أربعة انفجارات في مخازن عسكريّة سوريّة خلال شهر، و16 حادثاً مشابهاً منذ سقوط بشّار الأسد. من سرمدا في محافظة إدلب، مروراً بمنطقة عياش بمحافظة دير الزور، وصولاً إلى العيس في محافظة حلب، تتكرّر النيران فيما تغيب نتائج التحقيقات.
الذخائر القديمة وسوء التخزين يقدّمان تفسيراً جاهزاً، لكنّ تواتر الانفجارات واتّساع خريطتها يفتحان باباً أخطر: هل تتعرّض ترسانة سوريا لعملية تفكيك صامتة، فيما تتنافس القوى الخارجيّة على هويّة الجيش الجديد وترفض إسرائيل أن تتولّى تركيا بناء قوّته؟
فجر 21 أيلول، دوّت انفجارات متتالية في موقع للجيش قرب بلدة العيس جنوب حلب. وقالت وزارة الدفاع إنّها لم تسفر عن خسائر بشريّة واقتصرت أضرارها على المادّيّات. في المقابل، أفادت وزارة الطوارئ بإصابة أربعة مدنيّين في المحيط. وانتشرت الشرطة العسكريّة، وبدأت وحدات الهندسة تأمين الموقع. ولم يُعلن سبب الانفجار.
تكشف مصادر “أساس” أنّ طائرات مجهولة حلّقت بصورة متكرّرة فوق منطقة العيس خلال الأيّام الثلاثة التي سبقت الانفجار. ولم يُحسم ما إذا كان ما حصل ناتجاً عن استهداف جوّيّ لم يُرصد بوضوح، أو عن عمليّة تخريب نُفّذت من داخل الموقع بعد مراقبته وجمع المعلومات عنه.
لم تكن العيس حادثاً منفرداً. ففي 19 أيلول الجاري انفجر مستودع داخل ثكنة عياش غرب دير الزور، مُوقعاً قتلى وجرحى من عناصر وزارة الدفاع. وقبل ذلك، في 9 أيلول، انفجر مستودع مؤقّت للأسلحة ولمخلّفات الحرب قرب سرمدا في إدلب، فقتل 14 شخصاً وأصاب 11 آخرين. ويفيد مصدر مطّلع أنّ تواتر الحوادث لا يثبت وحده وجود يد خارجيّة، لكنّه يمنع التعامل مع كلّ انفجار بوصفه حادثاً منفصلاً.
لماذا إسرائيل؟
لا يأتي الاشتباه بإسرائيل من فراغ. فمنذ سقوط النظام، اعتمدت تل أبيب سياسة معلنة لمنع تشكّل قوّة عسكريّة سوريّة يمكن أن تهدّدها. قصفت طائرات حربيّة إسرائيليّة مستودعات وقواعد ومنظومات عسكريّة، وطالب رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو بنزع السلاح من جنوب سوريا. وفي 18 آب شنّت الدولة العبريّة ثماني غارات على قاعدة أبو الظهور في ريف إدلب، مستهدفة المدرج ومنشآت التخزين، بعدما اعترضت على احتمال وجود عسكريّ تركيّ فيها.
أثبتت إسرائيل قدرتها على تنفيذ عمليّات داخل العمق السوريّ تتجاوز الغارات. ففي كانون الثاني من سنة 2025، أقرّ جيشها بأنّ قوّةً خاصّةً نفّذت في أيلول من عام 2024 عمليّة برّيّة في مصياف بالريف الغربيّ لمحافظة حماة ودمّرت مصنعاً تحت الأرض كان يُنتج الصواريخ الدقيقة. كان الموقع مراقباً منذ سنوات، ووصل نحو مئة جنديّ إسرائيليّ إليه بمساندة جوّيّة. أي إنّ بنك الأهداف الإسرائيليّ يعتمد على معلومات بشريّة وقدرة فعليّة على الوصول إلى داخل المواقع.
تزداد الشبهة بإسرائيل، بحسب مصدر مطّلع، مع الكشف أنّ رئيس الموساد رومان غوفمان اتّصل بوزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني في 14 آب الماضي، وبحث معه الوجود العسكريّ التركيّ، وذلك قبل أيّام من الإغارة على مطار أبو الظهور. الاتّصال لا يثبت علاقة الموساد بانفجارات أيلول الحاليّ، لكنّه يؤكّد أنّ إسرائيل تراقب بدقّة مسار بناء الجيش السوريّ وتحالفاته.
هديّة ترامب غير المكتملة
بالتزامن مع احتراق المخازن القديمة، تقدّمت واشنطن خطوة سياسيّة جديدة نحو دمشق. ففي 24 آب الماضي ألغت إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تصنيف سوريا كدولةٍ راعيةٍ للإرهاب. وقد أزال القرار القيود المرتبطة بهذا التصنيف، وبينها موانع قانونيّة على بعض أشكال المساعدة والتمويل العسكريّ الأجنبيّ.
لكنّ الهديّة الأميركيّة لم تكتمل. فسوريا ما تزال مدرجة على لوائح تصدير السلاح الأميركيّة ضمن الدول الخاضعة لـ”سياسة الرفض”، ما يعني أنّ مبيعات الأسلحة والخدمات الدفاعيّة الأميركيّة لا تزال محظورة بموجب قيود منفصلة. وإلى الآن، لم تُبرم صفقة ولم تحصل دمشق على أيّ تمويل عسكريّ، بل أزالت واشنطن عائقاً من العوائق من دون أن تفتح الباب النهائيّ.
توقيت الخطوة ليس تفصيلاً. فقد جاءت عشيّة وصول الشرع إلى نيويورك، بما يجعلها هديّة سياسيّة ورسالة تفاوضيّة معاً. ويمكن لرفع الحظر الباقي لاحقاً أن يصبح أداة أميركيّة للتأثير في بنية الجيش السوريّ، ومنع اعتماد دمشق بالكامل على تركيا أو روسيا، مقابل ضمانات تتّصل بهويّة السلاح ووجهته.
هكذا تظهر أشكال الصراع على سوريا:
ـ روسيا أعادت في 7 أيلول الماضي تزويد منشآتها في طرطوس وحميميم، للمرّة الأولى منذ اتّفاقها في 15 تشرين الأوّل عام 2025 مع دمشق في زمن الرئيس أحمد الشرع.
ـ تركيا تسعى إلى التدريب والتسليح وتوسيع حضورها في القواعد العسكريّة داخل سوريا.
ـ الولايات المتّحدة الأميركيّة تزيل القيود على مراحل عن سوريا.
ـ إسرائيل تضرب المنشآت العسكريّة كلّما رأت أنّ قوّة منافسة ستدخل المجال السوريّ.
المعركة إذاً ليست على ما بقي من ترسانة سوريا فقط، بل على الجهة التي ستتولّى بناء ترسانتها المقبلة.
أين يبدأ الدليل؟
يشرح خبير عسكريّ لـ”أساس” أنّه حتّى الآن، لا يوجد دليل حسّيّ وعلنيّ يثبت أنّ الموساد فجّر مخازن سرمدا أو عياش أو العيس. في المقابل، لم تعلن دمشق عن العثور على عبوات أو عن توقيف خلايا، ولم تتبنَّ إسرائيل هذه العمليّات. كما أنّ طبيعة مستودعات الذخيرة تجعل الانفجارات احتمالاً قائماً: فقد يؤدّي حريق محدود أو انفجار ذخائر غير مستقرّة (تغيّرت خواصّها الكيميائيّة أو الفيزيائيّة) إلى إشعال موادّ أخرى، فتتوالى الانفجارات وتستمرّ النيران لساعات.
إثبات التخريب، في المستودعات التي انفجرت بسوريا، يحتاج إلى: تحديد لحظة بدء الحرائق، البحث عن آثار متفجّرات غريبة، مراجعة سجلّات الدخول والخروج والكاميرات، ومقارنة التوقيت والأهداف بين المواقع. وبعد أربعة انفجارات في شهر و16 حادثاً أمنيّاً آخر منذ سقوط النظام، بات جمع هذه الحوادث في ملفّ تقنيّ واحد ضروريّاً لمعرفة ما إذا كانت أسبابها متشابهة أم منفصلة.
حتّى الآن التحقيق جارٍ، ولا يمكن استباق نتائجه. لكنّ الانفجارات لا يُمكن فصلها عن القلق الإسرائيليّ المعلن من إعادة بناء الجيش السوريّ، بعدما تحدّثت تقارير إسرائيليّة عن مخاوف أمنيّة من مساعي الرئيس أحمد الشرع إلى تقويته وتحديثه. وفي ظلّ هذا الخوف، لا تغيب إسرائيل عن دائرة الاشتباه، ولا يُستبعد نشوب “حرب صامتة” مستمرة تستهدف السلاح السوريّ قبل أن يتحوّل إلى قوّة تحمي الدولة.
