مواليد 1965 درعا. كتب في عدة صحف عربية. نشر دراسات في مجلة شؤون عربية، وله كتابان: القدس في القرارات الدولية، و”العلاقات العربية – الإفريقية”
غازي دحمان
تورّطت تحليلاتٌ عديدة في التوصل إلى نتائج غير منطقية عن اتفاق سوري إسرائيلي أمني، تحصل من خلاله إسرائيل على امتيازات، أقل ما يُقال عنها إنها أسطورية، من نوع نزع السلاح بشكل كامل ضمن نطاق مساحة تشمل مناطق جنوب سورية إلى أطراف العاصمة دمشق، وفتح ممرٍّ للقوات الإسرائيلية إلى مدينة السويداء، فضلاً عن منح الكرد حكماً ذاتياً، ومنع إعادة بناء جيش سوري جديد، والسماح بممر جوي لضرب إيران، مقابل احتفاظ الحكم الحالي بالسيطرة على السلطة في دمشق.
لم يجر التمييز هنا بين مطالب طرف في التفاوض، وغالباً ما يتم خلالها رفع السقف إلى أعلى درجة، وإمكانية تحقّقها، وهذه تكتيكات سياسية غالباً ما تمارسها الأطراف في لعبة التفاوض، بهدف تحقيق ما أمكن من تلك المطالب، مع إدراكها أن تحقّقها كاملة غير ممكن بسبب اصطدامها بعقبات كثيرة، منها مقاومة الطرف الآخر، وتدخل البيئات الإقليمية والدولية لمنع حصول هذه التنازلات، لما لها من تداعيات سلبية على المعادلات الإقليمية الراهنة وموازين القوى في المنطقة خصوصاً، وعلى المستوى العالمي بشكل عام.
ثمّة تشابكات وتعقيدات هائلة ضمن الخريطة الإقليمية، وداخل حسابات اللاعبين الإقليميين الأمنية، تقف في مواجهة المطالب الإسرائيلية من سورية، ذلك أن قبول السلطة السورية، أو رضوخها لقائمة المطالب الإسرائيلية، سيعني تحكّم إسرائيل بصناعة المشهد السوري المستقبلي، وما سيعنيه ذلك من تأثيرات مباشرة على الأمن الإقليمي ومصالح الفاعلين الآخرين، إذ ستتشكّل ديناميكياتٍ لن يستطيع أحد السيطرة عليها في الإقليم، ما يجعل إسرائيل الفاعل الأكثر تأثيراً من خلال امتلاكها أوراق قوّة تمكنها بالفعل من التحكم بالتفاعلات الجارية في الإقليم، وربما التحكم بمصائر دوله.
تريد إسرائيل استسلام السلطة السورية لمطالبها ورضوخها لجبروتها
كان واضحاً أن المطالب الإسرائيلية كانت تتضمن ما هو أبعد من إيجاد منطقة معزولة السلاح في جنوب سورية، أو تغيير قواعد الاشتباك بين سورية وإسرائيل، وكان الهدف الإستراتيجي الأبعد يتمثل في الحصول على سلام بلا خيول، أي استسلام السلطة السورية للمطالب الإسرائيلية ورضوخها لجبروتها، وتحويل هذا النمط من العلاقة إلى نموذج يُصار إلى تعميمه في المنطقة كلها، في استثمار علني لما تعتبره إسرائيل انتصاراً على محور إيران، وثمناً مستحق الدفع من دول الإقليم.
لكن لإسرائيل أن تطلب ما تشاء، وأن ترفع سقف مطالبها إلى حدود السماء، ولا سيما أنها ترتكز على معطيات تمنح مطالبها زخماً استثنائياً، من قبيل انهيار الجبهة السورية بعد تفكيك الجيش السوري وتدمير معداته، وأوضاع سورية غير مستقرة، واشتباك بين السلطة والمكونات في سورية، ووجود إدارة أميركية لا تبخل بمد حروب إسرائيل لوجستياً وسياسياً، لكن هل تستطيع رغم كل ذلك فرض ما تريده؟
اتضح من سياق المفاوضات بين وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني ووزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر أن الجانب السوري تعمّد إدارة الأزمة أكثر من التفاوض على مطالب إسرائيل، وحاول تحويل ضعفه إلى عنصر قوّة في إطار مناورة معقّدة ارتكز خلالها المفاوض السوري على معطيات سياسية من نوع عدم القدرة على تقديم تنازلات في قضايا جوهرية بصفته نظاماً مؤقتاً مهمته تسيير الأمور لا البت في القضايا الكبرى، بالإضافة إلى كون الشارع السوري لن يتقبل هذا النوع من التنازلات في هذه المرحلة.
باتت دمشق تتمتع بشبكة حماية إقليمية وازنة، تتكون من أطراف لديها تأثير فعلي بالقرار الأميركي
ويبدو أن إستراتيجية إسرائيل التفاوضية انطوت على ثغرة ساعدت المفاوض السوري على التملص من التورّط في اتفاق لا يحقق المصالح السورية، فقد قدمت إسرائيل مطالبها على أنها كتلة متكاملة يتوجب تنفيذها بالكامل، وأن أي رفض لأي بند من شأنه أن يجعل المفاوضات تنهار، والواضح أن الطرف السوري استثمر في هذه الثغرة، ورفض بند السماح لإسرائيل بفتح ممر آمن إلى السويداء، بحجّة أن هذا الأمر لا يمس السيادة السورية وحسب، بل ومن شأنه أن يجعل مسألة توحيد سورية أمراً مستحيلاً في المستقبل، بالإضافة إلى تداعياته على الجنوب السوري والتوازنات القائمة بين مكوناته، واحتمال تشكّل مقاومة جنوبية ضد إسرائيل والسلطة، وإمكانية عودة إيران فاعلاً وازناً في الجنوب.
انطوت استراتيجية السلطات السورية التفاوضية على اتباع موقف يعكس توازناً دقيقاً بين الاستعداد للانخراط في التفاوض مع إسرائيل من منطلق تغيّر الأولويات السورية في المرحلة الراهنة، وضرورة المحافظة على السيادة السورية، كون السماح بخرقها من شأنه أن ينعكس على وجود الدولة السورية ومستقبل التعايش بين مكوناتها، وهذا خط أحمر غير قابل للتجاوز، ولا يمكن إدراجه ضمن نطاق المجاملات مع الوسيط الأميركي، ولا الرهبة من التهديد الإسرائيلي.
من السابق لأوانه الخلوص إلى نتائج حاسمة في المفاوضات بين سورية وإسرائيل، سيما أن دمشق باتت تتمتع بشبكة حماية إقليمية وازنة، تتكون من أطراف لديها تأثير فعلي بالقرار الأميركي، مع عدم وجود ذريعة إسرائيلية منطقية يمكن لواشنطن التساهل تجاهها، وربما ساعدت شبكة الأمان الإقليمية لدمشق في وضعها ضمن نطاق المصالح الجيوسياسية الأميركية في المنطقة، وكان واضحاً تزخيم دمشق لعلاقاتها مع روسيا في إطار تحرّك الهدف منه إعادة صياغة التوازنات في المنطقة، ما من شأنه تخفيف حدة الضغوط الأميركية على دمشق، بل وعكس هذه الضغوط باتجاه تل أبيب.