كنان العظمة هو عازف كلارينت ومؤلف موسيقي مقيم في نيويورك، شارك كعازف في عروضٍ على امتداد نحو 150 بلداً حول العالم، وفي فرقٍ موسيقية من الأوركسترا السيمفونية السورية وفرقة «كلنا سوا» في سوريا بداية الالفية، مروراً بفرق «طريق الحرير» و«أوركسترا نيويورك» و«أوركسترا سياتل السمفونية» وفرقة «كنان عظمة سيتي باند» التي أسَّسها عام 2006 في نيويورك. من ألبوماته الموسيقية: «سماء وعرَة»، و«Star lighte»، و«المدينة المطاطية» (The elastic city) الذي استُلهم منه عنوان هذا الحوار، الذي تناول سيرة أربعة عقود أمضاها كنان من حياته موسيقياً منذ سنوات عمره المبكرة كعازف متدرب للكمان، ومن ثم الكلارينت، وهي عقود تخلَّلتها تقلباتٌ وأحداث كُبرى ساهمت في تشكيل منجزه ومعتقداته وشغله الفنيّ، أحداثٌ منها ما هو ليس أقلّ من قيام الثورة السورية ومن ثمّ سقوط نظام الأسد، وكيف هزّ العقد الفائت على وجه الخصوص عوالمه بقوة.

بدأتَ تعلّم العزف في سنّ مبكرة، قبل مرحلة الدراسة الأكاديمية، كيف بدأت تتشكَّل في ذهنكَ صورةُ مكانٍ يحتوي عملية التعلّم والتمرين هذه؟

معهد الشبيبة كان معهدي الأول، داومتُ فيه نحو سنةٍ كمرافق إجباري لأختي ريمة التي تكبرني بثلاث سنوات، ثم انتقلتُ وأنا في السادسة إلى المعهد العربي للموسيقى الذي سُمّي لاحقاً بـ «معهد صلحي الوادي» نسبةً إلى مؤسِّسه. درست فيه مرتين أسبوعياً حتى صف البكالوريا، ثم دخلت بعد ذلك المعهد العالي للموسيقى بالتزامن مع دراستي لهندسةِ الكهرباء، اختصاص إلكترون.

من الصعب أن أحصُر الاستديو جغرافياً أو فكرياً في مكانٍ واحد. خلال هذه المرحلة التأسيسية لم تكن الموسيقى نشاطاً مستقلاً عن بقية الأنشطة التربوية والعائلية التي حرص أهلي على إشراكنا فيها. بدأت على آلة الكمان وكان الأستاذ ظافر سعيد – ومن بعده الأستاذ رياض سكر رحمهما الله – يأتينا إلى المنزل،  يُدرّس أبي نصف ساعة وبعد ذلك يُدرّسني. لم يكن لدي شغف حقيقي بآلة الكمان، وكوني أعسر زاد من صعوبة تعلُّم الآلة في البدايات. لكن ذلك لم يحوِّل  التجربة إلى استديو أو مشغلٍ بعد، بالمعنى الذي تطرحه هذه السلسلة.

في دروس الكلارينت في المعهد العربي، كنّا ستة أو سبعة طلاب في الغرفة نفسها. كان أستاذنا شكري شوقي، رحمه الله، ينهمكُ مع أحد الطلاب، بينما بقية الطلاب يعزفون نوتات متنافرةً في زوايا مختلفة من الغرفة. تخيّلي ستة أو سبعة طلاب كلارينت مبتدئون يعزفون في الوقت نفسه مزيجاً غريباً من الألحان غير المكتملة بينما يُحاول الأستاذ شرح فكرته لأحدهم. كان المعهد العربي ضيقاً، وكثيراً ما أُفكر فيما استطاع الناس فعله ضمن حدود المُمكن؛ كل أولئك الأساتذة عملوا في ظروف صعبة وضيقة. وكنت أستمتع بتلك الدروس.

تحدّثت في أحد اللقاءات عن دور خاص لـ«منوَر» البناء كمكان للتمرين.

لم يكن التمرين في البيت في البداية أكثر من واجب مدرسي إضافي، ولكنه تحوّل مع الوقت إلى شيء ممتع مع تحسّن قدرتي على إصدار صوت جميل من الآلة. الكلارينيت، مثل أية آلة أخرى – ربما باستثناء البيانو – قد تأخذ زمناً طويلاً من التدريب لتحصلي على صوت تستَسيغينه، أول ثلاث سنوات، كان الصوت الذي يخرج من الكلارينت كارثياً: بشعاً، تُزقزق الآلة وقد «تصرعُكِ» و«تصرع» الجيران والعائلة على السواء! أنا شاكر جداً لأمي وأبي اللذين أعطيانا، أنا وأختي ريمة، المجالَ لنقضي وقتاً مع الآلات. لم يكن الأمر «خلّصْ وظايفك وبعدين تمرّن» وإنما كان التمرين بأهمية كتابة الواجبات المدرسية. أتاح لنا ذلك أن نُمارِس الموسيقى في عمر صغير جداً، وأن نعزِف للضيوف مع الأهل في فرقة عائلية، وهو ما تحوّل مع الزمن إلى طقس خاص. باختصار، علاقتي الخاصة مع الآلة هي نتيجة إصرار وصبر أسرتي.

هنا يأتي دور المنوَر، ولا أريد إعطاءَه أكبر من حجمه.

بعد أن أصبح صوت الكلارينت جميلاً بعض الشيء، كنت أتمرّن في البيت، وفتحتُ باب المنزل قليلاً وأذهلني صوت الكلارينيت بتردّده الطويل  في أرجاء منوَر البناء، وكأنني اكتشفتُ بالصدفة هذا «الاستديو»، إن شئتِ. لم يعُد التمرين هو الغاية، فلقد مسَّني شيءٌ أكثرُ عمقاً وجمالاً، وصرتُ أتمرن أكثر جانب باب المنزل المفتوح، كنت أعزف لنفسي، لا لأحد.

وبعد ذلك بعدة سنوات، سمعتُ أحد الجيران يفتح بابه، فتوقّعتُ أن أسمع: «حبيبي…صرعتنا». ولكنّ ذلك لم يحدث، وإنما سمعتُ صوت كرسي يُجَرّ، ليجلس ويسمع. كانت هذه الحركة البسيطة نقلة مهمة جداً بالنسبة إليّ. ربما أُعطي اليوم هذه الأشياء أكثر من قيمتها، لكنها كانت بمثابة «تربيتة على الكتف».

الكلارينت آلة موسيقية حميمة، لقربها من طابع الصوت البشري، وأيضاً بطبيعتها الفيزيائية: أن يُمسك المرء الآلة بيديه، وأن يكون جزءٌ منها على تماسٍّ مباشر مع الفم. أثناء العزف أنا أشعر بالصوت في وجهي قبل أن يخرج إلى العلن. هذا الشعور الحميمي مع الآلة ما زلت محتفظ به منذ الطفولة، أنفخ فيها فيخرج منها صوتٌ يحمل أفكاري. علاقةٌ بدائيةٌ جداً، وعميقة جداً بين الآلات والبشر: كأنّما أنفخ فيها فأمنحُها الحياة.

من أهم ذكرياتي الموسيقية حادثةٌ وقعت وأنا في العاشرة من عمري تقريباً، عندما كنت أتدرب مع الأوركسترا السورية وقائدها الأستاذ صلحي الوادي، رحمه الله، مؤسّس المعهدين والفرقة السمفونية، تضمّنَ البرنامج مختارات من «الفصول» لتشايكوفسكي، اسم الأولى «تشرين الأول» والثانية «حزيران». وأعضاء قسم الكلارينيت في الفرقة هم اثنين: ابن عمي جابر العظمة وأنا. كان مقرراً أن أعزف أنا لحن مقطوعة «تشرين الأول» بشكل إفرادي وبمرافقة الأوركسترا، ولكنني كنت قد جئتُ إلى البروفة غير متمرّن، فأكلتُ «خناقة» من الأستاذ صلحي، ولم يعُد يُجدي إعادة العزف والمحاولة. انتهت هذه الجولة الخاسرة بتوبيخ علني وإعلان الأستاذ صلحي: «روح عالبيت وتمرّن ». لم يكن الشعور جميلاً: التوبيخ العلني أمام بقية أعضاء الفرقة.

عدت إلى البيت مكسور الخاطر، فقال لي أبي: «طلّع كلارينتك واعزفها وأنت عم تتمشى بالبيت وضلّ عيدها». وأتذكَّر جيداً أن أهلي يومها كانوا يستضيفون بعض الأصدقاء على العشاء، وكانت في البيت حركة وضجة، كنت أتمشى في البيت وأعزف. وفي لحظة ما دمِعَت عيناي، تلك كانت أول مرة تلمِس فيها الموسيقى شعوري وتحرِّك عواطفي. ذلك اللحن مسّني يومها، وإلى اليوم، بعد كل هذه السنين، وفي كل حفلاتي، أعودُ إلى هذا المكان في ذاكرتي: كيف يمكن للحنٍ بسيط أن يُحرّك ولداً في العاشرة. لا علاقة لهذا بالدراسة الأكاديمية، وإنما بإحساسي يومها بأنني قادر على التعبير باستخدام هذه الأداة البسيطة من الخشب والنحاس. اليوم تستحوذ عليّ فكرتان: هل أستطيع أن أحرّك نفسي عاطفياً بما أفعله؟ وإذا كان في داخلي شيءٌ أريد قوله، هل أستطيع أن أحوِّله كلَّه ليمُرَّ عبر الكلارينت؟

الكلارينت ليست غايةً بذاتها، بل وسيلتي لأتخاطبَ معك ومع الناس ومع نفسي، وطريقةٌ لأفهم نفسي أكثر. كان يُمكن أن تكون آلةً أخرى، أو رياضةً، أو كتابةً، وأن أكون على علاقةٍ طيبةٍ بنفسي حتى حين ألعب كرة القدم أو أعمل في الأرض، لكن الألفةَ التي تنشأ مع الآلة التي أعرِف كل تفاصيلها، وأحسُّ بكل زرٍّ فيها، ولستُ مضطراً إلى أن أنظر إليها، وأتنبأ بردّات فعلها، هذه الحميمية لا تزول، لأنني أعزف منذ 43 عاماً؛ أنا اليوم في الخمسين، وبدأتُ في السابعة. الآلة هي وسيط، نعم، ولكنها وسيطٌ بقي معي 43 سنةً.

«بابل صغيرة» في المعهد العالي للموسيقى

في فترةٍ لاحقة استكملتَ دراستك في المعهد العالي بالتزامن مع دراسة هندسة الكهرباء، هل بدأت صورة المكان، المشغل، تتشكَّل بصورةٍ أوضح؟

لم تكن لي علاقة خاصة بالمعهد العالي كمكان قبل أن أصير طالباً فيه؛ كنتُ آخذ دروساً فيه فقط، ثم دخلته طالباً عام 1993. ما إن صرتُ طالباً حتى صارت خياراتي أوضح: كلما توفَّرت لي ساعةُ فراغٍ بين محاضرات الهندسة، كنت أستقلّ ميكروباصاً إلى المعهد، ولو لأشرب فنجان شاي في الكافيتيريا مع عدد لا ينتهي من الأصدقاء، طلاب وفنانين وزوار. كان المعهد العالي أشبهَ بنقطة ثقلٍ جاذبةٍ في يومياتي.

لم يكن ذلك بسبب الموسيقى وحدها، بل بسبب الرفقة أيضاً؛ فمعظمُ صداقاتي في المعهد العالي كانت امتداداً لصداقاتي في المعهد العربي. كان المعهد العالي جزيرةً فريدةً ضمن واقع البلد المعروف، النقاشات والأحاديث، التي كان معظمُها خارجَ إطار الموسيقى، لم تكن متوافرة في أماكن أخرى. وربّما يقول خريجو كلية الفنون والعمارة الشيء نفسه: تُوفِّر أجواء الدراسات الأكاديمية المرتبطة بالفنون قدراً من الحرية لم أكن قادراً على استكشافه كطالب جامعة، فكانت غرف المعهد والكافيتيريا مركز الثقل الأساسي، وبدايةً لكثير من مشاريعَ ونشاطاتٍ لاحقةٍ. قسم كبير من علاقات التعاون الطويلة الأمد التي أُمارِسها اليوم هي مع أشخاص تعرّفتُ إليهم خلال دراستي في المعهد العالي للموسيقى.

في تلك الفترة، حضرتَ كعازف في عروضٍ رسمية مثل افتتاح دار الأوبرا، وكنتَ شريكاً كذلك في تجارب مثل «كلنا سوا». هل كان هناك ما هو مختلفٌ في موقعك بين التجربتين؟

لم أكن أفكِّر يوماً في هذا التقسيم، وهذا له علاقة وثيقة بفلسفتي الموسيقية بشكل عام. لم أقبل يوماً تقسيم الموسيقى إلى أكاديمية وشبابية، أو جاز وكلاسيك، ونظرتي الموسيقية منفتحةٌ كلياً على كلِّ تجارب العالم الموسيقية، على تنوعها واختلافها. أذكُر افتتاح دار الأوبرا عام 2004، أُقيمت أربع حفلات، وشاءت الصُدف أن تكون حفلات فرقة «كلنا سوا» في مدينة المعارض خلال الأسبوع نفسه. سرّني جداً أن أتواجد يوماً كعازف كلارينيت منفردٍ مع الفرقة الوطنية السورية، ببدلةٍ رسمية سوداءَ وربطة عنقٍ (بطّلت ألبسها اليوم)، في حفل موسيقي كلاسيكي أمام جمهور يجلس بصمت؛ وأن أحضر في اليوم الذي يليه، كعازف ساكسفون أمام جمهور أصغرَ عمراً بكثير، يرقصُ ويُغني مع الفرقة. لم أنظر يوماً إلى النشاطين كنقيضينِ، جزءٌ من ذلك عائدٌ إلى أنَّ تنشئتي الموسيقية لم تقتصر على المعهد، بل بدأت من المنزل. الموسيقى بالنسبة لي هي أيُّ موسيقى قادرةٍ على أن تلمِس روحك، وكلُّ الموسيقات جديرة بالاهتمام والاستكشاف والممارسة.

هذه العلاقة بين الرسمي وغير الرسمي لا تزال معي حتى الآن. قد أكون في جولة أعزف في كارنيغي هول في نيويورك أمام ألفي شخصٍ، وقد أعزف في نادي جاز أمام بضعة أشخاص في المدينة نفسها في اليوم الذي يليه. لا أنظر إلى النوعين بطريقة مختلفة؛ هناك جمهور يحضر، وهناك موسيقى أقدِّمها وأنا مقتنع بها، والشرط في الحالتين هو أن أقدّم شيئاً يشبهني، وأن يكون صادقاً ويمسّني عاطفياً، وإلا فأكون كاذباً، أبيعُ الناس وهماً. ربما تكون الحدود في سوريا أوضح بين ما هو فضاء رسمي وآخر مستقل، لكنني في الحالتين لم أكن أفصل بينهما. حتى في الفضاء المستقل الأضيق بكثير، كان عندي حرص – لم يكن بالضرورة ناجماً عن وعيٍ حينها – على أن أعزف موسيقى لكل الناس؛ حتى لأولئك الذين يظنون أن الموسيقى الأكاديمية ليست للجميع. هذا الفصل لم أكن أنتبه إليه أصلاً.

ألّفت مقطوعةً عام 2018 بعنوان «كافيه داماس»، عن مكانٍ لم تعرِفه، لأنه متخيّل، مقهى في الشام، في الخمسينيات. أيُّ مكانٍ هذا؟

أحاول أحياناً أن أُعيد التفكير في جوهر عملي: ما هي مهنتي؟ أنا أؤلف موسيقى وأسافر لأقدّم موسيقاي أمام جمهور مختلف في عشرات البلدان المختلفة. هذا هو شكل المهنة العام، ويسرّني أن أرى توافق هذا مع حلمي منذ الصغر، الذي أثارَ اهتمامي مبكراً، وهو مفهوم «الموسيقي الجوّال»، الذي كان عاملاً أساسياً في اختياري للكلارينيت بعمر السابعة لسهولة التنقل بها. لكن في العالم موسيقيون عدة يعزفون في المكان نفسه يومياً ضمن برنامج ثابت، وفي سوريا هناك أمثلةٌ عدةٌ على ذلك في المقاصف والمطاعم؛ فرقة موسيقية تُقدِّم البرنامج ذاته كل يوم في المكان نفسه. فحينَ ألّفتُ «كافيه داماس» كنت أفكر في اختلاف تلك العوالم: عالم الموسيقي الذي يذهب ليستكشف العالم، وعالم الموسيقي الآخر الذي يؤدي العمل نفسه يومياً، فيتعرّف العالم على بلده أكثر. أنا، رغم أنني أعيش في نيويورك منذ 25 سنة، أعرفها قليلاً جداً مقارنةً بمن لم يغادرها، لأنني دائم السفر بحكم عملي. والأمر نفسه ينطبق على دمشق التي غادرتها بعد سنوات الدراسة مباشرةً، ولم يكن لي فيها أيُّ عمل ثابت.

حين كتبتُ القطعة تخيّلتُ مقهى في دمشق. ذكرتُ الخمسينيات، لأنني أردتُ أن أتخيل فرقة ما زال أفرادها أحياء ويعزفون الموسيقى نفسها، بينما العالم كله يتغيّر من حولهم، وكيف تطورّت علاقةُ أفراد الفرقة ببعضهم خلال أكثر من خمسين سنةً من العمل المشترك، وكيف يتغيّر المحيط كله. هذه الحياة لم أعشها. وفي عام 2018 لم أكن قد عِشتُ في مكان واحد طوال عمري، فعندي نوستالجيا لما كان يمكن أن تكون عليه حياتي لو عزفتُ مع فرقة تقليدية كل يوم عرضاً من السابعة إلى التاسعة مساءً، ثم عاد كل واحد إلى بيته. نوستالجيا لحالةٍ لم أعشها.

معظم موسيقاي، قبل الثورة وبعدها، كانت لها علاقة بعواطف لم أختبرها. وأفكر في عملية الخلق الفني بهذه الطريقة: إما أن تحاولي توثيق مرحلة عشتِها، أو أن تعيدي خلق العالم بطريقة مختلفة كما تحبينَ. والاحتمال الثالث، الذي كان الأقرب إليَّ، هو أن تجعلك الفنون تختبرين عواطف لم تختبريها في الحياة، وأن تأخذك إلى مجال فكري وعاطفي أكبر من المتاح. ولهذا لعملي ارتباطٌ عضويٌّ بما هو متخيل، وهو ليس بالضرورة خيالياً بالكامل، بل حقيقيٌّ لناس آخرين. كنت أريد أن أكتب موسيقى تجعلني أفكر بطريقة مختلفة أو أشعر بطريقة مختلفة، وهذه القطعة واحدة منها.

«كلُّ صباحٍ هو صباح حزين»

قامت الثورة السورية قلبت البلاد وحياة الناس، حتى المغتربين. كيف استقبلتَها، وكيف بدأتَ تُفكِّر، تدريجياً، بالتفاعل معها كموسيقيّ؟

عودةً إلى الفكرة التي طرحتها قبل قليل، وهي أن أمامك احتمالين: أن تُوثّقي، أو أن تختبري من خلال الفنون عوالم أخرى لم تعيشيها في الواقع. كان مُجمَل نتاجي الفني قبل الثورة على علاقة بالمتخيّل، كان قراري الشخصي أن أختبر عن طريق الفنون عوالم وعواطف لم أعشها. بدأت الثورة وأنا في نيويورك، واختبرتُ، وأنا أتابع ما يجري، عواطفَ لم أَختبرها من قبل ، فانتَفت بالنسبة إليَّ الحاجة إلى الفن. موسيقاي لا كلام فيها، وعادةً ما تسبقها مرحلة طويلة من الإعداد والتفكير والتأمل. تطلب مني الأمر وقتاً طويلاً لأجلس وأفهم ما الذي يحدث، لا أقصد سياسياً، إذ كان ذلك واضحاً. كنت أتابع مثل كلِّ الناس، لكن حصلت لي حالة من الشلل الموسيقي استمرّت قرابة عام. أفكر اليوم أنَّني لو كنتُ كاتبَ أغنية، لربما كانت العلاقة  أكثرَ استعجالاً: تخرج الأغنية كردّةِ فعل سريعة ومواكبة، ويشعر المرء أنّه جزءٌ مما يحدث. لقد بقيتُ سنةً لم أؤلّف فيها قطعة جديدة واحدة.

ثم في آخر سنة 2011 كتبتُ قطعةً اسمها «A sad morning every morning»، اخترت العنوان لأنه يُمكن أن يُقرأ أيضاً: «Assad morning every morning» كانت قطعةً صغيرةً لكلارينت منفرد، ذكّرتني هذه القطعة بأهمية تمسُّكي بصوتي الحرّ. تعرّفت من جديد على نفسي، وأيضاً تعرّفت على محدودية العمل الموسيقي، إذ أدركت أن الموسيقى قد لا تُوقف قتلاً، وقد لا تأتي بديمقراطية وقد لا تُحرِّر معتقلين، لكنّها قد تمسّ من يسمع وتُشعِره بإنسانيته أينما كان، وقد تُوجّه انتباه غير المنتبه فتُوقِظه.

حملَت كثيرٌ من القطع التي ألفتها في تلك الفترة أسماء مدن سورية، وارتبطت بأحداثٍ بعينها. ورغم تعدُّد الأنشطة، كجولاتٍ فنية تحملُ طابع المناصرة أو تُساهم بجهود إغاثية، وهو ما فعله كثيرٌ منّا. لكنني كمؤلف موسيقى بقيتُ لفترة طويلة رهينَ المجزرة السورية، فلعدةِ سنوات لم أكن قادراً على أن أكتبَ عن أيِّ شيء آخر.

في فترة لاحقة حوالي 2019، حاولت أن أفكرَ بطريقة مختلفة قليلاً: كل هذا التّوق إلى الحرية الموجود لدينا جميعاً، يُتيح لي أيضاً أن أحافظ على حريتي، فلا نكون جميعاً أسرى أو رهائن للمجزرة أو للدكتاتور، فبدأت أكتب قطعاً بأسماءَ ومعاني أكثر تجريداً: مثل «كلارينت كونشرتو»، و«كونشيرتينو غروسو» وهدفُها أن أعيد علاقتي بالكلارينت والمتعة الموجودة في هذه العلاقة الصِّرفة دون حكاية، أو أن أرى إن كنت أستطيع أن أحكي قصةً أخرى.

هل خشيت أن يُقيّدك سؤال الجدوى، أن يُعجزك عن العمل شعورُك بأن أثر ما يُقدِّمه المرء من إنتاج فني صغير أمام ما يجري؟

أنا شخص متفائل بطبعي، وأفكر أن من أساسيات الحياة في تصورُّي أن تقدّمي أفضل ما لديك بمعزلٍ عن الوضع المحيط، أن تكوني أفضل نسخة من ذاتك، وأن يكون عملُك صادقاً، وأن تتعلَّمي الإصغاء. شعرتُ أنّ هناك إمكانية حقيقية لتحويل الموسيقى إلى أداة تُساهم في الجهود الإغاثية ونشر الوعي. هذا جعلني أؤمنُ بجدوى ما أفعله. وحتى لو كان كلُّ هذا صغيراً ومحدوداً، فإنني آمنت بأنه يبقي أشدُّ أثراً من الصمت والانعزال. عرفت أنّه ليس من خيار آخر سوى أن أستمر.

المدينة الثالثة، المدينة المطاطية

عام 2013 أصدرتَ ألبوم «إلاستيك سيتي». هل له علاقة بالظرف الزمني؟ من أي مكانٍ في خيالك أتت هذه المدينة؟

وُلِدت فكرةُ «إلاستيك سيتي» في عام 2008، وهي لحظةُ ولادة الفرقة التي صار اسمها «كنان عظمة سيتي باند». حين بدأتُ المشروع كنت أُفكر في ثيمة المدينة؛ كل مشاريعي الموسيقية كانت في دمشق: الفرقة الوطنية السيمفونية، و«كلنا سوا»، وفرقة «حوار» في دمشق مع عصام رافع وديمة أورشو. وكنت أعتبر أن تأسيسَ فرقة جديدة في أميركا فيه خيانةٌ للفرق الأصلية في الوطن الأم. ثم تطوّر تفكيري ليستقر ويتعايش مع فكرة أنني أعيش في مدينتين: دمشق ونيويورك، وأتصرّف في كلٍّ منهما بشخصية مختلفة؛ «بالشام أنا نيويوركي، وبنيويورك أنا دمشقي». فالفكرة: المدينة الثالثة، كيف شكلها، وما طابعها؟ هل هي في النهاية مزيجٌ – رغم أنني لا أحب كلمة مزيج – بين الموسيقات؟

«إلاستيك سيتي» مدينة متخيَّلة، وفكرة المدينة المطّاطة لها علاقةٌ بالهوية المطّاطة، ليس بمعنىً سلبي: كلنا  نحاول أن نمُطّ هويتنا ونوسّع اهتماماتنا بشكل طبيعي. في عملي مع الموسيقيين النيويوركيّين (وهم من كل بقاع العالم) كنت أسعى أولاً إلى استكشاف نيويورك، وثانياً إلى أن أحوّل علاقتي بالمكان إلى شامي في الشام ونيويوركي في نيويورك بلا تعقيدات في التعريفات، وهذه الصيغة ما زلتُ أحاول المحافظة عليها: كيف أكون محلياً أينما ذهبت. وهناك تحدٍّ جديد: كيف أكون الموسيقي المحلي في سوريا بعد انقطاع 15 سنة.

العودة إلى «المنزل»

يقودنا ذلك إلى المحور الأخير، العودة – فنياً – إلى سورياً، في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024 وقع الحدثُ الذي قلب البلاد وحياة الناس مرة أخرى، كيف استقبلتَ سقوط نظام الأسد؟

هذا موضوع يتشابك فيه العام والخاص. سبَق السقوط زيارتان قصيرتان لي إلى سوريا، اقتصرتا على زيارة العائلة ودونَ إقامة أنشطة موسيقية، كنت في قلب دوامة شملت سوريين كُثراً، أيُّ مخاطر سأواجهها لدى النزول؟ تفقد الاسم على الحدود، القصة السورية التقليدية، كنت مشغولاً بفكرة وجود أهلي في البلد ورغبتي في رؤيتهم. سرق النظام منّا البلد، ولم أكن أريد أن أُحرم كذلك من رؤية أهلي.

ليلة سقوط النظام، كنتُ في المستشفىً قرب أبي، الذي كان يُصارع السرطان، نتابع ما يظهر على التلفاز بعين متعبةٍ. أخبرت أبي أنّ النظام قد يسقط في أيِّ لحظة على ما يبدو، نظر إليّ وقال، وقد أنهكه المرض: «هذا وقتكم، شوفة عينك، ما فيني ساعدكن». سقط النظام ليلاً في أميركا، ونزلت وحيداً، بعد أن غفا والدي إلى بار صغير قريب من المستشفى،  تحدثتُ مع أصدقائي وبكينا مئة مرة على التلفون، بعد هذه النصف ساعة التي جلست فيها في البار، عدت إلى المشفى إلى جانب والدي. تُوفي أبي بشار العظمة في اليوم التالي، في 9 كانون الأول (ديسمبر).

منعَني التوقيت من الانضمام إلى كثيرين ممّن سافروا إلى سوريا على الفور، في يوم الجنازة اختلطت كلُّ العواطف ببعضها؛ دفنُ الوالد في نهار باردٍ ومثلج في كليفيلاند-أوهايو أختلط بذكريات قديمة عن أرضنا الصغيرة في جسرين في غوطة دمشق، التي زرعها والدي مع جدي وأعمامي. أبي عاش حياة طويلة وسعيدةً، وفياً لقناعاته، ويُـثلج صدري أنّه عاش ليرى سقوط نظام الدكتاتور، ولو ليوم واحد. وأنه آن وقتنا، كما قال. انصرف اهتمامي للعناية ببقية أفراد العائلة، بأمي وأختي، وسمحت لنفسي أن أضع الهمَّ السوري جانبا لبضع أسابيع.

ذهبتُ إلى سوريا أول مرة في نيسان (أبريل) 2025، وبقيتُ قرابة الشهرين، خلال هذه الزيارة عزفتُ لأول مرة في سوريا بعد انقطاع دام 15 عاماً، أقيمت الأمسية في المتحف الوطني لذكرى المغيّبين قسرياً. لم يكن الحضور احتفالياً، بل حمل طابعاً تأملياً وتذكرةً بمصاب الألوف من السوريين. وخلالَ الزيارة نفسها أيضاً، دُعيت للمشاركة في أمسية موسيقية ارتجالية مع الصديقة ميسم جلال، شعرتُ خلالها أنني أعرف نصف الجمهور، وأنّ الألفة تُشبه إلى حدٍّ كبير ما كان قبل عشرين سنة، رغم المصاب. هذا التنقل السريع بين  الفضاءات الرسمية والخاصة أشعرني بأنني فعلاً قد أكون موسيقياً محلياً في البلد، مثلما أردت دائماً.

بين المؤسسة المستقلة والمؤسسة الرسمية

في حفلَي مؤسسة «اتجاهات» الأخيرَين رجعتَ إلى دمشق وحلب، أي أهمية يحملها – بالنسبة لك – العمل مع مؤسسات مستقلة في هذه الظروف؟

كانت لدي دائماً رغبةٌ حقيقيةٌ في أتمكّن من تقديم عرض في سوريا مع الفرقة التي أسّستها وأعمل معها منذ 22 سنة في نيويورك، لا كحفلٍ ذي معنىً رمزي، بل كعملٍ فنيٍّ متكامل الشروط يحترم المتلقي السوري مثل أيَّ عمل أُقدِّمه في مكانٍ آخر حيث أجول منذ 15 سنة، كان ذلك يخلق نوعاً من الحسرة لديَّ، إذ إنني لطالما أردت تقديم أحد هذه العروض للسوريين وفي سوريا. تعاونت جهات عدة على إقامة هذه الجولة، منها مؤسسة «اتجاهات ثقافة مستقلة»، ومؤسسة «مدنية»، والسفارتان النرويجية والفرنسية، وتجمُّع «كراسي»، و«حجرة ورقة مقص» كمُنتِجٍ محليٍّ، وتمكنّا من تقديم جولة موسيقية مع ثلاث حفلات في دمشق وحلب، أُقيمت على هامشها ورشات تدريبية موسيقية. تعاوني مع مؤسسة «اتجاهات» هو نتيجة طبيعية لإعجابي بعمل المؤسسة على مدى 15 سنة من عملها الدؤوب في المجال الثقافي السوري، ولمحاولتي أن أنشر بطريقتي جزءاً من رؤيتها، وأيضاً لمشاركتها باحتفالاتها بعيدها الخامس عشر في دمشق.

أنا ببساطة أؤمن بدور المؤسسات الثقافية المستقلة وأحاول التعاون معها بشكل مستمر، هذا لا يعني أنني أرفض المؤسسة الرسمية، أنا أؤمن أن الوسط الثقافي الصحي والسليم هو وليدُ تنافس إيجابي وتعاونٍ حقيقي بين المؤسسة الرسمية والمؤسسات المستقلة، وقد آن الأوان برأيي أن يتوحّد الهدف المركزي للمؤسسات الثقافية الرسمية والمستقلة، ألا وهو حفظ وحماية الحرية الفكرية التامة للفاعلين الثقافيين، وتوفير الدعم والحماية الحقيقيَّين لهم على كل الأراضي السورية ولكلِّ السوريين.

قاطعنا المؤسسة الرسمية لمدة  15 سنةً، ولكن في الوقت نفسه قاطعنا أيضاً السوريين الذين يستمعون للموسيقى، قاطعنا طلاب الموسيقى، وقاطعنا جيلاً كاملاً من الموسيقيين السوريين الذين بقُوا في البلد. هل أنا نادم على ذلك؟ ربما، لا أعرف. هناك أسئلة بلا جواب: هل كانت هناك طرقٌ أخرى يُمكِن للمرء من خلالها أن يتواصل ويُقدِّم شيئاً ملموساً، ولو كان التواصل مع أفرادٍ مباشرة؟ لا أعرف صراحةً. ولكنني اليوم أنا لدي رغبةٌ حقيقيةٌ في التعاون مع الجميع، لأن الحياة الثقافية السوريّة محتاجة إلى الجميع.

لا يسهُل اتّخاذ قرارٍ بهذا الشأن، في ظلّ واقعٍ تبدو فيه أنظمةُ الاستبداد مولعةً بتوظيفِ مساحات الفعل الفني والثقافي في خدمة دعايتها.

لهذا أشعر أننا جميعاً بحاجة إلى إعادة التفكير في تصوّرنا عن أنفسنا كفاعلين ثقافيين، مع أنني لا أحبُّ هذا التعبير كثيراً، أن نكون أكثرَ حريةً في التصرف ما دمنا نملك القناعة بأنّ لدينا ما نُقدِّمه. تأثرت كثيراً بالورشاتِ التدريبية التي أُقيمت في حلب ودمشق، وتعرّفتُ إلى موسيقيين سوريين ذوي مستوى مذهل: منهم من سافر ثم رجع، ومنهم من بقي لكنه كان يُعلّم نفسه بنفسه. أن تجدي لدى أشخاصٍ – رغم 15 سنةً من السفر والحرب والكوارث –  شغفاً بأن يُمسكوا آلة ويتعلّموا العزف عليها بجدية، يجعلكِ تدركينَ أنك على أرضٍ طيبة جداً. في الورشات التدريبية تسمعين الناس، ماذا تعمل وبماذا تفكر. المستوى عالٍ جداً ومُفرِح؛ كان هناك طلابٌ في المعهد العالي، وآخرون لم يدخلوا أيَّ مؤسسة أكاديمية، وكان المستوى عالياً جداً في الحالتين.

بعد ورشة العمل التي أقمتُها في المعهد العالي قبل بضعة أشهر، اخترتُ لهذه الزيارة أن تكون الورشة التالية خارج المعهد العالي لأفتح مجالَ المشاركة لغير الأكاديميين، وكانت فرصةً جميلةً لي لأعودَ وأُشكِّل من جديد علاقة قوية بالوسط المحلي من خلال الحفلات الثلاث ومن خلال ورشات التدريب في«منزول» في دمشق وفي «كراسي» في حلب. لن أقول في كلِّ سوريا، لأنني ذهبتُ إلى حلب والشام فقط، وأعتبر ذلك الخطوة الأولى لمن يريد أن يُقدّم شيئاً في البلد. الحفلات مهمة طبعاً، لكن أكثر ما يحتاجه البلد اليوم هو نقلُ المعرفة إلى غيره.

ختاماً للحوار ولمحورِ العودة، في أكثر من قطعة ألفتها، حضر المكان، في عنوان القطعة أو في سيرةٍ للمكان وما أردت رويَه، وبه بدأ الحديثُ. ما الذي تغيّر الآن في تقديم هذه الموسيقى المرتبطة بالمكان، أمام مستمعين غبت عنهم طويلاً؟

كتبتُ خلال عشر سنين من الثورة قطعاً كثيرة عن أماكن. مثلاً «درعا» والتي تحمل لحن التظاهرات الأولى، وأخرى بعنوان «جسرين»، وهي أرضٌ في الغوطة لجدّي وجدّتي، كنت حين أُقدمها  لجمهور غير سوري أحكي لهم عن المكان وعن علاقتي به: أُخبرهم أنّ جسرين هي المكان الذي زرعتُ فيه شجر المشمش في صغري، وأُخبرهم أن سقي شجر الجوز ليلاً كان من أكثر ما ربطني بمفهوم المواطنة العريض، كما أنني أخبرهم عن حصار الغوطة، وعن ضربة الكيماوي. أُخبرهم كل ذلك، ولكن كيف لي أن أُقدِّم المقطوعة ذاتها لأهل البلد الذين يعرفون كل هذه القصص؟ عندما أدّينا مقطوعة «جسرين» في دمشق في جولتي الأخيرة، تهيّبت قليلاً من سرد القصة، وجاءَني خاطر وحيد: «لو في احتمال واحد بالمية يكون في حدا من جسرين، هو يللي لازم يحكي عن جسرين، مو أنا».