منذ تأسيسها، بُنيت القيم الإنسانية العالمية على تضحيات الشعوب التي قاومت الفاشية والاستبداد. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكل الاتفاقيات اللاحقة لم تكن مجرد نصوص، بل هي خلاصة دماء الأبرياء الذين سقطوا دفاعًا عن الحرية والعدالة. لذلك، فإن الأمم المتحدة، التي انبثقت من هذا الإرث التاريخي، مطالبة بأن تكون حامية لهذه المبادئ، لا منصة لشرعنة الطغاة. لكن منح منبرها لشخص مثل بزشكيان، الذي عيّنه خامنئي جلادًا بوجه جديد، يضع هذه المؤسسة أمام محكمة التاريخ.
الأمم المتحدة بين الرسالة والانحراف
إن حضور بزشكيان في الجمعية العامة لم يكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل استفزازًا للضمير الإنساني. فهو لا يمثل الشعب الإيراني بأي شكل، وإنما يجسد نظام ولاية الفقيه المتورط في إنتاج أسلحة الدمار الشامل، إشعال الحروب في المنطقة، تصدير الإرهاب، وقمع الشعب الإيراني بوحشية. إن السماح له بالظهور على منصة الأمم المتحدة هو بمثابة ختم بالموافقة على مجازر النظام، من مذبحة عام 1988 التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، إلى قتل مئات المتظاهرين في الانتفاضات الأخيرة.
لقد أظهرت محاكم نورمبرغ ورواندا ويوغوسلافيا أن لا جريمة تمر دون عقاب. فكيف يمكن لمن يمثل سلطة قائمة على الإرهاب والقتل أن يتحدث من منصة يفترض أن تكون رمزًا للعدالة والسلام؟ هذا تناقض صارخ يلطخ سمعة الأمم المتحدة ويشكك في التزامها بقيمها المؤسسة.
صوت المقاومة في نيويورك
في مقابل هذا المشهد المخزي، برز الوجه الأصيل لإيران في تظاهرات المقاومة الإيرانية. فقد احتشد آلاف الإيرانيين الأحرار أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك، رافعين شعارات ضد خامنئي وجلاديه، ومؤكدين أن بزشكيان لا يمثل الشعب، بل يمثل الطغيان. هذه التظاهرات جاءت امتدادًا لمظاهرة بروكسل الكبرى، حيث أعلن الإيرانيون أن مستقبل وطنهم لن يقرره لا الشاه ولا الملالي، ولا القوى الغربية المتبعة لسياسة الاسترضاء، بل سيصنعه الشعب نفسه ومقاومته المنظمة بقيادة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
هذه المشاهد الحاشدة في نيويورك وبروكسل أثبتت أن صوت الشعب الحقيقي يصل إلى المجتمع الدولي، مهما حاول النظام التستر خلف واجهات مزيفة. كما جسّدت رؤية المقاومة البديلة من خلال خطة السيدة مريم رجوي ذات النقاط العشر، التي تقدم مشروعًا ديمقراطيًا قائمًا على الحرية والمساواة وفصل الدين عن الدولة.
إيران المقاومة لا إيران الملالي
اليوم، يقف العالم أمام صورتين متناقضتين لإيران: الأولى يمثلها بزشكيان ونظام ولاية الفقيه، المعروف بالرهائن والإرهاب، والثانية تمثلها مقاومة منظمة قدّمت أكثر من 120 ألف شهيد في سبيل الحرية. هذه المقاومة لا تستمد مشروعيتها من الخارج، بل من دماء أبنائها وانتفاضات شبابها. إنها المقاومة التي تحولت إلى رمز لإيران الحقيقية: إيران الحرية، إيران المرأة المقاومة، إيران المستقبل.
إن القول بأن بزشكيان يمثل إيران هو تزوير للتاريخ. الحقيقة أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية هو الممثل الشرعي والوحيد الذي يجسد تطلعات الشعب الإيراني نحو الديمقراطية. الاعتراف بهذه المقاومة ليس مجرد خيار سياسي، بل واجب أخلاقي على كل القوى الحرة في العالم.
ولهذا، تبقى الحقيقة جلية: إيران تُعرف بمقاومتها، لا بحكامها. والمستقبل، كما رسمته السيدة مريم رجوي، سيكون مستقبلًا لدولة حرة، ديمقراطية، قائمة على المساواة وسيادة الشعب، بعيدًا عن الاستبداد الديني الذي يحاول بزشكيان تلميعه بوجه مزيف.