صادق عبد الرحمن. كاتب
كتبتُ في العام 2020 مقالاً بعنوان «دفاعاً عن سوريا التي لنا»، قلتُ فيه إن سوريا ليست مُلكاً للسلالة الأسدية، وإن إنكار سوريا كلها في سياق معارضة نظام الأسد مَسلكٌ سياسيٌ غير صائب. يمكن اعتبار هذا المقال استئنافاً واجباً للطرح نفسه بعد سقوط النظام السابق.
كان سقوط نظام الأسد ممراً ضرورياً للخروج من استعصاء كان يبدو بلا نهاية، وقد عبرت سوريا هذا الممر الدامي في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي 2024، ثم وجد السوريون أنفسهم مجدداً وسريعاً في مواجهة استعصاء جديد يبدو بلا نهاية. لكنه ليس بلا نهاية، بالتأكيد.
استحوذَ على السلطة بعد سقوط الأسد تحالفٌ هشٌّ من فصائل إسلامية تقودها هيئة تحرير الشام قاعدية المنشأ، ودخلنا مساراً جديداً من العنف والمجازر الطائفية واستمرار التحلل الوطني العام، تحاول السلطة أن تديره وتتحكم به لصالح الاستئثار بكل مفاصل الحكم والدولة، مَدعومةً بتيار شعبي عريض في الأوساط السُنّية يؤيدها ولا يَلحظُ أنها تسعى للاستئثار بالحكم والموارد، أو أنه لا يرى مشكلة في هذا الاستئثار أصلاً بل قد يعتبره ضرورة لمواجهة التحديات الراهنة.
بالمقابل تتنوع أدوات وخطابات السوريين الرافضين لهذا الاستئثار، بين من يرى ضرورة مقاومته عبر الانخراط الفعّال في جهود بناء الدولة التي أعلنتها السلطة بدعم وشراكة من قوى إقليمية ودولية، ومن يرى أنه لا سبيل لإفشال هذه الاستئثار بغير الرفض الجذري لهذه السلطة والعمل على إسقاطها بكل الوسائل الممكنة. بين الموقفين، يتدرّجُ طيفٌ واسعٌ من المواقف والخطابات والرؤى المُتنازعة.
في السويداء، دون غيرها حتى الآن، أنتجت المجازر التي ارتكبتها فصائل السلطة ومجموعات مسلحة عشائرية محسوبة عليها تَصلّباً واتساعاً شعبياً لموقف لا يكتفي برفض السلطة والدعوة لإسقاطها، بل يرى أن المَخرَجَ الوحيد من الوضع الراهن هو «حلّ الرابطة الوطنية السورية»، أو خروج الدروز منها وتأسيس كيانهم السياسي المستقل في السويداء. ولا يعني هذا أن الموقف الداعي لتجاوز الوطنية السورية وتقسيم البلد يقتصر على دروز، بل ثمة مواقف لسوريين من منابت طائفية متنوعة يتفقون مع هذا الطرح، لكن القصد أن هذا الطرح لا يستقطب حتى الآن تياراً شعبياً إلّا في السويداء، وربما في أوساط كُردية، غير أن القوى السياسية الكُردية الفاعلة حتى الآن ما تزال تتبنى طرحاً يتحدث عن دولة سورية واحدة بتصورات لا مركزية. لكن مَعركةً مُحتمَلةً بين فصائل السلطة وقسد، وأي مجازر قد تحدث في سياقها، ستدفعُ هذا التوجه إلى الأمام في الأوساط الكردية.
عند العلويين تتصلّبُ أيضاً قطيعة نفسية وسياسية مع «سوريا»، فاقمت منها مجازر آذار (مارس) الماضي لكنها لا تجد تعبيرات سياسية متماسكة عنها، يتصاعد حضورها مع تصاعد الانتهاكات الطائفية والتهميش والإقصاء والحرمان من موارد العيش، ويتراجُع مع تَراجُع هذه السلوكيات والسياسات. والخلاصة أنه عند الدروز والكُرد والعلويين، وعند عموم السوريين على تنوعهم، فإن سلوكَ السلطة ونهجها هو ما يمكن أن يدفع نحو تَصلُّب طروحات التقسيم واتّساعها، أو يمكن أن يدفع نحو تراجعها.
عند السلطة وأنصارها، وعند قسم من «معارضيها» الذين يرون أن «النضال من داخل مشروع بناء الدولة» هو الطريق الصحيح لمقاومة الاستبداد، يأتي الرد على طروحات التقسيم بالدفاع عن وحدة سوريا ومركزيتها، بينما يقتصر قبولهم بالتخلي عن المركزية على طروحات اللامركزية الإدارية العمومية، دون الطروحات الاتحادية «الفيدرالية»، وحتى دون طروحات اللامركزية السياسية التي تمنح الأقاليم حقَّ التعبير السياسي عن نفسها.
يفترض هذا الطرح أعلاه ضمنياً وجودَ «رابطة وطنية سورية» ينبغي الدفاع عنها، بينما يفترض طَرحُ دُعاة التقسيم وجودَ «رابطة وطنية سورية» ينبغي حَلُّها أو أنه لا وجود لرابطة كهذه ولا إمكانية لقيامها أصلاً، بينما يفترض الطرح الذي أحاول الدفاع عنه وجودَ نوعٍ من «رابطة وطنية سورية» رثّة وضعيفة وإقصائية ينبغي إعادة بنائها على أُسس جديدة، وهو ما سأحاول الدفاع عنه باقتضاب في الأسطر التالية.
بالنظر إلى مُجمل تاريخ سوريا منذ مطلع القرن الماضي، فإنه ليس صحيحاً أن هناك رابطة وطنية سورية مُكتملة كانت أساساً للحكم والدولة وسياستها، بل الأصحّ أن «الوطنية السورية» طَرحٌ جديدٌ لم نعرفه بهذه التسمية قبل مطلع هذا القرن في سياق ربيع دمشق، على ما يشرح ياسين الحاج صالح بتفصيل يُغني عن التكرار في مقال كتبه مؤخراً بعنوان «الوطنية السورية وبدائلها».
لكن إذا حاولنا رغم ذلك أن نرسم معالم لما يمكن اعتباره «رابطة وطنية سورية» كما عاشها السوريون منذ الاستقلال، فإنها تَصَورٌ لشعب واحد منصهر بلا تمايزات ملحوظة في الفضاء العام، يعيش في دولة شديدة المركزية تتم إدارة حياة أهلها جميعاً من العاصمة، وتُقصي كل التعبيرات السياسية المحلية وتعتبرها خيانة يجب قمعها، يَحتلُّ الإسلام بنسخته السُنّية وتَحتلُّ العروبة بنسختها القومية الوحدوية جميع مساحاتها الرمزية والثقافية، وتُحكَمُ عبر إدارة تناقضاتها الطائفية والإثنية في الخفاء من تحت الطاولة، ثم طوال نصف قرن من حكم الأسدين عبر توظيف هذه التناقضات حصراً لصالح استقرار السلطة المركزية وإمساكها بالحُكم، والاعتماد في قيادة وتكوين أجهزتها الأمنية والعسكرية على منحدرين من طائفة أكثر من غيرها (كانت هذه الطائفة هي العلوية عند الأسديين، وتَنقلُ السلطة الحالية هذا «الامتياز» إلى منحدرين من الأوساط السُنّية على نحو أكثر علنية وشمولاً). وبالفعل، بالكاد تستحق «رابطةٌ» بهذه المعالم أن تحمل وصف «الوطنية» في اسمها، لكن مع ذلك عاش السوريون معاً في ظلها عقوداً وأنتجوا نوعاً من «وطنية سورية يومية» عبّرت عن نفسها مراراً رغم هشاشتها الشديدة.
لقد تحطمت هذه النسخة من «الرابطة الوطنية السورية»، إن صحَّ إطلاقُ هذا الوصف عليها، بعنف دموي جرّاء رد النظام السابق المُدمِّر على ثورة 2011، ولا فائدة من محاولة إعادة إنتاجها مجدداً على يد السلطة الحالية: إن نجحت هذه المحاولة في بناء دولة مستقرة فإنها ستكون دولة استبداد جديد مفخخة باحتمالات الاحتراب الأهلي في كل وقت، وإن فشلت وهذا هو الأرجح فإن فشلها سيأتي في سياق من مجازر ومعارك أهلية متنقلة، وهذه الأخيرة هي التي قد تقود إلى تقسيم البلد في النهاية. هكذا يصير التصور الوحدوي الاستبعادي «للوطنية السورية» هو المعبرَ إلى التقسيم بدل أن يكون معبراً إلى الوحدة كما يتصور أصحابه، ويصير هو الرافعة الفعلية لانحلال «الرابطة الوطنية السورية».
أَقترحُ هنا أن تفادي التقسيم، أو تفادي استمرار التحلّل الوطني إلى كيانات متنازعة لا يعترف أحدٌ باستقلالها، لا يكون بغير تصور اتحادي لرابطة وطنية سورية جديدة يحلُّ محلَ التصور الوحدوي الإدماجي، ويعترف بالتمايزات الأهلية والمناطقية والطائفية والإثنية ويمنحها حق التعبير عن نفسها سياسياً وإدارياً على حد سواء، ويقرّ بأن ليس هناك سردية وطنية واحدة جامعة لتاريخ الوطن السوري وحاضره، بل سرديات متنوعة يجب إفساح المجال أمامها للتعبير عن نفسها في إطار وطني جديد مُبتكَر، يستفيد من تجارب مشابهة متعددة لدول لا مركزية بالغة التنوع.
ولا يطرح هذا التصوّر حلاً لتنوع سوريا الطائفي والإثني فقط، بل هو حل لسائر التناقضات المرشحة للانفجار كلما طال أمد الفشل السياسي والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. فأبناء «المكونات السورية» ليسوا موحدين بالقدر الذي تَفترضه مقولات «سنّة» في مواجهة «أقليات»، كما أن سنوات الحرب السورية، التي دفعت الأريافُ وأحزمةُ الفقر السُنّية في المدن أثمانها الأكبر منذ أواخر 2011 حتى سقوط الأسد في 2024، هي السببُ الأبرز وإن لم يكن الوحيد لما يبدو من «التفاف سُنّي» حول السلطة الحالية، لكن هذا لا يعني أن سُنّة سوريا باتوا طائفة موحدة المصالح والرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن ما يبدو من «وحدة سُنّية» ليس إلا نتيجة ظرف استثنائي خلقه سقوط النظام السابق، وثمة تناقضات وتنويعات اجتماعية ومناطقية سُنّية لا يبدو حَلُّها ممكناً بغير لا مركزية واسعة النطاق تستجيب لهذه التنويعات والتناقضات.
ما أَقترحُهُ هنا ليس اختراعاً لم يعرفه التاريخ من قبل، بل يمكن النظر إلى أمثلة عنه في أنحاء العالم، وهو لا يعني بالضرورة «فيدرالية» تقليدية بين دول شبه مستقلة وصافية طائفياً وإثنياً، بل ثمة خيارات أخرى واسعة من أنماط اللامركزية الإدارية والسياسية، يبدأ السعيُ نحوها بالقبول المبدئي بالتصور الاتحادي للرابطة الوطنية، الذي يرى في السوريين والسوريات أفراداً متساوين تأسيسياً في الحقوق القانونية والسياسية، وفي الوقت نفسه «شعوباً وجماعات متمايزة» متساوية بدورها تأسيسياً، يجمعها أكثر بكثير مما يفرّقها ويمكن أن تعيش معاً في كيان سياسي واحد جمهوري وديمقراطي ولا مركزي.
توحيد سوريا في نظام مركزي تحت سلطة إسلامية عربية سُنّية محاولةٌ مستحيلة على الأرجح، وأيُّ نجاح لها بالحديد والنار سيكون نجاحاً دموياً ومؤقتاً بلا شكّ، وكذلك فإن تقسيم سوريا إلى دول مستقلة لطوائفها وإثنياتها محاولةٌ مستحيلة على الأرجح، وهو بالنظر إلى التَداخُل السكاني الواسع يحتاج مجازر وضربات تهجير متبادل كارثية، وبعد ذلك فإن نجاحه لا يعني بالضرورة نهضةً ولا حقناً لدماء سكّان الكيانات الناشئة.
لدينا طريقٌ آخر، وهو إن بدا مستحيلاً بدوره فإنه محاولةٌ تستحق العمل لأجلها، وقد يُقال عن حق إنه يحتاج سنوات طويلة من العمل والصراعات، ولكن من قال إن الطريقين الآخرين يحتاجان وقتاً أقل أو صراعات أقل؟!
تستحق سوريا أن نُدافع عنها عبر إعادة اختراعها، وهي لا تحتاج اختراعها من العدم، بل من تاريخ حافل بالنضالات والتضحيات والآلام طوال أكثر من قرن منذ انهيار السلطنة العثمانية. هي أيضاً لا تحتاج اختراعها بلا سياق، بل في سياق النضال ضد السلطة الحالية وأي سلطة غيرها تسعى للاستئثار بالحُكْم والموارد، وفي سياق الدفاع عن عيش أفضل وآفاق أكثر انفتاحاً للسوريين جميعاً. وقد نختلف كثيراً أو قليلاً على أدوات هذا النضال وخطابه وتموضعه في كل لحظة سياسية، لكننا نحتاج توافقاً مبدئياً على وجهته أولاً.
المصدر الجمهورية .نت