-
ياسين السويحة… الجمهورية .نت
-
-
-
نشرت الجمهورية.نت قبل فترة تقريراً قصيراً عن اقتلاع بلدية الرقة نحو 250 شجرة زيتون من أجل إنشاء «بوليفارد» بين الجسرين. اختارت البلدية مكاناً قريباً من الفرات، نادراً في المدينة ومحيطها من حيث الأرض الطميية وسرير النهر وتوافر الماء؛ مكاناً كان يمكن رعايته وزيادة تشجيره وتحويله إلى مُتنفَّس عام لمدينة مُدمَّرة تعاني من بنية تحتية متضعضعة. قررت، عوضاً عن ذلك، سكبَ الإسمنت فيه وإنشاء مشروع كان يمكن، على فرض أن لإنشائه أيّ أولوية في الرقة، أن يُقام في أي مكان آخر. لا ندري إن كنّا سنرى أيّ «بوليفارد» هناك فعلاً. ما نعرفه أنَّ أشجاراً كثيرة، في بيئة فقيرة بها، قد اقتُلعت، وأن المخيال السلطوي المحلي تجاه تلك المنطقة هو الباطون.
لكن انعدام المعنى العمراني لا يعني انعدام المعنى. يقول البوليفارد شيئاً ويخاطب بشراً، وتقترح السطور التالية أن ما يقوله هو «البوليفاردية».
خلال الأسبوع الماضي، رفعت الحكومة أسعار المحروقات، ومنها المازوت بنحو أربعين في المئة، فاندلعت احتجاجات وقُطعت طرقٌ في مناطق مختلفة من البلاد. بالتزامن مع ذلك، وفي دبي تحديداً، تحدث أحمد الشرع عن انتقال سوريا من نظام «شبه اشتراكي» تفشّى فيه الفساد إلى اقتصاد قائم على السوق المفتوحة، وقال إن المرحلة قد تحتاج إلى «قرارات صادمة» ستظهر آثارُها الإيجابية مع الوقت. وبعد أيام، قال وزير الطاقة محمد البشير إن الوزارة كانت تستطيع إبقاء أسعار الكهرباء على حالها، وعندها كانت التغذيةُ ستظلُّ ساعتين أو ثلاثاً، «كما في زمن النظام البائد». وأضاف أنّ الدولة اختارت منذ البداية التحوُّل من النظامِ الاقتصادي الاشتراكي ودعمِ الخدمات إلى نظامِ السوق الحر.
البوليفارد صورةً، و«الصدمة» سياسةً – بالإذن من نعومي كلاين – والنظام البائد ختماً يُغلَق به أيُّ نقاشٍ حول الدعم والخدمات العامة. السوق الحرة – ومُستقرُّها المولات والبوليفاردات التجارية والمشاريع العقارية الفخمة وسيارات التاهو – هي طريق الخروج من الماضي، والاعتراضُ على توزيع كُلفة هذا الخروج قابلٌ للتصوير بوصفه حنيناً إلى ذلك الماضي. بعد الاحتجاجات، تراجعت الحكومة جزئياً عن القرار واعتمدت أسعاراً مختلفة للمازوت بحسب استخدامه. أظهر ذلك قدرة الاحتجاج على رسم حدٍّ أوليٍّ لما يمكن تحميلُه للسكان، من دون أن يمسَّ التصوُّر الاقتصادي الذي صدر عنه القرار.
يُمكن نقد هذا التصور البوليفاردي للمستقبل السوري مادياً بسهولة. سوريا بلد مُدمَّر، تعيش أغلبية سكانه تحت خط الفقر، وتحتاج مدنُه إلى الماء والكهرباء والصرف الصحي والنقل والسكن قبل حاجتها إلى البوليفاردات التجارية التي لا يمكن تَخيُّلُ مآلٍ لها، إن أقيمت أصلاً، يختلف عن أسواق وسط بيروت التجاري. كذلك، يمكن تفكيك الوعد الطبقي الذي تحمله صور دبي: أبراج ومولات وشوارع عريضة نظيفة وسيارات فخمة وعمالة رخيصة تقوم بكل شيء. يتخيّل الجميع أنفسَهم في موقع المواطن الإماراتي، مع أن نجاح النموذج الاستهلاكي-الترفيهي، إن نجح أصلاً، سيضع السواد الأعظم من السوريين في موقع العمالة الرخيصة في قطاعات البناء والخدمات والترفيه حتماً، فهذا شرطٌ لا غنى عنه لنجاحه. غير أن سهولةَ هذا النقد لا تعني كفايتَه. الاكتفاء به واحدٌ من أسباب هامشية السياسة اليسارية في عالمنا اليوم. لا يكفي أن تُثبِت أن الوعد لا يتَّسعُ للجميع، ثم تتصرف كأنك استكملتَ الإجابة بشأن الحاجةِ التي منحت هذا الوعد جاذبيته، وكأنَّ الناس سيتركونَه ما إن يفهموا أنّ حساباته لا تصحُّ وأنهم لن يكونوا جميعاً أصحاب أبراجٍ وسيارات تاهو.
تُخاطبُ البوليفاردية توقاً حقيقياً. أقصد بكلمة «التوق» نقصاً ورغبةً ومسافةً مؤلمة بين حياة قائمة وحياة يُراد عيشها. ولا يُقدِّم هذا التوقُ برنامجاً اقتصادياً متماسكاً، ولا يخلو من المغالطات حول الإمكانات والكلفة، لكنه قائمٌ على خبرة مادية عميقة من الحرمان والعزلة والطرد من العالم. تَشرَّبَ السوريون، ومعهم بدرجات مختلفة ربما العراقيون والليبيون، أنهم ليسوا كالآخرين؛ أنهم حبيسو واقع وقصة شنيعتين، ومصدرٌ دائمٌ للصور التي تصدم العالم عن وحشية الحكام وما يفعلونه بمحكوميهم، وسكانُ حياة مادية تعمل بقواعد مختلفة، قد لا تكون تماماً أفقر من غيرها بالضرورة، لكنها قطعاً أكثر محدودية. لقد عاشوا زمناً طويلاً وهم يرون «الأشياء العادية» مُتاحة للجميع عداهم. ولم يكن السبب دائماً افتقارَهم إلى ثمنها. كثيرٌ منها كان غائباً أو ممنوعاً أو معطلاً، وما تَوفَّرَ منها مرَّ عبر المحسوبية والفساد والقرب من السلطة.
كانت أولُ خبرةٍ لي مع ذلك مع بدايات انتشار الكمبيوتر والإنترنت في سوريا في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية. كان السوريون المهتمّون يتعرّفون على البرمجيات وإمكانات الاتصال، ثم يكتشفون أن الأهم والأبرز منها لا يعمل في بلدهم، أو أن الحصولَ عليه يحتاج إلى القرصنة أو القبول بفاعلية منقوصة، أو إلى رحلة إلى لبنان في حال المحترفين منهم، فضلاً عن رداءة الشبكة وشروط استخدامها. ولهذا، أعتقد، وفي حين كان عالم التقنية آنذاك أقرب إلى التشاركية والمصادر المفتوحة وعوالم «الويكي»، مالَ أغلب مولعي التقنية ودارسيها السوريين ممن عرفتهم إلى نيوليبرالية شرسة وكراهية عميقة لـ«الاشتراكية». كانت «الاشتراكية» في خبرتهم اسماً للعُزلة والرداءة، والاضطرار إلى بلد مجاور – يشيع أنهم لا يحترمون فيه إلا «الانفتاح الاقتصادي» وسهولة الاستهلاك – من أجل إنجاز عمليات بسيطة لا تُشكِّل عبئاً في حياة الآخرين.
يُفسِّر هذا جانباً من الاحتفاء الرسمي والإعلامي بإتاحة استخدام بطاقات «فيزا» في سوريا. ثمة فرحة مفهومة برفع العقوبات وبإمكان الانفتاح الاقتصادي، لكن البطاقة تحمل معنىً يتجاوز الدفع. تَعِدُ السوري بأن تقنية مألوفة ومتاحة للجميع لن تتوقف بعد اليوم عند الحدود السورية. الردُّ بأن الغالبية لا تملك ما يكفي لفتح حساب مصرفي صحيحٌ اقتصادياً، ولا يصل إلى قلب الإحساس: انتهاء حالة الاستثناء والاغتراب عن المعاصرة، أو عن وعدها على الأقل. وهذا ما يمنح «حداثة الأشياء»، بتعبير قديم لياسين الحاج صالح، طاقتها السياسية. البوليفاردية هي الربط الحتمي بين الخروج من الرداءة وانتهاء الطرد من العالم والسوق حصراً، وبين المُعاصَرة والاستهلاك فقط، وبين العمران والأبراج والكومباوندات والمولات والبوليفاردات، وبين الكهرباء وإلغاء الدعم. تستولي البوليفاردية على ترجمة التوق، وتَعرِضُ صورةً ملموسةً للحياة بعد الخراب، في وقت لا يكاد يوجد فيه تَخيُّلٌ لترجمة مغايرة لهذا التوق، عدا السخرية المريرة من بوليفاردية السلطة أو تقريع من يتعشّمُ فيها خيراً ما.
يُمكن للشخص نفسه أن يحتفيَ ببطاقة «فيزا» ويحتجَّ على سعر المازوت. ولعلَّ في ذلك تناقضاً ومغالطةً بالمعنى الحسابي والمادي فعلاً، لكن آخر ما ينفعُ هذا الشخص هو مناضلٌ يساريٌ يوبّخه على وعيه الزائف. يعرض الوعدُ الحاكمُ على الجميع حياةَ المستهلك الحديث، ويبدأ بناءها بتحميل الأكثرية كلفتها. التوبيخ لا ينفع؛ والاحتجاج يكشف حدود احتمال هذه الكلفة، من دون أن يُنتِجَ تلقائياً صورة أخرى للمستقبل.
تستحق مركزيةُ الاحتجاج في المخيال السياسي السوري قدراً من التفكير والنقد. فنتيجةً للثورة وظروف زمنها، تبدو السياسةُ أحياناً وكأنها تبدأ فقط حين ينزل الناس إلى الشارع. يُحمَّلُ الاحتجاجُ أكثر مما يحتمل، ويُنتظَر منه أن يكون تعبيراً وتنظيماً وبرنامجاً وقيادةً في الوقت نفسه. يستطيع الاحتجاج وقفَ قرارٍ أو فرض تراجع جزئي، لكنه لا يُجيب وحده عن كيفية تمويل الكهرباء، أو شكل الدعم، أو علاقة الأجور بالأسعار، أو أولويات إعادة الإعمار. تبقى قبله وبعده مساحاتُ السياسة الأقلُّ إثارةً والأطول نفساً: إنتاج الأفكار واللغة، والعلاقات بين المصالح، وبناء التنظيم، وصياغة البدائل، وأيضاً تَفحُّص موازين القوى واحتمالاتها.
عرفَ العالمُ فترات كثيرةً من «القرارات الصعبة» من النوع الذي تَحدَّثَ عنه الشرع، من أوروبا الشرقية إلى أميركا اللاتينية وأفريقيا. ومن الاختزالية اليساروية جَمعُهَا كلها تحت عنوان الفشل والاحتفال سلفاً بصحة التنبؤ. حقَّقت بعض تلك التجارب نمواً أو استقراراً أو تحديثاً في قطاعات مُحدَّدة. وفي جُلِّها ميلٌ واضحٌ إلى أن تفقد «الفترة الصعبة» حدودها. التضحيات فورية ومُحدَّدة، أما الثمار فمُؤجَّلة وغامضة. وحين لا تصلُ، يكون التفسير أنّ الإصلاح لم يكتمل وأنّ مزيداً من الوقت والصدمة ضروريان، أو أنّ هناك أعداءً داخليين و/أو خارجيين يكيدون للمسيرة. الفترة الصعبة التي لا تضبطها السياسة لا تبقى فترة؛ تُصبِح نظاماً. يزداد هذا الاحتمال في بلد بلا مؤسسات تمثيلية فعّالة، ولا نقابات مستقلة، ولا نظامِ ضرائبَ وتعويضات اجتماعية يُوزِّع الخسائرَ. لا أحد يُحدِّد مدةَ الصدمة أو معيار نجاحها أو نصيب الفئات المختلفة من ثمارها. اليقينُ كلّه في التضحيات، فيما المنافع مُعلَّقة على المستقبل. هذا عدا أن تَعثُّر رحلة «القرارات الصعبة»، المُحتمَل جداً، يمكن أن يُحمَّل على ظروف وأعداء داخليين وخارجيين يجب التخلّصَ منهم لمواصلة رحلة المستقبل. إرهاب الدولة في أميركا اللاتينية قام على خطاب التخلُّص ممن يُعتبَرون أحجار عثرة أمام الرفاه الاقتصادي المستقبلي، ولم يقتصر على استهداف الأعداء السياسيين أو الوطنيين، قيمياً، فقط.
ولا يعني ذلك دفاعاً عن نظام الدعم، وخصوصاً السوري منه كما كان. كان دعماً أخرق وغير عادل في مواضع كثيرة، استفاد منه الأقوى وغطّى على انهيار الأجور وفتح أبواباً للهدرِ والتهريبِ وأشنعِ أشكال اقتصاد المحاسيب. غير أن إلغاء آلية سيئة لا يُعفي الدولة من الوظيفة التي كانت تؤديها، ولو بصورة رديئة. عندما يُرفَع الدعم قبل بناء الأجور والبدائل وشبكات الحماية والنقل العام، تنتقل المخاطر كاملةً من الدولة إلى الأُسَر. ولا يحتاج ذلك إلى نقاش حول الاشتراكية. أعادت الولايات المتحدة وحلفاؤها بناء اقتصاداتهم بعد الحرب العالمية الثانية بالإنفاق العام والحماية والتخطيط وضبط حركة رأس المال والاستثمار في السكن والتعليم والصحة والبنية التحتية. فعلت ذلك كتلةٌ معاديةٌ للشيوعية، وجعلت توسيعَ الطبقة الوسطى هدفاً اقتصادياً وسياسياً، لأنها كانت تعرف أنّ السوق لا تُعيد بناءَ مجتمعٍ محطمٍ من تلقاء نفسها، وأنّ ترك الكلفة للأضعف يُبدِّد شروط الاستقرار والازدهار.
الثنائيةُ التي قدمها وزير الطاقة – أسعار مُحرَّرة وكهرباءُ أكثر، أو دعمٌ وساعتان من التغذية كما في عهد النظام البائد – يجب أن تُرفَض لأنها تمحو مجال السجال السياسي حول الاقتصاد المُعاش: الضرائب، وشرائح الاستهلاك، ودعم الحد الأساسي، وتسعير الاستخدام الترفيّ والتجاري، ورفع الأجور، ومكافحة الفاقد والفساد، وتوزيع كلفة إعادة التأهيل بين السكان والدولة ورأس المال. لا يستطيع بلد مُدمَّر وخارج من حرب طويلة أن يتحمَّل ترفَ دولةٍ تتصرف كأن الكهرباء والتدفئة والنقل مسائل تعاقدية خاصة بين أفراد متساوين في سوقٍ غير موجود.
ومسؤولية الدولة الاجتماعية لن تأتي من حُسن النية أو مناشدة المسؤولين. تحتاج إلى تنشيط السياسة حول الأفكار والمصالح والخيال والتنظيم والضغط. وانتظارُ قانون للأحزاب لا يُقدِّم مخرجاً. القانونُ ضروريٌّ، لكنه لن يخلق السياسة من العدم. الدولة، وخصوصاً دولةٌ شديدةُ المركزية تُعيد توزيع الثروة والملكية والفرص وتبني حولها اقتصاد محاسيب جديداً، لا تُنتِجُ معارضتها. وإذا انتظرت السياسة إذنَ السلطة كي تبدأ، فقد يأتي الترخيص بعد أن تكون الخيارات الكبرى قد حُسمت، والأصول قد توزّعت، والمصالح الجديدة قد استقرت.
يحتاج التوقُ السوري لحياةٍ تُعاش إلى خيال سياسي يأخذه بجدية، ويتكلم بلغته ومن داخل أحاسيسه؛ إلى خيالٍ حنون مع هذا التوق قبل كل شيء. خيالٌ سياسيٌّ لا يطلب من الناس التواضع في رغباتهم أو القبول بحياة أقلَّ رفاهية وجمالاً، ويتبنّى رغبتهم في حياةٍ تستحق أن تُعاش، مادياً ومعنوياً – تطلُّعهم إلى «الكرامة» – ويمنحها شكلاً قابلاً للتعميم، أكثر عدالة ومساواة واستدامة. عندها يمكن أن تصبح ضفةٌ خضراءُ مفتوحةٌ على الفرات، ونقلٌ عام فعّال، وشوارع مُظلَّلة، ومكتبات ومسابح وحدائق عامة، علاماتٍ على المعاصرة تُساجِل صور المول والبرج وسيارة التاهو المُولَّدة بالذكاء الصنعي. الاحتجاج يضع حداً لما لا يحتملُه الناس، أما السياسة فيجب أن تُمكِّنهم من تَخيُّل ما يريدون أن يعيشوه، وأن تقنعهم بأهميته وجدواه واستدامته. لا ينكسر احتكار البوليفاردية للمستقبل بمجرد فضح كلفتها؛ يحتاج كسره إلى تَخيُّل مغاير للمستقبل، لا يطلب من السوريين التخليَ عن توقهم إلى الخروج من عالم الحرمان والعزلة، ولا يعرض عليهم طريقاً بلا نهاية تحت اسم «الفترة الصعبة».
-