ملخص
يشكل كتاب “أنقذتني الكتابة” (دار محمد علي – تونس 2025) للروائية والصحافية التونسية آمال مختار، خطوة في الأدب النسوي العربي المنفتح على الذات والذي يواجه التحديات التي تعيشها المرأة العربية إزاء سلطة المجتمع، المتعددة الوجوه.
ليس الكتاب مجرد سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل محاولة شجاعة لتفكيك تجربة حياة امرأة صادقة تواجه مجتمعاً ذكورياً، تتقاطع فيه الحرية الشخصية مع تحديات الواقع الاجتماعي والثقافي. العنوان نفسه يثير فضول القارئ منذ الوهلة الأولى، ممّ أنقذت الكتابة صاحبتها؟ وما القوة التي تمنحها للذات في مواجهة ضغوط الحياة؟
ما يميز هذا العمل أنه يحتفل بالكتابة كفعل مقاومة ونجاة، ويقدم تجربة الإنسان في مواجهته للذات والآخر، فيختلط الحضور والغياب والصلابة والهشاشة والحرية والالتزام الاجتماعي. والكتابة هنا ليست مجرد وصف للحياة أو سرد للتجارب اليومية، بل إنها حفر في الأعماق القصية للنفس البشرية، محاولة للكشف عن الذات في توازنها الدائم بين القوة والضعف، وفي صراعها مع مجتمع يفرض قيوده على المرأة منذ الصغر تحت عنوان الشرف والفضيلة.
الكتابة كحرية وحياة موازية
يبرز الكتاب منذ بدايته فكرة أن الكتابة حياة موازية، لا بديلاً عن الحياة الواقعية، بل مساحة متكاملة تمنح الإنسان فرصة للحرية والمتعة. تقول الكاتبة “الكتابة حياة أخرى موازية للحياة التي أعيشها… إنها الحياة التي توفر لي أهم ما يرغب فيه الإنسان: الحرية والمتعة”. وهذه المقاربة تعطي الكتاب صفة فلسفية تتجاوز السيرة التقليدية، إذ تجعل من القلم مساحة للنجاة النفسية والتأمل الوجودي.
ويتيح هذا التوازي بين حياتين للكاتبة فهماً أعمق للذات، سواء في هويتها الفردية أو الجندرية. فالوعي بالذات، في هذه السيرة، يتأسس على علاقة مع الرجل، كما يتضح من نص الإهداء (إلى والدي، إلى زوجي، إلى ابني)، مثلّث يرمز إلى الزمن والمراحل الأساسية للحياة، الماضي والحاضر والمستقبل. واللحظة المفصلية تحدث عندما يكون الأب حاضراً وغائباً في آنٍ واحد، عندما يدخل الأب في غيبوبة فتكتب آمال مختار “أنهض. أقبل جبينه، وأهمس: أبي هل سمعتني؟ هل تسمعني؟”. وهذا المزيج بين الحضور والغياب يشكل صلب التجربة، ويصبح محور الصراع الداخلي الذي ينطلق منه كل السرد اللاحق.
من هنا، تتضح وظيفة الكتابة كمساحة للحرية الفردية، الكتابة ليست هروباً، بل امتداداً للذات، وسبيلاً لفهم النفس في علاقتها بالمجتمع وبالآخر، ووسيلة لمساءلة الذات حول الحرية والمسؤولية.
الصراع الداخلي والجسد
تتجذر تجربة آمال مختار في الصراع النفسي مع الآخر عبر الجسد والتجارب المبكرة للتحرش والاغتصاب التي تشكل أساساً لفهم العلاقة المعقدة بين المرأة والمجتمع. وترى الكاتبة الرجل في صورتين متناقضتين، الأمان والخطر والرعاية والتحكم، وتصف هذا التذبذب الداخلي “كل واحدة منا كانت مهددة بمجرد كونها أنثى… كانت تجلس على كرسي هزاز داخلي لا يستقر”. والجسد هنا ليس مجرد كيان بيولوجي، بل إنه محور الصراع النفسي والاجتماعي، وساحة لمقاومة الثقافة الذكورية التي تختزل المرأة في جسدها وتفرض عليها قواعد الشرف والفضيلة.
من هذا الصراع تنبثق الحاجة إلى الكتابة كأداة مقاومة ونجاة “توضحت لي الرؤية وأدركت أن حلمي ليست له علاقة بحلم والدي، وأن الكتابة حلمي والطريق التي سأسير فيها”. في هذا الإطار، تصبح السيرة أكثر من مجرد سرد للأحداث، بل حفراً في الأعماق القصية للنفس الإنسانية، بين الصلابة والهشاشة وبين الحرية الشخصية ومتطلبات المجتمع.
والكتابة هنا تمنح القارئ فرصة الدخول إلى عالم داخلي معقد، حيث يصبح الألم وسيلة للتفكير والتحليل، والجراح مصدر قوة “لقد نجوتُ من براثن أنيابهم كما نجوت بإصراري على الكتابة لأن قلمي عصيّ على الكسر، ليس لأنني لم أصب، بل لأنهم لم ينجحوا في هدم ثقتي بنفسي”. بهذه العبارة تلخص العلاقة بين التجربة الشخصية والكتابة، وتبين كيف يمكن أن تتحول المعاناة إلى طاقة إبداعية.
بين الأمومة والكتابة
وتوضح آمال مختار في كتابها أن الأمومة ليست عائقاً أمام الإبداع، بل تجربة تحولية تزيد من وعي الذات وتعمق إدراكها للعالم “عندما مشيت في نفس ذلك الممرّ الضيق والمزدحم بالأشواك، ممر الأمومة الصعب، فهمت عندئذ الحكمة الإلهية التي تشرح لنا صدورنا وما غاب عنا فنتفهم الحياة ونراها بمنظار آخر”. والأمومة والكتابة معاً تشكلان صرحاً للتجربة الإنسانية، حيث يتحقق التوازن بين الالتزام الاجتماعي والتحرر الإبداعي، وبين الخوف من الضياع والقدرة على منح الحياة معنى.
والكتابة تصبح فعلاً تحررياً وتأملاً وجودياً، كما يظهر في الرمزية التي اختارتها الكاتبة للوقوف أمام المرآة “الخوف الحقيقي هو أن يضل المرء الطريق داخل نفسه”. وهذا التأمل يعكس الثنائية الأساسية للسيرة، الصلابة الظاهرة، ممثلة بالثقة بالنفس، والهشاشة الداخلية التي تكشف عن الحيرة والضياع الوجودي. وفي النهاية، يقدم الكتاب صوتاً صادقاً للمرأة، يجمع بين الخبرة الفردية والتحديات الاجتماعية، ويحول التجربة إلى مصدر للوعي والإلهام.
كتاب ” أنقذتني الكتابة” ليس صدفة، بل إنه تتويج لمسيرة طويلة من الإبداع والمقاومة والتجربة الشخصية. آمال مختار بدأت كتابتها الصحافية منذ عام 1984 في صحف ومجلات تونسية متعددة، وواصلت مسيرتها الأدبية عبر الرواية والقصة من ” نخب الحياة” (1993) إلى “الكرسي الهزاز” (2003) ومن ” لا تعشقي هذا الرجل” (2003) إلى “المايسترو” (2006) و”دخان القصر” (2013)وحفل الأشباح (2014).
ويأتي هذا الإصدار الجديد ليجمع بين الصمود الشخصي والوعي الاجتماعي، ويقدم تجربة إنسانية وفنية متكاملة، فتتحول الكتابة إلى ملجأ وملاذ، وتصبح السيرة شهادة على قدرة المرأة على مواجهة الصعوبات الاجتماعية والنفسية، وعلى أن الكتابة قادرة على تحويل الألم إلى قوة، والفقد إلى معرفة، والتجربة إلى مرشد للأجيال المقبلة. وصوت المرأة هنا يصبح رمزاً للحرية والإبداع بلا قيود، وشهادة حيّة على أن التعبير الصادق عن الذات هو فعل مقاومة ونجاة وإضاءة لطريق نحو الوعي الإنساني.