تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • الانهيار العالمي للذكاء الاصطناعي ما الذي سيبقى بعد انحسار الطفرة؟
  • مقالات رأي

الانهيار العالمي للذكاء الاصطناعي ما الذي سيبقى بعد انحسار الطفرة؟

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026 تمت قراءة 1 دقيقة

روشير شارما رئيس مجلس إدارة “روكفلر إنترناشونال” ومؤسس شركة “بريك آوت كابيتال”… اندبندنت عربية

ملخص

يندفع الاقتصاد العالمي نحو الاعتماد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي، فيما تغذي الاستثمارات الضخمة وأسعار الأسهم والديون طفرة قد تمثل أكبر فقاعة تكنولوجية شهدتها الأسواق حتى الآن. وقد يؤدي انفجارها إلى صدمة اقتصادية واسعة تمتد آثارها حول العالم، لكنه سيطيح بالشركات الأضعف ويترك وراءه قطاعاً أكثر كفاءة، فيما يتأخر الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي في الإنتاجية إلى ما بعد انحسار حمى الاستثمار والمضاربات.

لا يشك كُثر في أن الذكاء الاصطناعي من أكثر التقنيات التي أحدثت تحولاً عميقاً خلال القرن الماضي. وبمقاييس عدة، ينتشر بوتيرة أسرع وعلى نطاق أوسع من أي ابتكار ظهر منذ فجر الثورة الصناعية،  فقد شاع استخدام المحركات البخارية خلال القرن الـ19، والكهرباء مطلع القرن الـ20، لكن إمكاناتهما الكاملة لم تتحقق إلا بعد عقود، مع اكتمال شبكات السكك الحديد والطرق السريعة والكهرباء. ظهرت أجهزة الكمبيوتر المخصصة للأعمال في خمسينيات القرن الماضي، لكنها لم تمنح الاقتصاد دفعة ملموسة إلا بعدما ربطتها شبكة الإنترنت بعضها ببعض في التسعينيات.

أما الذكاء الاصطناعي التجاري، فظهر على الشاشات حول العالم بين ليلة وضحاها تقريباً، في وقت كانت الغالبية الساحقة من البشر تملك بالفعل إمكان الوصول إلى جهاز كمبيوتر أو هاتف ذكي، وبعد أقل من أربعة أعوام على إطلاق “تشات جي بي تي”، بات نحو 30 في المئة من الأميركيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي، وهي نسبة تعادل خمسة أضعاف نسبة الأميركيين الذين كانوا يستخدمون الهواتف الذكية أو الإنترنت أو الكهرباء، في مراحل مماثلة من تطور تلك التقنيات. كذلك تحقق شركات الذكاء الاصطناعي إيرادات تبلغ ثلاثة أضعاف ما حققته تقنيات رقمية سابقة، من بينها الإنترنت والحوسبة السحابية وتطبيقات الهواتف المحمولة، خلال أعوامها الأولى.

ويعوّل صناع السياسات والمستثمرون وقادة الأعمال على الذكاء الاصطناعي بوصفه علاجاً سحرياً لكل شيء، من الدين العام المتفاقم إلى الكُلف المرتبطة بشيخوخة السكان، وحتى بعض أنجح المستثمرين الذين بنوا ثرواتهم على مخالفة الرأي السائد، باتوا يتبنون فكرة أن الذكاء الاصطناعي قد يحقق فوائد أكبر، وبسرعة تفوق أي تقدم تكنولوجي سابق.

لكن هذه النشوة ليست عامة، إذ ترى قلة من المشككين، تزداد عزلة عن التيار السائد، أن صعود الذكاء الاصطناعي، وإن بدا سريعاً بصورة استثنائية، يتبع في الواقع مساراً عرفه العالم منذ قرون، فالثورات التكنولوجية الكبرى كثيراً ما أطلقت دورات حادة من الازدهار والانهيار. يتحمس الناس بصورة مفرطة للاختراق الجديد، ثم يبدؤون بالاستثمار من دون تمييز في الشركات التي تقود الابتكار، وفي عام 2018 توصل باحثون من “جامعة تكساس” التقنية وجامعة تكساس “إيه أند أم” وكلية “فليريك” للأعمال في بلجيكا إلى أن أبرز الابتكارات التكنولوجية الثورية خلال القرنين الماضيين، صاحبتها فقاعات كبيرة في الأسواق، ارتفعت خلالها أسعار الأسهم سريعاً قبل أن تهوي بصورة حادة.

قد توحي كلمة “فقاعة” بشيء واهٍ لا أساس له، لكن، كما كان الحال مع جميع فقاعات التكنولوجيا السابقة، فإن الابتكارات التي تغذي طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية حقيقية، والضجيج المحيط بها نابع من وعود فعلية، غير أن هذه الوعود ذاتها هي التي تضخم الفقاعة، وحين تبدأ موجة الهوس هذه بالتصدع، وهو أمر حتمي، ستنتقل الصدمة عبر الأسواق المالية لتطاول الاقتصاد العالمي الذي بات يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي لتحقيق النمو، ولن يقتصر الضرر على الدول الرائدة في تطوير الذكاء الاصطناعي، بل سيمتد أيضاً إلى الدول الكثيرة التي تتنافس على تزويد هذه الصناعة بما تحتاج إليه من مكونات ومواد أساسية. وفي خضم ذلك، ستخرج الأطراف الأضعف من المنافسة، فيما يعزز الناجون تفوقهم، ومن بين الأنقاض ستنشأ منظومة أكثر استقراراً للذكاء الاصطناعي.

الجميع يراهن عليه

بدأت المنافسة في الذكاء الاصطناعي بالفعل تعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، وفي قمة هذا النظام تقف الولايات المتحدة، حيث وصل النموذج الأساسي للذكاء الاصطناعي “تشات جي بي تي” إلى المستهلكين أواخر عام 2022، والصين، حيث ظهر “ديب سيك” بعد نحو عام، ومنذ ذلك الحين أصبحت المنافسة على التفوق محركاً رئيساً لاقتصادي البلدين، ففي الولايات المتحدة، استند النمو بصورة أساسية إلى مئات مليارات الدولارات التي تضخها شركات التكنولوجيا الكبرى في مشاريع الذكاء الاصطناعي، وإلى إنفاق المستهلكين الذي عززته مكاسب سوق الأسهم التي بات الذكاء الاصطناعي يهيمن عليها، فأكبر 10 شركات في مؤشر “ستاندرد أند بورز 500” جميعها من كبار اللاعبين في هذا القطاع، وتمثل مجتمعة نحو 40 في المئة من قيمة المؤشر، ونحو نصف عوائده هذا العام.

أما الصين فتنفق أقل بكثير على الذكاء الاصطناعي، لكنها ستكون في مأزق من دونه، فبعد تراجعها خلال العقد الماضي، بات صافي الصادرات، ومعظمها من السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يمثل ثلث النمو الاقتصادي الصيني. وفي المقابل، يعاني الاقتصاد المحلي ركوداً، تحت وطأة الديون المتعثرة وتقلص القوة العاملة، وتدعم بكين بقوة تصدير نماذجها المحلية التي تلقى رواجاً، لأنها أرخص من النماذج الأميركية المتقدمة، مع أنها تقاربها في الأداء.

ولم تعد حمى الذكاء الاصطناعي مقتصرة على واشنطن وبكين، إذ يضخ المستثمرون الأموال في الشركات التي تزود عمالقة التكنولوجيا الأميركيين بقدرات الحوسبة وأشباه الموصلات، وغيرها من المكونات الأساسية التي يحتاجون إليها، مما يغذي طفرات في أسواق الأسهم حول العالم. ففي آسيا مثلاً، جنت ثلاث شركات كبرى لأشباه الموصلات ثمار هذه الطفرة، وهي “تي إس أم سي” في تايوان و”إس كي هاينيكس” و”سامسونغ” في كوريا الجنوبية، وتستحوذ هذه الشركات على حصة من مؤشرات أسواقها المحلية، تفوق حتى حصة شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى في المؤشر الأميركي، وفي هذه الاقتصادات الصغيرة نسبياً، أحدث الهوس العالمي بالذكاء الاصطناعي تأثيراً أكبر مما أحدثه في الولايات المتحدة، إذ قفزت القيمة الإجمالية لسوق الأسهم الكورية الجنوبية من 1.5 تريليون دولار مطلع عام 2025 إلى أكثر من 5 تريليونات دولار خلال الصيف، وحقق المستثمرون الأفراد خلال 18 شهراً مكاسب في ثرواتهم من الأسهم، فاقت ما حققوه طوال حياتهم، أما صادرات الرقائق فدفعت النمو الحقيقي في تايوان إلى الاقتراب من معدلات من رقمين خلال بعض الفصول الأخيرة، وهي وتيرة قلما يبلغها أي اقتصاد.وبالمثل، استفادت دول أخرى تقع في هذا المستوى من منظومة البنية التحتية الحاسوبية للذكاء الاصطناعي، من إقبال الأسواق العالمية على منتجي معدات الذكاء الاصطناعي، وبات قطاع التكنولوجيا المتقدمة يسهم بما يصل إلى نصف النمو الاقتصادي في إسرائيل، ويرجع ذلك جزئياً لخبرة البلاد في شبكات الاتصالات فائقة السرعة اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وفي اليابان، أصبحت الشركات المتخصصة في معدات الذكاء الاصطناعي ومواده والروبوتات وأشباه الموصلات من أبرز نجوم السوق، وبعدما أصبحت شركة “كيوكسيا”، الرائدة في رقائق الذاكرة، مورداً رئيساً لشركات التكنولوجيا الأميركية، قفز سعر سهمها إلى أكثر من 45 ضعف مستواه قبل عام، لتصبح لفترة وجيزة الشركة الأعلى قيمة سوقية في اليابان.

وتخصص القوى التكنولوجية الخمس الرائدة، الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والولايات المتحدة، في المتوسط، للبحث والتطوير والتكنولوجيا نسبة من ناتجها المحلي الإجمالي، تفوق بكثير ما تخصصه الدول الأخرى، لكنها ليست بأي حال الدول الوحيدة التي تتسابق للحصول على موطئ قدم في منظومة الذكاء الاصطناعي.

أما في مرتبة أدنى ضمن هذه المنظومة، فيعمل الموردون الثانويون على توثيق علاقاتهم بالدول والشركات الرائدة، وينفق عمالقة الذكاء الاصطناعي الأميركيون والصينيون مليارات الدولارات على مراكز البيانات في سنغافورة وماليزيا، وكذلك تستثمر الشركات بكثافة في إنتاج خوادم الذكاء الاصطناعي في المكسيك، التي أخذت تبرز بوصفها مُصدراً مهماً للمعدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وأطلقت ست شركات تكنولوجية في الأقل مشاريع للذكاء الاصطناعي في فيتنام، من بينها مركز كبير للبحث والتطوير، ومنشآت تدريب تهدف إلى تنمية الكفاءات المحلية.

ومن المتوقع أن يضمن التوسع العالمي في بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي طلباً مستقراً لأعوام، على المواد الخام اللازمة لربط مراكز البيانات بشبكات الطاقة وتخزين الطاقة فيها، من النيكل الإندونيسي والليثيوم الأسترالي إلى النحاس المستخرج من تشيلي وبيرو وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وفي الوقت نفسه، تبحث شركات الخدمات السحابية العملاقة في أنحاء العالم عن مصادر لهذه الطاقة، وقد استحوذت “أمازون” و”غوغل” و”ميتا” و”مايكروسوفت” على نصف جميع صفقات الطاقة النظيفة الموقعة عالمياً عام 2025.

ارتفع إنفاق القطاع الخاص على بناء مراكز البيانات إلى نحو 50 في المئة مقارنة بالعام الماضي

لكن هذه الطفرة لم تشمل الجميع، فالدول الواقعة خارج منظومة الذكاء الاصطناعي تجد صعوبة في جذب الاستثمار والائتمان، في وقت يسحب التركيز الهائل على هذه التكنولوجيا الأموال بعيداً من قطاعاتها الأخرى، وتجد معظم أوروبا نفسها خارج دائرة الاستثمار، وكذلك اقتصادات ناشئة مثل الهند والفيليبين، ويزيد وضعهما صعوبة أن قطاع خدمات الأعمال المساندة المزدهر لديهما، من أكثر القطاعات عرضة لأن يحل الذكاء الاصطناعي محل العاملين فيه.

ومن الصعب تذكر حقبة تاريخية كانت فيها الأسواق شديدة الانشغال بقطاع واحد، ومعتمدة إلى هذا الحد على نجاحه، ففي عصر الإنترنت تدفقت الأموال من القطاع المزدهر إلى صناعات أخرى، أما اليوم فلا يكاد شيء ينافس الذكاء الاصطناعي على جذب الاستثمارات، وقد ارتفع إنفاق القطاع الخاص على بناء مراكز البيانات إلى نحو 50 في المئة خلال عام، فيما انخفض الإنفاق على جميع مشاريع البناء الأخرى في الولايات المتحدة خمسة في المئة.

وحتى الآن، كانت دفعة الذكاء الاصطناعي قوية بما يكفي لحماية الاقتصاد العالمي من الصدمات الجيوسياسية خلال العامين الماضيين، بما في ذلك الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، ولا تزال المكاسب في قطاع التصنيع المتقدم، إضافة إلى إنفاق المستهلكين المدفوع بمكاسب سوق الأسهم، تدعم النمو في الولايات المتحدة، فيما تسند الصادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي اقتصادات الدول الواقعة في المستويات الأدنى من هذه المنظومة، فالصادرات التكنولوجية من المكسيك وتايلاند، مثلاً، ترتفع بوتيرة تكفي لتعويض ضعف الطلب المحلي في كلا الاقتصادين.

ويبقى السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على مواصلة دعم الاقتصاد العالمي، أم أنه مجرد فقاعة تنتظر الانفجار، فالفقاعة يمكن وصفها بأنها فكرة جيدة، جرى دفعها إلى أبعد مما تحتمل، وتتزايد الأدلة على أن الأسواق بدأت تفعل ذلك تحديداً، مع الوعد المغري للذكاء الاصطناعي.

المبالغات الأربع

على امتداد قرون، ولّدت الابتكارات الرائدة أنماطاً متشابهة بصورة لافتة من السلوك البشري، فتنفق الشركات بكثافة على تطوير التكنولوجيا الجديدة أملاً في السيطرة على قطاع ناشئ سريع النمو، ثم يلحق بها المستثمرون، فيتقدم المحترفون أولاً قبل أن يقفز الهواة إلى السوق لاحقاً، وتقترض الشركات لتمويل توسعها، فيما يقترض المستثمرون لشراء مزيد من أسهمها، إلى أن يبلغ التداول درجة من الهوس، وترتفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز ما يمكن أن تبرره الأرباح المحتملة للابتكار، ومع اقتراب السوق من ذروتها تتسارع زيادات الأسعار ويشتد تقلبها في الوقت نفسه، فيما تبدأ الشكوك في تقويض الحماسة السائدة.

هذه الديناميكية نفسها هي التي غذت فقاعات في كل شيء، من زهور التوليب إلى العقارات، منذ القرن الـ17 في الأقل، وباختصار، يُبالغ في تقييم الأصل المرغوب فيه وحيازته والاستثمار فيه والاستدانة لشرائه، وهي الممارسات التي أسميتها في مواضع أخرى “المبالغات الأربع” أو (Four O’s).

وتشير الأدلة التاريخية إلى أن أكثر الابتكارات إثارة للإعجاب تولد أكبر الفقاعات، ويتحدد حجم الفقاعة بمدى سرعة واتساع انتشار الحديث عن الابتكار الجديد، فخلال سبعينيات القرن الـ19، انتقلت سلسلة من الفقاعات، من بينها فقاعة أسهم السكك الحديد، بسرعة بين أوروبا والولايات المتحدة بفضل تقنية “التلغراف” الجديدة العابرة للأطلسي، وفي عشرينيات القرن الـ20، جرى الترويج للكهرباء والأجهزة الكهربائية عبر واحد من تلك الأجهزة نفسها، وهو الراديو، أما اليوم فتنتشر المبالغات المحيطة بالذكاء الاصطناعي عبر الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وهي منتجات رقمية لم تكن موجودة عندما انفجرت فقاعة الإنترنت عام 2000.

وتثير هذه الظواهر مجتمعة مخاوف في شأن المدى الذي يمكن أن يبلغه هذا الهوس، فإذا كان الذكاء الاصطناعي بالفعل أكثر التقنيات الجديدة قدرة على إحداث تحول، وأسرعها انتشاراً على الإطلاق، فقد تكون الفقاعة التي يولدها الأضخم حتى الآن.

الأسعار لا تعكس الواقع

في الفقاعات الكبرى التي شهدها نصف القرن الماضي، كانت الأسعار ترتفع عادة إلى 10 أمثالها خلال 15 عاماً، بعد احتساب التضخم، وقد تجاوزت أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية هذه العتبة عام 2025، ويرى المتفائلون بطفرة الذكاء الاصطناعي أن الوضع هذه المرة مختلف، إذ إن شركات التكنولوجيا الكبرى اليوم، بخلاف شركات “دوت كوم” إبان طفرة الإنترنت، تحقق أرباحاً قوية، ويتوقع أن تستمر في ذلك، مما يبرر في نظرهم الارتفاع الكبير في أسعار أسهمها.

لكن الحماسة التي تغذي الفقاعات التكنولوجية تنبع دائماً من تقدم حقيقي، لا من مجرد الدعاية، فحقبة “دوت كوم”، مثلاً، تُستحضر غالباً من خلال شركات ناشئة لم تحقق أرباحاً مثل “بيتس دوت كوم”، مع أنها لم تكن سوى جزء صغير من المشهد، أما الشركات الكبرى في أواخر التسعينيات، مثل “كوالكوم” و”أوراكل” و”سيسكو”، فكانت تحقق أرباحاً تضاهي ما تحققه اليوم “أمازون” و”غوغل” و”مايكروسوفت”، بل إن قطاع التكنولوجيا سجل آنذاك معدل نمو سنوياً في الأرباح بلغ 22 في المئة، وهو المعدل نفسه الذي يسجله خلال العقد الحالي.

لكن التاريخ يدحض الافتراض القائل إن الازدهار لا يمكن أن يكون فقاعة إذا كانت أرباح الشركات قوية، إذ ليس من غير المعتاد أن تتضخم الأرباح نفسها بصورة مصطنعة داخل الفقاعة، ولم يظهر هذا الخطر المزدوج بوضوح كامل خلال حقبة “دوت كوم”، لكنه بدا جلياً عندما انطلقت حمى العقارات والسلع الأساس مطلع القرن الـ21.

إضافة إلى ذلك، قد لا تكون الأرباح متينة كما توحي الأرقام، إذ تستند جزئياً إلى ما يعرف بـ “التمويل الدائري”، إذ تستثمر إحدى شركات الحوسبة السحابية العملاقة في مختبر رائد للذكاء الاصطناعي، مثل “أوبن أي آي” أو “أنثروبيك”، ثم يستخدم المختبر جزءاً من هذه الأموال لشراء خدمات من المستثمر نفسه، مما يسهم في زيادة أرباحه، وكذلك تعيد شركات الحوسبة السحابية تقييم حصصها في مختبرات الذكاء الاصطناعي، وتسجل ارتفاع قيمتها تحت بند “دخل آخر”، وهو بند أسهم بربع نمو أرباحها هذا العام.

وتندرج مختبرات الذكاء الاصطناعي ضمن عدد كبير من الشركات الأميركية التي اختارت البقاء خارج البورصة، أطول فترة ممكنة، لتجنب التدقيق العام في أرباحها، والآن تستعد شركات كثيرة منها للطرح العام، لكنها أقل ربحية بكثير من نظيراتها في أواخر التسعينيات. وأبرز اسمين ينتظران الطرح العام الأولي هما “أنثروبيك” و”أوبن أي آي”، ومن أجل جذب العملاء وزيادة حصتهما السوقية، تتقاضى الشركتان من المشتركين مبالغ تقل عن الكلفة الفعلية لتدريب نماذجهما وتشغيلها، ومع ذلك قدّر المحللون بالفعل قيمة كل منهما بما يتجاوز كثيراً تريليون دولار، على رغم عدم تحقيقهما أرباحاً، استناداً إلى النمو السريع في الإيرادات وحده.

مجتمع المستثمرين

في غضون ذلك، يستثمر الأميركيون في الأسهم بمستويات غير مسبوقة، والولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تحتفظ فيها الأُسر بثروة في الأسهم تفوق قيمة ثروتها في المنازل، وتضع الأُسرة الأميركية العادية حوالى 30 في المئة من ثروتها في الأسهم، متجاوزة الذروة السابقة البالغة 27 في المئة عام 2000. وبما أن جانباً كبيراً من هذه الأموال يُستثمر في صناديق تحاكي تلقائياً تركيبة مؤشر “ستاندرد أند بورز 500″، فإن الحصة الأكبر منها تذهب إلى أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، التي تستحوذ على الوزن الأكبر في المؤشر.

ويسعى مديرو الاستثمار المحترفون عادة إلى التفوق على السوق من خلال اتخاذ خيارات تختلف عن الاتجاه السائد، لكنهم يجدون صعوبة متزايدة في الابتعاد من خيارات غالبية المستثمرين، وباتت محافظهم تشبه أكثر فأكثر محافظ المستثمرين الأفراد الذين كانوا ينظرون إليهم سابقاً باستخفاف، ويصفون أموالهم بأنها “أموال غبية”، بل إن نحو ثلث الأسهم التي يملكها المستثمرون الأفراد توجد أيضاً في محافظ صناديق التحوط وغيرها من المستثمرين المحترفين المعروفين بإقبالهم على المخاطرة، وهي نسبة قياسية.

خلال الأعوام الخمسة الماضية، ارتفع عدد الأسهم المتداولة يومياً في الولايات المتحدة 50 في المئة ليبلغ نحو 18 مليار سهم، وأصبح المستثمرون الأفراد أكثر نشاطاً في التداول من المحترفين، وباتوا يشترون بكثافة كلما تراجعت الأسعار، حتى إن حجم التداول في أيام الهبوط خلال عام 2026 تجاوز ثلاثة أضعاف المتوسط اليومي المعتاد، وكذلك يراهن المستثمرون الأجانب بقوة على قطاع الذكاء الاصطناعي الأميركي، إذ ارتفعت قيمة ما يملكونه من الأسهم الأميركية من أقل من تريليوني دولار إلى أكثر من 20 تريليون دولار منذ انفجار فقاعة “دوت كوم”، وحدث معظم هذه الزيادة منذ إطلاق “تشات جي بي تي” في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022.

وهكذا باتت حيازة أسهم الذكاء الاصطناعي مفرطة بالفعل لدى جميع فئات المستثمرين، وانتقلت حماسة المستثمرين الأفراد إلى أسواق أخرى تقودها طفرة الذكاء الاصطناعي، من بينها كوريا الجنوبية التي كثيراً ما شكلت مؤشراً باكراً إلى اتجاهات أسواق الأسهم العالمية، وقد دفعت الانخفاضات الحادة في أسهم شركات أشباه الموصلات الكبرى المؤشر الكوري إلى التراجع هذا الصيف، قبل أن يعود المستثمرون المحليون للشراء عند انخفاض الأسعار، وغالباً ما تكون هذه التقلبات المتلاحقة علامة على اقتراب موجة الصعود في السوق من نهايتها.

كبار المنفقين

يتركز جانب كبير من النقاش حول اقتصاد الذكاء الاصطناعي على سؤال أساسي: هل تستطيع الاستثمارات الهائلة التي تضخها شركات التكنولوجيا في البنية التحتية أن تحقق عوائد تتناسب مع حجمها في المستقبل المنظور؟ فقد زاد الاستثمار في التكنولوجيا بأكثر من أربعة أضعاف خلال الأعوام الثلاثة الماضية، في طفرة تفوق من حيث الحجم والسرعة ما شهدته نهضات السكك الحديد والقنوات المائية والإنترنت، وعند ذروة فقاعة الإنترنت، بلغ الإنفاق على المصانع والمعدات التكنولوجية الجديدة مستوى قياسياً يعادل ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أما اليوم فقد وصل إلى 6.3 في المئة، ومن المتوقع أن يواصل الارتفاع.

وقد يكون رفع الإنتاجية، أي زيادة حجم الإنتاج لكل عامل، إحدى الطرق التي تتيح لهذه الاستثمارات تحقيق عائدها، ودفع الاقتصاد بأكمله إلى النمو، لكن في مرحلة مماثلة من طفرة الإنترنت، كان المؤشر الرئيس المعروف بـ “الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج”، الذي يقيس مدى كفاءة استخدام العمال للآلات في زيادة الإنتاج، يسجل نمواً سريعاً، بينما لا يكاد يرتفع اليوم.

وحتى إذا تحسنت الإنتاجية في نهاية المطاف، فقد لا تكون شركات الذكاء الاصطناعي نفسها المستفيد الأكبر، وأظهر الاقتصادي ويليام نوردهاوس أن الشركات التي أنشأت شبكات، مثل السكك الحديد والخطوط الجوية والإنترنت، لم تحصل إلا على اثنين في المئة من القيمة التي أوجدتها تلك الابتكارات، بينما ذهبت النسبة الباقية إلى المستهلكين والشركات التي استخدمتها. وكذلك فإن الانهيار الذي أعقب طفرة “دوت كوم” قضى على معظم الشركات الناشئة البالغ عددها 50 ألفاً، وبدد ثروات مستثمريها، فيما لم يبق منها اليوم سوى نحو 10 شركات، تحولت إلى عمالقة في قطاع التكنولوجيا.

وقد يواجه قطاع الذكاء الاصطناعي عملية تصفية مماثلة، ولكن على نطاق أوسع، إذ توجد نحو 70 ألف شركة ناشئة مرتبطة به في الولايات المتحدة وخارجها، وكما قال خبير إستراتيجيات التكنولوجيا جيف ماكميلان أخيراً، فإن “المجزرة المقبلة لشركات الذكاء الاصطناعي والنمو المقبل لاقتصاد الذكاء الاصطناعي هما الحدث نفسه”، لكن الحذر يتراجع كلما اقتربت الفقاعة من ذروتها، فيما ينتشر الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في أنحاء العالم، إذ يذهب نحو 40 في المئة من إجمال إنفاق شركات الحوسبة السحابية الأميركية العملاقة إلى مشاريع خارج الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يزيد إجمال الاستثمارات العالمية المتراكمة، المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى أكثر من الضعف مجدداً، ليصل إلى 6 تريليونات دولار بحلول عام 2030.

وفي أكبر الفقاعات، يصل الاستثمار إلى نقطة تتجاوز بعدها كلفة ما يخلفه الانهيار من إفلاس شركات وديون متعثرة، وفقدان وظائف المكاسب التي حققتها الطفرة، وحتى الشركات التي تتصدر موجة التكنولوجيا الجديدة تنتهي في كثير من الأحيان إلى الإفراط في الاستثمار إلى حد يحول دون تحقيق عائد مجدٍ، ففي يوليو (تموز) الماضي حذّر “بنك التسويات الدولية”، الذي يضم أبرز البنوك المركزية في العالم، من أن سباق الإنفاق بين شركات الحوسبة السحابية العملاقة يتجه إلى تجاوز ما وصفه بـ “المستوى الأمثل اجتماعياً” للاستثمار.

عبء الديون

تعتمد طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي على إعانات وديون لا تظهر بالكامل في الأرقام، مما يزيد هشاشتها ويجعل تقدير حجمها الحقيقي أكثر صعوبة، وقبل أعوام قليلة فقط، كانت أكبر خمس شركات للحوسبة السحابية العملاقة تحقق فوائض ضخمة من التدفقات النقدية، أما اليوم فلا يحقق فائضاً سوى “مايكروسوفت”، وارتفع صافي ديون أربع من هذه الشركات وباتت تلجأ إلى إصدار السندات، مع تقلص السيولة المتاحة لديها، واضطرارها إلى الاقتراض لتمويل توسعاتها.

وحتى يوليو الماضي، بلغ صافي الديون المعلن لشركات التكنولوجيا الأميركية نحو 250 مليار دولار، وهو رقم لا يزال صغيراً نسبياً، لكن هذه الأرقام لا تشمل المشاريع التي تمولها شركات الحوسبة السحابية العملاقة، من خلال عقود إيجار معقدة، وترتيبات أخرى لا تظهر في موازنتها، وقد تضيف هذه الالتزامات نحو 3 تريليونات دولار إلى حجم اقتراضها خلال العقد المقبل.

ويأتي جانب آخر من الدعم من القطاع العام، ففي أواخر التسعينيات كان “الاحتياط الفيدرالي” الأميركي يتبع سياسة نقدية أكثر تشدداً من سياسته الحالية، فيما كانت الحكومة الأميركية تحقق فائضاً في الموازنة، ولذلك جاء تمويل طفرة الإنترنت آنذاك بصورة شبه كاملة من القطاع الخاص.

يمكن أن يكون الازدهار فقاعة حتى عندما تحقق الشركات أرباحاً قوية

لكن هذا المشهد تغير تماماً خلال العقد التالي، ولا سيما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، فمن أجل إنعاش النمو والحفاظ عليه، لجأ “الاحتياط الفيدرالي” إلى تيسير سياسته النقدية بصورة كبيرة، واستمر في ذلك حتى بعد تحسن الأوضاع الاقتصادية، واليوم يبقي البنك المركزي الأميركي سعر الفائدة الأساس أقل بنقطة مئوية كاملة من المستوى الذي توصي به القواعد الأكاديمية التقليدية، في ظل انخفاض البطالة وقوة النمو، فيما ظل التضخم أعلى من هدفه البالغ اثنين في المئة، لأكثر من خمسة أعوام متتالية.

وفي الوقت نفسه، تضاعف عجز الموازنة الأميركية خلال العقد الماضي ليصل إلى أكثر من ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني عملياً تحويل مليارات الدولارات المقترضة إلى الأسر والشركات، ووفق معادلة “كاليكي – ليفي” التي تقيس أثر الإنفاق الحكومي في أرباح الشركات، شكّل عجز الموازنة أكثر من نصف أرباح الشركات الأميركية خلال العقد الحالي، أي ضعف النسبة المسجلة خلال حقبة “دوت كوم”، ولولا هذا العجز الضخم لما بدت أرباح قطاع الذكاء الاصطناعي بالقوة نفسها، وإذا كانت هذه الأرباح أقل متانة مما تبدو عليه، فمن المرجح أيضاً أن تكون قدرة القطاع على التعامل مع ديونه المتزايدة بسرعة أكثر هشاشة.

وليس من غير المعتاد أن تخفي الفقاعات حقيقتها وراء حسابات مالية غامضة، لكن الجديد هذه المرة هو حجم أشكال الدعم الخفية وتعدد مصادرها، ومن شأن التدفق الهائل للأموال من الحكومة والبنك المركزي والقطاع الخاص، أن يجعل فقاعة الذكاء الاصطناعي أكبر بكثير من أية فقاعة سبقتها.

مأزق الفقاعة

تركز معظم النقاشات حول الكيفية التي قد ينتهي بها الهوس الحالي بالذكاء الاصطناعي، على سيناريوهات تقلص فيها الشركات استثماراتها، أو تعلن أرباحاً دون التوقعات، أو تقر، بصورة أو أخرى، بأن هذه التكنولوجيا لن تحقق عوائد كبيرة أو سريعة، بما يكفي لتبرير أسعار الأسهم الحالية. لكن الفقاعات لا تنفجر من تلقاء نفسها تماماً، كما أن موجات الهوس الاستثماري لا تنحسر لمجرد حدوث تغير مفاجئ في الأسس الاقتصادية، فقد تظل الأرباح قوية فيما تواصل الفقاعة التضخم، وعندما يبدأ الهبوط، تسبق أسعار الأسهم الأرباح عادة إلى التراجع بشهور عدة، أما المؤشر الأكثر ثباتاً فيأتي من الجهات الممولة، فالفقاعات تنفجر عندما تشح السيولة، سواء لأن ارتفاع أسعار الفائدة أو تشديد القواعد التنظيمية يجعل الاقتراض أكثر صعوبة، أو لأن المقرضين من القطاع الخاص يصبحون أقل استعداداً للإقراض، مهما ارتفعت الفائدة. ومع شح الأموال تتقلص الموارد المتاحة للشركات والمستثمرين لمواصلة الاستثمار، ويمكن أن يحدث ذلك بطرق شتى.

خلال القرن الماضي، سبقت زيادات أسعار الفائدة التي أقرتها البنوك المركزية انفجار كل فقاعة كبرى تقريباً، لكن الحكومات، لا الشركات، هي التي تتحمل اليوم النصيب الأكبر من عبء الديون المتزايدة، ولذلك لم يعد محافظو البنوك المركزية هم الأطراف الأهم التي ينبغي مراقبتها، بل ما يعرف بـ “حراس سوق السندات”، وهم مستثمرون يعاقبون من وقت إلى آخر الحكومات التي تفرط في الإنفاق ببيع سنداتها، مما يدفع أسعار الفائدة الطويلة الأجل إلى مستويات مؤلمة. وقد بدأ هؤلاء يعودون للواجهة أخيراً في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وإذا عادوا بقوة، فإن ارتفاع أسعار الفائدة وما يصاحبه من شح في السيولة سيجعلان من الأصعب على شركات الذكاء الاصطناعي مواصلة تمويل خطط توسعها بمزيد من الاقتراض، وقد يدفعان سوق الأسهم إلى هبوط حاد.

وهكذا تبدأ المرحلة الأخيرة: تظهر المشكلات أولاً في أسواق الدَين، ثم تمتد إلى بقية الأسواق المالية، وقد بدأت بوادر ذلك تظهر هذا الصيف في الأسواق الأميركية والآسيوية، مع الاضطرابات التي شهدتها أسهم شركات أشباه الموصلات، فيما قد تكون أسهم أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي معرضة لخطر مماثل قريباً، ولذلك ليس مستغرباً أن تحذّر مذكرة بحثية صدرت أخيراً عن “بنك أوف أميركا” من انتشار “حال من عدم الاستقرار، تحمل سمات الفقاعة” حول العالم.

ما بعد الانهيار

كل طفرة تزرع بذور نهايتها، فقد واصلت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى صعودها منذ عام 2009، لكنها بدأت تتعثر قبل أربعة أعوام عندما رفع “الاحتياط الفيدرالي” أسعار الفائدة بقوة، ثم جاء إطلاق “تشات جي بي تي”، بالتزامن مع انتهاء دورة التشديد النقدي، ليمنح موجة صعود أسهم التكنولوجيا دفعة جديدة، وكما لاحظ “بنك التسويات الدولية”، فـ “كلما كانت الطفرة أكبر، كان الانهيار اللاحق أكبر”.

ومنذ انهيار عام 1929، كانت كل فقاعة أكبر من سابقتها، ويرجع ذلك جزئياً لتنامي دور الأسواق المالية في الاقتصاد، ففي عام 1980، كان حجم الأسواق المالية يعادل تقريباً حجم الاقتصاد العالمي، لكنه ارتفع إلى نحو ثلاثة أمثاله عام 2000، عندما انفجرت فقاعة الإنترنت، فيما يبلغ اليوم خمسة أمثاله، ومع تضخم الأسواق المالية مقارنة بالاقتصاد، ازدادت أيضاً الخسائر التي يمكن أن تخلفها انهياراتها، فمثلاً سيكون تراجع مؤشر “ستاندرد أند بورز 500” بنسبة 25 في المئة نحو نصف الهبوط الذي شهده عامي 2001 أو 2008، لكنه سيلحق بالأسر الأميركية خسائر تقارب في حجمها ما تكبدته آنذاك.

وعندما تنكمش فقاعة تكنولوجية، تتبع تداعياتها عادة مساراً معروفاً: يتراجع المقرضون عن التمويل، وتخفض الشركات الواقعة في قلب الطفرة نفقاتها أو تغلق أبوابها، وترتفع حالات الإفلاس، وتتوقف مشاريع البناء، ثم يتنافس العمال الذين فقدوا وظائفهم على فرص العمل في قطاعات أخرى، مما يضغط على الأجور فيها، وتتباطأ بعض الاقتصادات، فيما قد ينزلق بعضها إلى الركود، وستكون الاقتصادات التي استفادت أكثر في ذروة حمى الذكاء الاصطناعي أول من يعاني مزيجاً من هذه التداعيات، وستنتقل الصدمة من الولايات المتحدة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، ثم إلى المستويات الأدنى من منظومة الذكاء الاصطناعي عبر الموردين الأصغر، وصولاً في نهاية المطاف إلى شركات التعدين ومنتجي الطاقة، فكل فقاعة تنفجر تخلف أضراراً اقتصادية، لكن أضرار هذه الفقاعة ستطاول العالم بأسره.

وقد تتفاقم هذه التداعيات بسبب سمات خاصة بعصر الذكاء الاصطناعي، فبدرجة غير معتادة، يعتمد النمو في الاقتصادات الواقعة على امتداد منظومة الذكاء الاصطناعي على طفرتين متزامنتين: طفرة في الاستثمار وأخرى في الأسواق المالية، ويؤدي ارتفاع أسعار الأسهم بدوره إلى ما يعرف بـ “أثر الثروة” في إنفاق المستهلكين، إذ تشعر الأسر بأنها أكثر ثراء عندما ترتفع قيمة استثماراتها، فتزيد إنفاقها. وهذا الاعتماد الكبير على الذكاء الاصطناعي قد يجعل الصدمة أشد عندما تنكمش الفقاعة.

وهناك عامل جديد آخر يتمثل في حجم الديون، فلم يسبق أن دخل العالم أزمة من أي نوع مثقلاً بهذا القدر من الديون، وبفعل الاقتراض الحكومي في المقام الأول، قفز إجمال الدين العالمي خلال العام الماضي بأسرع وتيرة منذ جائحة “كوفيد-19″، ليتجاوز 350 تريليون دولار، أي أكثر من ثلاثة أمثال حجم الاقتصاد العالمي، وعندما تنتهي طفرة الذكاء الاصطناعي، لن تمتلك حكومات كثيرة الموارد الكافية لإنعاش الاقتصادات المتضررة أو إنقاذ الشركات التي تتلقى الضربة.

وستواجه أية محاولة لإنقاذ شركات الذكاء الاصطناعي معارضة قوية، فغالبية الأميركيين تقول إن الذكاء الاصطناعي يثير قلقها أكثر مما يثير حماستها، ويتوقع سبعة من كل 10 أن يؤدي إلى تقليص عدد الوظائف المتاحة للبشر، وتواجه مشاريع مراكز البيانات في أنحاء الولايات المتحدة اليوم معارضة قوية من المجتمعات المحلية، إذ نجحت تحركات محلية خلال الربع الأول من هذا العام وحده في وقف مشاريع تبلغ قيمتها نحو 130 مليار دولار أو تأخيرها، وقد تدفع هذه الأرقام السياسيين إلى التفكير ملياً قبل التدخل لإنقاذ شركات ذكاء اصطناعي متعثرة.

كانت كل فقاعة منذ انهيار عام 1929 أكبر من سابقتها

تنشأ أسوأ الفقاعات في قطاعات لا تقدم إلا قدراً ضئيلاً من الابتكار وتعتمد في تمويلها أساساً على الديون، وتعد فقاعة العقارات في العقد الأول من القرن الـ21 المثال الكلاسيكي على ذلك، فعندما انفجرت، كانت النتيجة “الركود العظيم” الطويل والمؤلم عامي 2008 و2009، واستغرق المقرضون والمقترضون المثقلون بالديون أعواماً للخروج من أزمتهم، فيما لم يترك الانهيار وراءه شيئاً ذا قيمة: لا اختراعات جديدة ولا صناعات جديدة، بل مجرد أسعار عقارات منهارة.

أما طفرة “دوت كوم”، فعلى النقيض من ذلك، فكانت نموذجاً كلاسيكياً لـ “فقاعة جيدة” في قطاع منتج، مُوّلت بالأسهم بدلاً من الديون، وبعد انفجارها عام 2001، كان هبوط أسعار الأسهم مؤلماً لكنه لم يدم طويلاً، ومع انخفاض مستويات الديون لم تطل معاناة المقترضين، وكان الركود الذي أعقبها قصيراً ومحدوداً، والأهم أن الانهيار ترك هذه المرة وراءه شيئاً بالغ القيمة، وهو الإنترنت.

أما الذكاء الاصطناعي فيجمع بين النموذجين، فهو “فقاعة جيدة” تقوم على تكنولوجيا مبتكرة، لكنها ممولة في الوقت نفسه بتدفقات هائلة من التمويل بالأسهم والديون، ولا تقدم تداعيات الفقاعات الكبرى الأخيرة إطاراً واضحاً لتقدير الخسائر الاقتصادية المباشرة التي قد تنجم عن انهيار كهذا، فنحن أمام تجربة لم يسبق لها مثيل، ويزيدها تعقيداً أن الحكومات المثقلة بالأعباء المالية لا تستطيع التدخل بسهولة لاحتواء الخسائر.

وعندما تنفجر الفقاعات الجيدة، فإنها تترك وراءها منظومة أكثر كفاءة تضم الناجين الأقوى، كما حدث مع الإنترنت، وقبله مع صناعات السكك الحديد والقنوات والسيارات والتلفزيون، وسيواصل الناجون من انهيار طفرة الذكاء الاصطناعي دفع هذه التكنولوجيا إلى الأمام بما يعود بالنفع على المستخدمين في أنحاء العالم، وقد يحققون، في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، الزيادة المنشودة في نمو الإنتاجية.

ويبقى السؤال: ما حجم هذه الزيادة؟ ومتى ستتحقق؟ وغالباً لا يظهر أثر التقنيات الجديدة في نمو الإنتاجية إلا بعد عقود من دخولها الاستخدام التجاري، فقد حلّت السيارات محل العربات التي تجرها الخيول في شوارع نيويورك خلال العقد الثاني من القرن الـ20، لكنها لم تبلغ أقصى تأثير لها في الإنتاجية إلا بعد إنشاء شبكة الطرق السريعة الوطنية في خمسينيات القرن نفسه، أي بعد عقود من انهيار عام 1929 الذي أطاح مئات شركات صناعة السيارات، ولم يترك سوى “كرايسلر” و”فورد” و”جنرال موتورز”.

وقد يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي عملية تصفية مماثلة، وقد يتأخر ظهور أثره الحقيقي، وتراوح أحدث التوقعات للأثر المحتمل للذكاء الاصطناعي في نمو الإنتاجية السنوية بين 0.1 نقطة مئوية، وهو أثر لا يكاد يُلاحظ، ونحو نقطتين مئويتين، وهي زيادة استثنائية، ومن شأن زيادة بهذا الحجم أن تضاعف تقريباً معدل النمو الاقتصادي المستدام عالمياً، وتفتح الباب أمام عصر ذهبي من الازدهار بسرعة مذهلة.

لكن المراحل الأولى من الثورة الرقمية تقدم أسباباً تدعو إلى كبح هذه التوقعات، فقد كان يُنتظر من الإنترنت أيضاً أن يطلق طفرة في الإنتاجية، وقد حدث ذلك بالفعل لفترة وجيزة أواخر التسعينيات، لكن تلك الطفرة تلاشت في نهاية المطاف أمام قوى أكبر، من بينها تنامي الدور التنظيمي للدولة وتزايد سخاء حزم الإنقاذ الحكومية، وستواجه طفرة الإنتاجية التي يقودها الذكاء الاصطناعي، على الأرجح، عقبات مشابهة.

ولا يعني تقدم الذكاء الاصطناعي بوتيرة مذهلة أنه يشكل استثناء من مسار التاريخ أو من أنماط السلوك البشري، فموجات الهوس تخلق اختلالات أكبر من أن تستمر، وعندما يأتي الانهيار ستكون الأضرار قاسية لكنها لن تدوم، وباستعارة مقولة من علم الكيمياء: لا شيء يُخلق، ولا شيء يُفنى، وكل شيء يتحول، وستواصل التكنولوجيا تقدمها حتى مع انحسار حمى المضاربات المحيطة بها، لتترك وراءها سوقاً عالمية أكثر توازناً، وإنفاقاً أكثر عقلانية من جانب الشركات، وإعادة تشكيل للمشهد المحموم الذي يعيشه عالم الذكاء الاصطناعي اليوم.

 روشير شارما، رئيس مجلس إدارة “روكفلر إنترناشونال” ومؤسس شركة “بريك آوت كابيتال”. أحدث كتبه هو “ما الخطأ الذي حدث في الرأسمالية؟”

 ترجمة عن “فورين أفيرز” في الـ 13 من أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: هل ينقذ نموذج دول الشمال الأوروبي حلف شمال الأطلسي؟ طريقة جديدة لردع روسيا
التالي: تداعيات أزمة هرمز: سرعة مفاجئة في الحلول وارتفاع الكُلف

قصص ذات صلة

Web-2025-2026-ta3atof
  • مقالات رأي

ماذا لو لم نضع أنفسنا مكان الآخرين في معاناتهم؟ عن الحقّ بالفرح، والحق بالتعاطف، معاً

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

حين تختطف الميليشيات راية فلسطين.. أزمة اليسار العربي

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

فلسطين في حسابات طهران

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • عندما تتلاطم اللغات
  • الحمض النووي يكشف هوية مفقودين في الرقة كيف توصّل المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى النتائج؟
  • ماذا لو لم نضع أنفسنا مكان الآخرين في معاناتهم؟ عن الحقّ بالفرح، والحق بالتعاطف، معاً
  • حين تختطف الميليشيات راية فلسطين.. أزمة اليسار العربي
  • فلسطين في حسابات طهران

لربما فاتك

  • أدب وفن

عندما تتلاطم اللغات

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
Web-2025-2026-mafqoodeen
  • الأخبار

الحمض النووي يكشف هوية مفقودين في الرقة كيف توصّل المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى النتائج؟

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
Web-2025-2026-ta3atof
  • مقالات رأي

ماذا لو لم نضع أنفسنا مكان الآخرين في معاناتهم؟ عن الحقّ بالفرح، والحق بالتعاطف، معاً

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

حين تختطف الميليشيات راية فلسطين.. أزمة اليسار العربي

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.