تثير المواجهة الأميركية الإيرانية تساؤلات في عواصم الخليج بشأن فاعلية ضمانات واشنطن الدفاعية، وحدود التشاور معها قبل اتخاذ قرارات عسكرية.
وقد يشكل فوز الديمقراطيين بأغلبية الكونغرس، أملا لدول الخليج التي وسعت خياراتها، لكنها تعي أن لا بديل عن التحالف مع واشنطن.
هل يرمم الكونغرس الجديد الثقة؟
يقول الكاتب الصحفي السعودي المتخصص في العلاقات الدولية، حمود الرويس، إن الكونغرس الجديد “يستطيع المساهمة في استعادة الثقة” عبر مراجعة السياسة الأميركية تجاه إيران، ومراقبة أداء الإدارة في التعامل مع الحلفاء الخليجيين.
ويضيف لـ”الحرة” أن لجان الكونغرس تستطيع استدعاء مسؤولي وزارتي الخارجية والدفاع، ومناقشتهم بشأن الحرب وطبيعة الالتزامات الأمنية الأميركية، ومراجعة صفقات التسليح وخطط بيع الأسلحة لدول الخليج.
ولا يعني فوز الديمقراطيين بأغلبية مقاعد الكونغرس القدرة على تقييد صلاحيات الرئيس، دونالد ترامب، الذي قال إنه سيصبح “السيد فيتو“.
لذلك، يستبعد الكاتب والباحث السابق في ديوان رئيس مجلس الوزراء الكويتي، الدكتور محمد حمود البغيلي، أن تتمكن الأغلبية الديمقراطية من فرض قيود حاسمة على قرارات ترامب بشأن المنطقة.
ويقول لـ”الحرة” إن تجاوز الفيتو الرئاسي يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلسي الكونغرس، وهي أغلبية لا يمتلكها الديمقراطيون، ويرى أن قدرة الأغلبية الجديدة ستتركز في التحقيقات والمواجهات السياسية والرقابة على الإدارة.
ويحذر البغيلي من أن تصاعد الخلافات الداخلية “قد يشغل واشنطن عن ملفاتها الخارجية، بما ينعكس على علاقاتها بحلفائها”.
ورغم أن أحد أهم وعود الديمقراطيين الانتخابية هو وقف الحرب على إيران إلا أن الكاتب السياسي العماني، عضو مجلس الشورى السابق، سعيد بن مسعود المعشني، يرى أن استعادة الثقة بين عواصم الخليج وواشنطن “لا تتحقق بمجرد تغير الأغلبية الحزبية” في الكونغرس، وإنما تحتاج إلى “ضمانات تحدد طبيعة الالتزام الأميركي وحدوده”، وتمنح الدول الخليجية دورا فعليا في التشاور قبل اتخاذ قرارات عسكرية قد تعرض أمنها للخطر.
ويقول لـ”الحرة” إن فوز الديمقراطيين “لا يعني بالضرورة تبني سياسة أكثر تفهما للمصالح الخليجية، نظرا إلى وجود اعتبارات استراتيجية أميركية تتجاوز الانقسام الحزبي، فضلا عن أن الخلافات بين واشنطن وحلفائها ليست مرتبطة بإدارة ترامب وحدها”.
ويعتقد المعشني أن تأثير مشرعي الكونغرس على مسار الحرب مع إيران قد يظهر من خلال الرقابة على الإنفاق العسكري، ومراجعة صلاحيات الرئيس ومناقشة الالتزامات الدفاعية. والأهم أن الكونغرس “يستطيع دعم اتفاقيات أمنية أكثر وضوحا، فيما تتطلب المعاهدات الرسمية موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ”.
الشرخ العميق
ونقلت رويترز عن مسؤول خليجي قوله: “نواجه، بكل المقاييس، أسوأ سيناريو ممكن”، متوقعا أن تشن الولايات المتحدة ضربات على إيران، مما يدفع طهران للرد باستهداف البنية التحتية المدنية في دول الخليج.
وقال مسؤول خليجي آخر للوكالة إن “الأمر في النهاية بيد شخص واحد”، وهو الذي سيقرر ما إذا كان الصراع سيتجدد ومدى احتدامه، في إشارة إلى ترامب، وهو ما يعكس “محدودية قدرة دول الخليج على التأثير في مسار صراع ستتحمل هي نفسها تبعاته”، وفق رويترز.
وأدى هذا الأمر، بحسب المعشني، إلى “شرخ عميق في الثقة الخليجية بالولايات المتحدة، بعدما وجدت دول المنطقة نفسها أمام تداعيات مواجهة لم تقرر الدخول فيها ولم تستشر بشأنها”.
ويقول إن الوجود العسكري الأميركي، “الذي كان يفترض أن يشكل مظلة لحماية دول الخليج، تحول في بعض الحالات إلى مصدر إضافي للتهديد، بعدما أصبحت القواعد والمنشآت المرتبطة به أهدافا للضربات الإيرانية”.
وكشف تقرير لوكالة أسوشيتد برس أن أكثر من 115 هجوما بالصواريخ والطائرات المسيرة، نفذتها إيران أو جهات مدعومة منها، ألحقت أضرارا بمنشآت داخل 26 قاعدة وموقعا عسكريا أميركيا في الشرق الأوسط حتى أغسطس الماضي.
ولا تقتصر مشكلة الخليج على قدرة واشنطن حماية حلفائها فقط، وإنما بمدى استعدادها لأخذ مصالحهم الأمنية في الاعتبار عند اتخاذ قرارات الحرب، وفق ما يعتقد المعشني.
ويجد الكاتب السعودي الرويس أن الحرب كشفت اختلافا في تقدير الأولويات والمخاطر بين الطرفين، من دون أن تعني تخلي واشنطن عن التزاماتها الأمنية.
ويقول إن العلاقات الخليجية الأميركية لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والتسليح والتعاون الاستخباراتي، ما يجعل المرحلة الحالية “أقرب إلى إعادة تقييم الثقة منها إلى القطيعة مع الولايات المتحدة”.
ويميز الكاتب الكويتي البغيلي، بين أمرين في علاقة الخليج بواشنطن، وهما تراجع الثقة الشعبية، واستمرار التعاون الرسمي.
ويقول إن ثقة المواطن الخليجي بقوة الولايات المتحدة والتزامها تجاه المنطقة “اهتزت، بينما لا تزال الاتصالات الرسمية وتبادل الرسائل الدبلوماسية ولقاءات الوفود العسكرية مستمرة، بل أصبحت أكثر نشاطا لدعم جهود التهدئة”.
خيارات أوسع
وكثفت دول الخليج جهود التصنيع العسكري المحلي، وشراء منظومات صاروخية ورادارات متقدمة، إلى جانب تأهيل الكوادر العسكرية وإجراء المناورات المشتركة، يقول البغيلي.
ويضيف أن هذه الجهود ترافقت مع تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك بين دول الخليج، وتوسيع التعاون الدفاعي مع تركيا وباكستان ودول أخرى، في إطار تعزيز القدرات العسكرية وتنويع الخيارات الأمنية.
ويشير الرويس، من جهته، إلى اتساع التعاون الخليجي مع الصين وروسيا ودول أوروبية وآسيوية، بينها الهند وكوريا الجنوبية، وجهود تطوير منظومات دفاع جوي مشتركة وتعزيز التعاون في مجالات الرادارات والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية.
لكن الرويس لا يرى أن هذه التحركات تعني التخلي عن الولايات المتحدة، وإنما تعكس توجها لبناء شبكة متعددة من العلاقات الأمنية والعسكرية، بحيث لا يبقى الأمن الخليجي مرتبطا بإدارة أميركية أو عاصمة واحدة.
ويربط مستقبل الثقة مع واشنطن بالإجراءات التي قد يتخذها الكونغرس الجديد، خصوصا فيما يتعلق بتلبية الاحتياجات الدفاعية الخليجية، وعدم تعطيل صفقات السلاح والذخائر، وفق الرويس، الذي يرى أن دول المنطقة تستطيع تقييم هذه الإجراءات مع استمرار علاقاتها الأمنية مع واشنطن.
ويعتقد المعشني، أن تنويع الشراكات لا يوفر حتى الآن بديلا مماثلا للدور العسكري الأميركي، إذ إن الصين “ليست مستعدة لتحمل الأعباء الأمنية التي تتحملها الولايات المتحدة في الخليج، ولا يمتلك الشركاء الآخرون منفردين القدرة على توفير مظلة دفاعية مماثلة”
ويقول إن الأولوية هي بناء منظومة دفاع خليجية مشتركة تشمل الإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي والقيادة والسيطرة، بما يعزز قدرة دول المنطقة على المشاركة في توفير أمنها.