عمر كوش كاتب وباحث
تناول عدد من الفلاسفة والمفكرين علاقة الإنسان بالأرض، وشكلت محور انشغالاتهم منذ أن تناولها فلاسفة الإغريق، وخاصة أرسطو، ثم خاض فيها فلاسفة عرب ومسلمون، مثل ابن سينا، الذي نظر في بعض ظواهرها وتأثيراتها على الناس، وتناولها كذلك عدد من الفلاسفة الأوروبيين في العصر الحديث، وقدموا أطروحات حول طبيعة الأرض وموقعها في الكون، وعلاقتها بالأشياء، وسوى ذلك. وشكّل التفكير بالأرض وبالمجتمع الأرضي محور اهتمام فلاسفة ومفكرين في القرن العشرين، بالنظر إلى ما فعله البشر بها، وأنتج تأثيرات واسعة باتت تهدد المجتمعات البشرية على هذا الكوكب.
غير أن الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي يقدم في كتابه “المجتمع الأرضي: تأملات في اليوتوبيا الأخيرة” (ترجمة خالد قطب، ابن النديم والروافد الثقافية، بيروت، 2025) رؤية فكرية عميقة للعلاقة المعقدة بين الإنسان والأرض، تُحدد جوهر مشكلتها في هشاشة الحياة البشرية، الناتجة عن الاختلالات في التوازن البيئي التي تسبب فيه البشر، وتخلص إلى ضرورة إعادة التفكير في النظام البيئي، الذي فشل في الحفاظ على علاقة تشاركية مع الكائنات الحية الأخرى، حيث لم يلجأ البشر إلى اجتراح أسلوب للعيش معها، وغاب عنهم فهم للحياة باعتبارها نشيطة، ومتحركة، ومفعمة بالحيوية، وتشاركهم الحق في التنفس. ومع ذلك، لا يزال هنالك أمل بأن تصبح الأرض التي يعيش عليها مجتمع البشر اليوتوبيا الأخيرة، التي تحتضن جميع الكائنات الحية من الإنسان إلى الحيوانات، والنباتات.
يستند مبيمبي في رؤيته إلى خلفية معرفية أفريقية للأرض والعيش، أنتجها مفكّرون أفارقة، ومستمدة من تقاليد الثقافة الأفريقية وإرثها التاريخي، تلك التي تنهل أساطير قبيلة البامبارا، وتنظر إلى الأرض بوصفها كوكبًا غير منته، يتجسد في هيئة كينونة تتشكل وتتغيّر باستمرار، وبالتالي، ليست الأرض التي يجترح مفهومها مكافئة للعالم، ولا تشير إلى الرقعة الأرضية أو التربة، بل إلى مفهوم يتجسد في قيمة الحياة المتجددة بشكل ذاتي، فهي غير قابلة للقياس، وتفلت من أي سلطة تحاول السيطرة عليها.
ينهض مفهوم الأرض على أن جسدها هو جسد حيّ ومتحرك، ومنتج للحياة، ومن دونه لا يتمكن البشر من الوجود. والأرض ليست شيئًا مجردًا، بل سلطة تحويلية، نستدل عليها من تأثيرها في الحياة وتأثرها بها، وتجسدها الدائم من خلال تعدد الأجساد المتحركة. ولكي تصبح مستودعًا رحبًا للحياة، فإنها تحتاج إلى طاقة الشمس المشعة التي تعكسها القارات، والمحيطات، والبحار، والغلاف الجوي، وأشياء أخرى. إنها ملاذ الحياة، ولولاها لكانت الحياة مهددة بالانقراض. وعليه، يجري البناء على تقاليد الزراعة والحصاد في الساحل الأفريقي، التي يستقي منها مبيمبي نظريةً يسمّيها “جدلية البذرة، والبذار، والإنبات”، القائمة على مفهوم تناسق البشر مع تقلّب الفصول، مع وفرة الأمطار، أو التصحّر، وما يعنيه ذلك من ضرورة أن تكون المجتمعات مرنة، وأن تغيّر من أساليب عيشها وفق تقلُّبات الأرض، وهو ما يبدو بعيدًا عن أسلوب العيش الشائع في العالم المعاصر.
من الضروري فهم الأرض على أنها اليوتوبيا النهائية، أو الأخيرة، لأنها في الواقع، بمعناها البسيط، هي وحدة حياة ومورد مادي اجتماعي يؤدي غزوها والاستيلاء عليها، وإعادة توزيعها وتنميتها، في كل مكان تقريبًا، إلى نشوء صراعات متعددة، وأحيانًا وجودية. فالأرض هي نوع من الخير الذي يثير الرغبة في نزع ملكية الآخرين ممن عليها لصالح شخص ما، وهذا بلا شك يسبب إراقة الدماء وإلحاق الموت باسم الدفاع عنها، أو سلبها، وينقل الحق في الحكم من دون أدنى تحفظ. وهو ما حدث بين عامي 1870 و1900، عندما استولت الدول الأوروبية على الأراضي التي استُعمرت في السابق.
يمثل البشر سكان الأرض بين كثيرين آخرين، معظمهم عابري سبيل عليها، وهم بالأحرى “أوصياء” ضمن سلاسل تضامنية بين الأجيال. وللأرض بعد غير مادي يميزها عن مجال الأشياء المتاحة للتملك، أو للاستحواذ الكامل، الأمر الذي يجعلها “شيئًا مشتركًا”، أو “مجتمعًا”. ويتوافق مع هذا المجتمع الأرضي عالمية أساسية لكل سكانها، إذ من غير الممكن القول إن البشر يمتلكون الأرض، لأنهم مواطنوها، حيث توفر لهم الأرض مكانًا لا يمكنهم تجاهله، ولهم الحق في المأوى، والحق في العيش في هذه الضيافة الأرضية.
إذًا، تتميز الأرض في أنها تتيح مجال العيش لكل سكانها، من دون تمييز على أساس العرق، أو النوع، أو اللون، فهي تسخر من كل ما هو خاص أعمى، ومن التفرد العاري، وتؤكد على أن كل جسد، بشري، أو غير بشري، مهما كان متفردًا، يحمل في داخله، وفي مسامه الجوهرية، آثار المشترك.
يتحدد جوهر المشكلة التي تواجه المجتمع الأرضي في هشاشة الحياة، الناتجة عن خلل التوازن البيئي من جهة نتيجة تدخلات الإنسان، والمعادن، وصولًا إلى الميكروبات، والبكتيريا، والفيروسات. وبالإضافة إلى البحار والمحيطات والسماء والمناخ والأجهزة التكنولوجية، والاصطناعية، أو بعبارة أخرى، يصبح البشر جزءًا أساسيًا من نسيج هذه الأرض. ومن شأن هذا التكامل الحيوي تجنيب البشر التداعيات السلبية على المستويات السياسية والاجتماعية والبيئية والبيولوجية.
يدخل المؤلف في نقاش جدلي مع الفكر الأوروبي، أو بالأحرى الغربي، فينتقده بشدة أحيانًا، ويتوافق معه في أحيان أخرى، لكنه لا يوافق على ما فعله الغربيون حين فرضوا على الكوكب الأرضي المركزية الأوروبية، التي فرضت خطابًا كونيًا من الأعلى على باقي الأرض، وهو خطاب يعترف كثير من المفكّرين الأوروبيين والبيئيين اليوم بأنه مسؤول، جزئيًا على الأقل، عن الكوارث والاحتلالات التي تعصف بالأرض وأهلها، وتجسدت في فقدان الموارد، وتدهور التوازن البيئي، وتهميش أغلب المجتمعات البشرية لصالح مركزية السردية الأوروبية.
بات المطلوب الخروج من هذه المركزية المنغلقة على نفسها، والسعي للاستنارة بطرق أُخرى للنظر إلى الأرض والعلاقات بين ساكنيها. ويشمل ذلك ضرورة الخروج من عدد من المفاهيم الأوروبية، كالهوية، والدولة القومية، والعقد الاجتماعي، والعرق، ومختلف أشكال العنصرية المختلفة، حيث إن مستقبل البشرية يتطلّب تجاوزًا لهذه الحدود المصطنعة، وفهمًا لحقيقة أن علاقة البشر بالأرض هي علاقة عابرين، وأن فكرة العبور هذه هي الحقيقة التي يتشكّل على أساسها الاجتماع البشري، أو المجتمع البشري، ويجب وضعها في خدمة الحقيقة، والعدالة، والمصالحة بين جميع أنواع الكائنات الحية.
في عالمنا المعاصر، يتفاعل رأس المال مع استراتيجيات القوة الناعمة، والتكنولوجيا الرقمية المتغلغلة في حياة الإنسان اليومية، مما يؤدي إلى تسارع وتيرة الحياة، وزيادة كثافة الاتصالات، وإعادة توزيع الأراضي، وتوسيع نطاق حركة السكان. فأن يكون الإنسان حيًا، أو أن يظل على قيد الحياة، أصبح يعتمد بشكل متزايد القدرة على التحرك بسرعة. وفي هذه العملية يصطدم الجنس البشري بحدود أرضية، لم تكن هذه الحدود فحسب نتيجة كروية الكوكب، بل كانت أيضًا قيودًا على توسيع الحياة في حد ذاتها. إضافة إلى ضرورة مواجهة إشكالية مستقبل الحياة المحتمل، وإشكالية مستقبل العقل والحرية، حيث ينبغي التعامل مع هاتين الإشكاليتين في وقت يبدو فيه أن الإنسان قد أدرك أنه إذا لم يكن هنالك تعديل كبير على كيفية إدارة حياته، فمن المحتمل أن تصبح أجزاء من الأرض غير صالحة للسكن في المستقبل القريب.
الحاصل أنه في تاريخ الحياة، كان الإنسان قوة ثابتة، وأحيانًا عمياء، حيث كان يظن أن عليه فقط أن يسيطر على قوة المياه، أو الرياح، أو المعادن، أو الوقود، أو المواد المشعة، لكي يحقق مشروعه المتمثل في الهيمنة العالمية. وكأن الخلاص على هذه الأرض سوف يأتي من خلال الآلة، تحت قيادة القسم الشمالي من الأرض، وقد سعى البشر بلا كلل إلى تحرير أنفسهم من البيئات الطبيعية والعضوية، بدلًا من إفساح المجال لها بشكل واع، ولم يلتفتوا إلى المفاهيم المتبادلة من التضامن والاعتراف بهشاشتهم المشتركة.