والثقافة العربية. إلا أن إيقاع التحولات التي حصلت ساهم في تعطيل وتأخير كثير من الأفعال المطلوبة والمناسبة لولوج أبواب التحديث والنهضة. نعلن هذا الأمر لأننا نعتقد أن السياقات التاريخية العامة، التي أطرت نصوص القرن التاسع عشر، تختلف عن السياقات التي أطرت بعد ذلك مختلف خطابات النهضة في فكرنا المعاصر، وطيلة مسافة زمنية تقترب من القرنين. كما أن المتغيرات الجارية اليوم تدعونا إلى مزيد من تطوير كيفيات بناء مواقفنا من المشروع النهضوي العربي.
نتصور أن مساحة الزمن بين أدبيات الطهطاوي (1801-1873)، وخير الدين التونسي (1822-1889)، وقد أنتجا معًا خطابات في الإصلاح بأسئلة ومفردات القرن التاسع عشر، وبين خطابات وأسئلة كل من عبد الله العروي وهشام جعيط (1935-2021)، تبرز القفزة النوعية التي حصلت في ثقافتنا المعاصرة. الأمر الذي يسمح بإمكانية بناء آفاق أخرى في النظر إلى الأحوال العربية وعلاقتها بمشروع النهوض العربي المأمول، بعد نهاية الربع الأول من الألفية الثالثة.
إذا كانت أدبيات كل من الشيخ الطهطاوي وخير الدين التونسي قد استوعبت جوانب من انبهارهما معًا بالغرب ومستويات تطوره، كما نتبين ذلك بصورة جيدة في نص “تخليص الإبريز في تلخيص باريس” (1834)، وفي أحد فصول مؤلف “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” (1867)، المخصص لموضوع التمدن الأوروبي، فإن مؤلفات العروي وهشام جعيط وناصيف نصار تجاوزت لحظة الانبهار بالغرب البادية في كتابات الطهطاوي وخير الدين التونسي، ورسمت لمشروع النهضة العربية مجموعة من المواقف والخيارات المساعدة في عملية الانتقال بالذات العربية من انفعال الانبهار إلى فعل يتجه لإعادة بناء الذات، وبناء مشروعها في النهضة والتقدم، بلغة التاريخ والعقل، وهي لغة تسلم بضرورة استيعاب مكاسب التاريخ في تعددها وتنوعها، من أجل ترتيب كيفيات بناء أسس مجتمع جديد وثقافة جديدة.
| استوعبت أدبيات كل من الشيخ الطهطاوي وخير الدين التونسي جوانب من انبهارهما معًا بالغرب ومستويات تطوره |
ليس غرضنا، مما نحن بصدد التفكير فيه، المقارنة بين النهضويين العرب من الغرب. إن المرمى الذي نتجه صوبه يتمثل في قناعاتنا بكون التحولات التي حصلت في المجتمعات العربية خلال مرحلة التمهيد للاستعمار، ثم خلال عقود الاستعمار وبعدها، تستدعي بناء طرق وتصورات جديدة في الاقتراب من الأفق النهضوي، الذي ظل منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن الحادي والعشرين مجرد مشروع نتطلع إليه، وهو مشروع تتجه النخب السياسية والمثقفة لتركيب الخطوات اللازمة لبلوغ عتباته، وبناء أسسه في ثقافتنا ومجتمعاتنا.
نقرأ المشروع النهضوي كما تبلور في أدبيات الفكر العربي المعاصر، خلال القرنين الماضيين، باعتباره محاولة في فهم وتعقل الحداثة والمشروع السياسي الحداثي، كما تشكل وتطور في أوروبا الحديثة والمعاصرة. فقد حصل نوع من التحول في الفكر وفي التاريخ العربيين، في الزمن الذي تم فيه نوع من التواصل بيننا وبين العالم الأوروبي، وقد شمل التحول رصيدنا التاريخي، في مختلف أنماط الفكر، وفي اللغة والقيم، كما تجلت آثاره في المعمار وفي نمط العيش في كثير من أوجهه وصوره. وترتب على هذه الحركة البينية الصدامية غير المتكافئة معطيات ونتائج تجاوزت الطموحات والإرادات المتعلقة بالطرفين، الأمر الذي نتبين ملامحه العامة في صيرورة تاريخية مركبة بدأت منتصف القرن التاسع عشر، وما تزال كثير من ملامحها وآثارها في الراهن العربي، وقد أكملنا اليوم الربع الأول من الألفية الثالثة.
2- يُجمع الذين قرأوا مشروع النهضة في الفكر العربي على أهمية الاصطدام الذي حصل بيننا وبين الأوروبيين منذ نهاية القرن الثامن عشر، وكان يمهد للاستعمار، ويدفع المستعمَر إلى إدراك الفارق بينه وبين الآخر. ونعثر في المصنفات الأولى المعنية بموضوع التأريخ للفكر العربي المعاصر، وقد صدر أغلبها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وأهمها مؤلفات ألبير حوراني “الفكر العربي في عصر النهضة 1939/1798″ (1969)، وعبد الله العروي “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” (1967) (بالفرنسية)، وأنور عبد المالك “الأيديولوجيا والنهضة الوطنية في مصر” (1969) (بالفرنسية)، وهشام شرابي “المثقفون العرب والغرب” (1975)… نعثر في هذه المؤلفات على كل ما يبرز التقابل بين الشرق والغرب، الإسلام وأوروبا، التأخر والتقدم، مع اختلافات جزئية في تأويل جوانب من المسار الذي تبلورت في إطاره مشاريع النهضة العربية. وقد ارتبطت المفردات التي ذكرنا بدلالات محددة، وتطورت في سياقات توظيفها والتفكير بواسطتها في أسئلة النهضة العربية.
ندرج قراءة من أشرنا إلى أعمالهم ضمن أفق يسلم بأن التاريخ العربي في الأزمنة الحديثة عبارة عن مجموعة من ردود الفعل المتواصلة، موقف من الذات ومن الآخر، ومن أنماط التحول التي تمت أو أُجهضت. وفي مصنفاتهم نقرأ أهم التيارات الإصلاحية الناشئة في قلب ردود الفعل المتواصلة، باعتبارها تعكس في كثير من أوجهها جوانب من التحولات التي تمت أو التي توقفت. ونتبين أن عملية انخراط المجتمعات العربية، وبصورة قسرية، في تعلم مقومات الفكر الحديث، أدت إلى وقف مسلسل تاريخي ذاتي، وإطلاق مسار آخر مغاير له، ومختلف عن روح البنية التاريخية التي حددت كثيرًا من تمظهراته. فقد تم إدخال جملة من العناصر والمعطيات المستمدة من بنية تاريخية أخرى، بمعياري المثاقفة والتواصل التاريخيين. يتعلق الأمر بعمليات تمثل واستيعاب جوانب من تجربة التاريخ الأوروبي الحديث والمعاصر، وإنجاز عمليات توطينها في الفكر العربي، وذلك بالصورة التي يحصل بعدها استبعاد التقابل المطلق بين الأنا والآخر.
أنجزنا في دراسة سابقة تحقيبًا ثلاثيًا لـ”حدود العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر”، وهو عمل ندرجه ضمن مشروع التفكير في النهضة العربية، أما لحظات التحقيب فقد وردت في هذه الدراسة بالتسميات الآتية: لحظة إدراك الفارق، ولحظة المقايسة والمماثلة، ثم لحظة وعي الذات، (“أسئلة الحداثة في الفكر العربي، من إدراك الفارق إلى وعي الذات”، 2009). وقد وضحنا أن هذه اللحظات لا تشير إلى مقاربة خطية أو تاريخية متصاعدة، بل إن السمة الملازمة لها تتمثل في تقاطع مختلف اللحظات داخل كل لحظة، إلا أن الطابع الغالب في كل لحظة هو الذي يشير إلى الفوارق والاختلافات بينها. ونتصور أن هذا التحقيب يمكن أن يساعدنا في عمليات الاقتراب من المشروع النهضوي، في خطابات نهاية القرن العشرين، وفي الخطابات الناشئة اليوم، في مطالع الألفية الثالثة.
| نعثر في هذه المؤلفات على كل ما يبرز التقابل بين الشرق والغرب، الإسلام وأوروبا، والتأخر والتقدم |
يستوعب التحقيب الثلاثي جوانب هامة من الكتابات الإصلاحية، الهادفة إلى بناء المشروع النهضوي العربي، وتسعفنا دلالة التسمية بمعاينة الفروق والاختلافات بين هذه المشاريع. ونحن نتمثله بهدف إدراك جوانب من صور التفاعل الحاصلة بين مشروع النهضة العربية، في علاقته بالمتغيرات التي شملت المجتمعات العربية. وقد تبينا أن المشروع النهضوي يحمل في مختلف أزمنته وأطواره، وفي مختلف التجليات التي تمظهر ويتمظهر بها في الثقافة العربية، جملة من السمات المتصلة بالسياقات التاريخية التي تعاقبت خلال القرنين الماضيين، وعملت على تأطير جريانه. نتبين ذلك في الجهود التي بذلت في مشاريع نقد العقل التراثي، جهود كل من محمد عابد الجابري ومحمد أركون. كما نتبينه في “تاريخانية” عبد الله العروي، وفي أعمال هشام جعيط وناصيف نصار.
اتجهت أعمال من ذكرنا من مثقفي النهضة الثانية، نهاية القرن الماضي، إلى بناء خطابات في النهضة العربية من زاوية جديدة، كشفت كيفيات نظرهم إلى أحوال التأخر التاريخي في العالم العربي. وقد ساهمت في توطين آليات في الفكر العربي، مختلفة عن أدبيات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. وتشكل سمة الوعي بالذات لحظة مركزية في أعمالهم، كما أن نقدهم للغرب ولازدواجية معاييره في السياسة والأخلاق لم يستبعد ضرورة استيعاب المكاسب والمنجزات التاريخية والمعرفية التي تحققت في التاريخ المعاصر، بحكم أنها تتجاوزه.
يتمثل الوعي بالذات في أعمال من ذكرنا في انطلاقهم من نظرة جديدة لأحوال التأخر التاريخي العربي، نظرة تقر بالطابع المركب لمظاهر التأخر السائدة، والإقرار أيضًا بضرورة تجاوز التفسير المؤامرتي للتاريخ، وتجاوز الأحكام المطلقة عن الذات وعن الآخر. ومقابل ذلك، نقف في أعمال هشام جعيط، للتمثيل على ما نحن بصدده، على نقد للذات وللآخر، كما نقرأ محاولة في بناء وعي جديد بأسئلة الذات ومشاريعها في الإصلاح والتقدم. ويمكن أن نعتبر أن أعمالهم وضعتنا منذ نهايات القرن الماضي أمام طريق جديد تجاوزوا فيه لحظة المماثلة، واتجهوا نحو تركيب مشروع جديد في النهضة العربية، مهدوا له بمداخل هامة في النقد، وفي بناء مقدمات جديدة للأنوار والتنوير، كما نتبين ذلك بوضوح أيضًا في مقدمة ترجمة العروي لنص “دين الفطرة” لجون جاك روسو. ونتوقع أن تتوج أعمالهم اليوم أو غدًا بثورة ثقافية، تسعف بتركيب نقط ارتكاز نظرية لأسس جديدة في الثقافة العربية.