ساحة الأمويين بدمشق
مصطفى محمد
يبدو أن دمشق تحاول تجنب انجرار المجتمع السوري إلى مزيد من التجاذبات السياسية، في هذه المرحلة الحساسة على أقل تقدير، وذلك من خلال عدم منح الضوء الأخضر لتأسيس أحزاب أو تيارات سياسية في البلاد.
يدل على ذلك، الرد من قبل شخصيات من قيادة الصف الأول على طلبات شفوية من سوريين يرغبون بتأسيس تيارات سياسية، بأن “الوقت لم يحِن بعد”، وأن لدى الحكومة ملفات “أكثر ضرورة” من عودة النشاط الحزبي، من إعادة صياغة العلاقات الخارجية للبلاد، إلى الملفات الساخنة (قسد، السويداء)، وصولاً إلى النهوض بالواقع الاقتصادي، وشطب سوريا من قائمة العقوبات، وفق ما علمت “المدن” من مصادر.
لا قانون للأحزاب
ويوضح ناشط سياسي وإنساني، لـ”المدن”، أن وجهة نظر الحكومة السورية حالياً حول تأسيس أحزاب، أن البلاد ينقصها قانون لتنظيم عمل الأحزاب السياسية، وأي قانون لا بد أن يصدر من “البرلمان”.
وأكد المصدر، وهو الذي طالب بتأسيس تيار سياسي مدني لحاجته بسبب نشاطه الإنساني إلى غطاء سياسي، أنه استشف من رد الحكومة، أنها “في غنى عن إشكاليات سياسية ودينية ومذهبية، قد تُذكي الفرقة بين السوريين”.
ووفق الناشط السياسي ذاته، فإن “الحكومة حاولت احتواء طلب بعض التيارات بتشكيل الأحزاب، من خلال تقديم مناصب حكومية”، من دون أن يستفيض أكثر، وقال: “الرد على طلبنا لم يكن رسمياً، لكن عند اعتبار الطريقة التي تُدار بها الدولة حالياً، حينها يمكن اعتباره رسمياً، بمعنى أنه للآن لا توجد جهة يمكن التقدم إليها لطلب ترخيص حزب أو تيار سياسي”.
ولفت إلى حالات رفض مماثلة، منها رفض الحكومة اللقاء برئيس “الحزب الوطني للعدالة والدستور- وعد”، بعد تقدم رئيس الحزب زهير الخطيب، بطلب لإيجاد صيغة لمواصلة الحزب نشاطه في سوريا، حيث كان الحزب ينشط في الشمال السوري، قبل سقوط النظام.
وكان الخطيب قد كتب على “فايسبوك”، أن “هذا الوقت هو الصحيح والمناسب لبناء الأحزاب، وعندما تضع الإدارة قانوناً للأحزاب نلتزم به ونعمل وفقه”.
تجنب الفوضى السياسية
ويرى مدير قسم تحليل السياسات في “مركز حرمون للدراسات المعاصرة”، سمير العبدالله، أن إدخال التعددية الحزبية في سوريا خلال المراحل الانتقالية، يثير تحديات معقّدة تتصل بضعف المؤسسات والهشاشة الأمنية، والانتقال في سوريا يجري بعد عقود من السلطوية وصراع دموي، ولهذا يصبح توقيت السماح بتأسيس الأحزاب قراراً وتحدياً.
ويضيف العبدالله لـ”المدن”، أن فتح باب التعدية غير المنضبط قد يفضي إلى فوضى سياسية عبر مئات الكيانات الهشة المبنية على الطائفية أو المناطقية، ما يهدد وحدة الدولة، كما أن الأحزاب الناشئة قد تقع فريسة لاختراقات خارجية عبر التمويل والتبعية، كما حدث في العراق بعد عام 2003.
يضاف إلى ذلك، وفق العبدالله، خطر الارتباط بالفصائل المسلحة، ما يجعل السياسة رهينة القوة العسكرية، فضلاً عن تكريس الانقسامات الاجتماعية إذا تأسست الأحزاب على أسس ما قبل وطنية.
لكن، في المقابل، يتيح الانفتاح الحزبي قنوات مؤسساتية للتعبير السياسي، ويعزز شرعية المرحلة الانتقالية كقطيعة مع السلطوية السابقة، كما يساهم في إنتاج نخب جديدة تقدم بدائل واقعية، وينقل التنافس من الشارع والسلاح إلى صناديق الاقتراع، ما يمهد لانتقال سلمي وديمقراطي، وفق العبدالله.
ويقول: “التحدي الأساسي يكمن في الموازنة بين الحرية والاستقرار، فالتأجيل المطلق يعيد إنتاج السلطوية، والانفتاح غير المنضبط يقود إلى الفوضى، والخيار الأمثل يتمثل في تدرج مشروط يضمن التعددية مع حماية السلم الأهلي، عبر قانون أحزاب واضح، وقضاء مستقل، وإرادة سياسية لبناء نظام وطني جامع”.
رغم ما سبق، يرى كثير من المراقبين أن المرحلة المقبلة في سوريا، ستشهد حياة حزبية حيوية، وتحديداً بعد إصدار قانون الأحزاب الجديد من قبل مجلس الشعب الجديد، خصوصاً أن البلاد كانت تعاني من حكم الحزب الواحد على امتداد عقود
. المصدر المدن