من النادر أن نلتقي، على الرغم من أننا نقيم في المدينة الصغيرة التي اسمها اليوم اللاذقية، وكانت ذات يوم: لاوديسيا، راميتا، لاليش، أوغاريت، وفي الزمن الأموي صار اسمها: لاذقية الشام. هل سيعيد لها وزير الثقافة محمد ياسين صالح أمويتها، ويؤبدها فيها؟
أتحدث عن نزار هارون الذي أُحب، السنديانة التي بلغت الرابعة والتسعين، وصاحب الكتاب السيري “سورية التي عرفت” (2017)، والذي يفتتحه بفصله الأول والأطول: “صرخة الضمير”.
ينتمي “سنديانة اللاذقية” إلى أسرة تتربع في قمة الهرم الاجتماعي اللاذقي، وتعمل في الحقل العام منذ ثلاثة قرون، حين تولى مصطفى هارون في أعقاب فتنة 1805 منصب “تفنكجي”، أي رئيس قسم الشرطة، وعمل ضد إبراهيم باشا في انتفاضة القرى عام 1834. ومن هذه الأسرة عُرف عزيز هارون الذي آزر ثورة إبراهيم هنانو وثورة الشيخ صالح العلي ضد الاستعمار الفرنسي. ولا ننس عبد الواحد هارون، الذي ترأس حكومة اللاذقية عندما دخلها الكابتن دولاروش ممثلًا الجنرال الفرنسي غورو عام 1918. وقد أعلنت حكومة عبد الواحد هارون تبعيتها للأمير – الملك لاحقًا – فيصل في دمشق.
أخذت سيرة نزار هارون بعد الفصل الأول شكل الحوار بينه وبين معد الكتاب نعمان صاري. وفي هذه السيرة الكثير والمهم مما يخاطب سورية هذه الأيام.
الطائفية
يتحدث “سنديانة اللاذقية” عن المحاولات الفرنسية لإقامة دول ذات استقلال ذاتي على أسس طائفية، بموافقة من بعض القيادات في مختلف المناطق. لكن هذه القيادات – نقرأ – سرعان ما تخلت عن مشاريع التقسيم بفضل “الكتلة الوطنية” التي قادت العمل السياسي السوري طويلًا قبل أن تتحول إلى “الحزب الوطني”. وفيما يخاطب ما هي عليه محافظة السويداء منذ زلزلت زلزالها هذا الصيف، نقرأ لنزار هارون: “ولعلنا لا نغفل عن الظروف الموضوعية التي قد تغفر لهؤلاء تلك الزلّة المؤقتة، ومنها أن فكرة الوطنية السورية كانت حديثه العهد نسبيًا”.
كما يكتب أن سورية لم تعرف أي مظهر من مظاهر “الحكم الذاتي” بعد الاتفاق على الشكل النهائي للوطن السوري عام 1936، وبعد الجلاء. وفي حمأة الزلزلة السورية عام 2016 يرى الكاتب أن سورية “كانت ولا تزال دولة مركزية ذات حكم مركزي، بل شديد المركزية، ويشدّد على أن مبدأ الإدارة المحلية ذو مظهر شكلي أكثر منه حقيقة”. وقد أثبت صاحب “سورية التي عرفت” في نهاية الكتاب عددًا من الوثائق، منها البرقية التي أرسلها إلى الخارجية الفرنسية في 1936/7/2 عددٌ من شخصيات اللاذقية، مدينة وريفًا، وكانت طرطوس يومئذٍ تابعة إداريًا إلى اللاذقية. والبرقية تشكو إصرار من يمثلون فرنسا على تقسيم سورية على أسس طائفية ومناطقية، وتطالب بوحدة التراب السوري. وقد كان أكثر الموقعين كما جاء في تحديد طائفة كل منهم، من العلويين ثم المسيحيين، ومن السنّة تصدّر عبد الواحد هارون وزعيم “الشباب الوطني” أسعد هارون، والد نزار.
| يصف نزار هارون زمن كتابته لكتاب “سورية التي عرفت”، أي السنوات الأولى من الزلزلة السورية، بالمأساة التي حملت كل مظاهر الثورة، والحرب الأهلية، والصراع الإقليمي الدولي |
وفي هذا السياق يأتي ذكر الشاعر بدوي الجبل، فيعلّل نزار هارون ميل البدوي في شبابه إلى فرنسا بطموحه، ويشدّد على تعبير الشاعر من بعد عن ندمه مرارًا وتكرارًا، وعلى دوره في الكتلة الوطنية ثم في الحزب الوطني منذ عام 1936. ويكتب نزار هارون أن صنيع بدوي الجبل لا يؤثر “في تقييمنا له كشاعر من كبار شعراء العربية” إذ لم يكن “مفهوم الوطنية السورية” قد ترسخ. وفي هذا السياق كتب: “سورية كوطن مرجعي ونهائي هي فكرة وظاهرة حديثة، تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى. قبله، لا شك أنه كان ثمة تمايز ما للسوريين كجماعة، لكن ذلك لم يرقَ طوال سنوات إلى تشكيل كيان سياسي متميز، عكس ما لدى المصريين مثلًا الذين عرفوا نوعًا من الكيان السياسي الواحد منذ آلاف السنين”. ويربط نزار هارون ذلك بقبول السوريين في بداية تأسيس كيانهم الوطني بفيصل بن الحسين ملكًا، وهو غير سوري، وقبولهم كذلك بعد أربعين سنة بجمال عبد الناصر رئيسًا، وهو غير سوري. ويلقي المحاور نعمان صاري هنا بالسؤال/ القنبلة: “لا يوجد ما يمكن أن نطلق عليه الثقافة السورية، وباستثناء الشعراء نزار قباني وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة، فإن الروائيين والكتّاب والموسيقيين والمطربين الذين يتابعهم السوريون ويعجبون بإبداعاتهم هم غالبًا إما مصريون وإما لبنانيون”.
يبدو أن للمحاور شجاعة استثنائية حتى يطلق مثل هذا التعميم الذي سيقلصه نزار هارون إلى ما بين الأربعينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وسيقيّده بـ”ربما”، معللًا ذلك بأن سورية ممرٌ للغزاة والهجرات، ومعبر تجاري بين الشرق والغرب، وبالحرية في لبنان، ومع ذلك، تنقض أسماء كثيرة تعميم نعمان صاري، من أمير البزق ونجيب السراج إلى كوليت خوري ومطاع صفدي وجورجيت حنوش وألفة الأدلبي إلى فاتح المدرس ولؤي كيالي وسواهم كثيرون وكثيرات.
الوطنية السورية
عبر الحديث عن “الوطنية السورية” يتواصل ويتعمق ما في كتاب “سورية التي عرفت” عن الطائفية، وعن الانتخابات، مما يخاطب ما نحن فيه منذ سقوط النظام الأسدي.
وتتجلى في فكرة الوطنية السورية المرتكزات العقائدية لنزار هارون، من ارتباط هذه الوطنية بـ”الفكر العروبي” وبالإسلام بمفهومه الحضاري والثقافي. وكذلك حضور مبادئ المواطنة “والعلمانية التشريعية والإدارية التي عرفتها الدولة السورية الناشئة”. والرجل واحد من ذلك الجيل الذي نُعِت بجيل الخيبة – ماذا ترك إذًا لجيلنا، بل لكل الأجيال التالية! – والذي يسجّل بإكبار لمن سبقوا من جيل والده السياسي والوزير أسعد هارون، جيل “رجال الاستقلال” أنهم نقلوا التنافس إلى السياسة، بدلًا من المناطق والطوائف، وذلك من خلال الأحزاب السياسية والانتخابات البرلمانية. وهنا يعّجل القول بأن الزمن البعثي، وليس فقط الأسدي، قد شقّق الأحزاب، وعطّل الحياة السياسية، ومسخ الانتخابات، على النقيض من كل ما تقدمه حتى في الزمن الفرنسي، حتى إذا دوّى السقوط الأسدي، والتمع شهاب من بديل/ نقيض، أسرع انطفاء الشهاب، من الانتهاكات والتجاوزات الفردية -صدّقنا- إلى مجازر الساحل والسويداء والفزعات العشائرية والجهادية، إلى مؤتمر الحوار والإعلان الدستوري، إلى حمّى الطائفية والتقسيم والانتخابات الموعودة…
يتحدث نزار هارون في سيرته عن انتخابات عام 1948، وهي أول انتخابات بعد الاستقلال، حيث كانت اللاذقية مدينةً وريفًا دائرة انتخابية واحدة، وتوزعت مقاعدها الثلاثة في البرلمان لمسيحي وعلوي وسني، وقد فاز مرشحو الكتلة الوطنية. والأهم أن المرشح السني حصل على أغلبية أصوات الريف ذي الغالبية العلوية. والعلوي حصل على أغلبية أصوات المدينة ذي الغالبية السنية. أما في انتخابات عام 1951 فشكّل “قضاء اللاذقية”، أي الريف، دائرة واحدة فاز بها المرشح السني بغالبية الأصوات، كما شهدت دائرة بانياس الانتخابية مثل ذلك، وبعد ثلاثة أرباع القرن تقع في بانياس المجزرة الطائفية وستجد بعدها من يهدر: لماذا تنسى مجزرة البيضا ورأس النبع سنة 2013، لكأن مجزرة تبرّر مجزرة.
في انتخابات عام 1951 جرى تعديل قانون الانتخابات السابق الذي كان يقضي بالانتخابات غير المباشرة، على مرحلتين، حيث يختار الناخبون ممثليهم، والممثلون يختارون أعضاء البرلمان (أعضاء مجلس الشعب). هكذا صارت الانتخابات مرحلة واحدة كما هو الوعد اليوم بأن تكون عليه الانتخابات بعد المرحلة الانتقالية، بعد خمس سنوات مثلًا. وقد أُلغيَ التوزيع الطائفي في انتخابات 1951، ولكن تم تحديد مقاعد لغير المسلمين، ومقاعد للعشائر، ولم يفز الإخوان المسلمون بمقعد واحد في تلك الانتخابات، بل لم يفز السياسي المرموق معروف الدواليبي.
وعلى الرغم مما شهدته تلك الانتخابات من شراء الأصوات، أو من الاشتباكات وسقوط القتلى في السويداء وفي حماة، يكتب نزار هارون أن المجتمع “خرج من الاصطفافات الدينية والمذهبية نحو التموضعات السياسية عندما أتيح له جانب من الحرية في عملية الاختيار”. ويفصّل في انتخابات مدينته اللاذقية، فيذكر أن قائمة الحزب الوطني قد ضمّت والده أسعد هارون وبدوي الجبل (محمد سليمان الأحمد) ونديم شومان، وتصدّر المنافسة الشديدة الدكتور وهيب الغانم (العلوي والبعثي) الذي خسر، ونقرأ “إلا أنه استطاع الحصول على أصوات في بعض مراكز المدينة تفوق ما حصل عليه كل من أسعد هارون ونديم شومان من أبناء المدينة. في المقابل، استطاع هارون وشومان الحصول على أصوات في العديد من مراكز قضاء اللاذقية (أي الريف) تفوق ما حصل عليه الدكتور وهيب الغانم، بل بدوي الجبل نفسه. بمعنى آخر، لم تكن الاصطفافات الطائفية والمناطقية، لا بل التحالفات السياسية هي من تحكم بنتيجة الانتخابات تلك”. وبالوصول إلى انتخابات عام 1954 يرصد نزار هارون الفوز المدوي لخالد بكداش، ومن بين أسباب ذلك يذكر دعم الشيخ أحمد كفتارو – مفتي الزمن الأسدي- ويعلل الدعم بالكردية التي تجمع بين الشيوعي بكداش ورجل الدين كفتارو. ولكن الأهم في انتخابات 1954 هو الفوز المدوّي للبعثيين: 22 نائبًا في سورية، خمسة منهم في مدينة حماة، وواحد في دمشق هو رياض المالكي الذي هزم مرشح الإخوان المسلمين المرشد الأعلى مصطفى السباعي. وينوّه نزار هارون هنا بأن إسلام خمسينيات القرن الماضي في سورية لم يكن عنفيًا ولا تكفيريًا، حتى حركة الإخوان المسلمين طُبعت بطابع سياسي أكثر منه دعويًا، أما الآن، فالإعلانات الدعوية ترحب بك على كورنيش اللاذقية.
يرسم نزار هارون صورًا مذهلة لشخصيات كثيرة ممن أبرقوا في السماء السورية قبل حلول الكابوس البعثي عام 1963. ومن أولاء، عدا عن ذويه من آل هارون، أساتذته في كلية الحقوق في الجامعة السورية (هكذا كان اسمها) وقد تخرّج منها عام 1954، وكان أغلب الأساتذة من كبار ساسة ووزراء الخمسينيات السورية، مثل معروف الدواليبي ومصطفى السباعي وقسطنطين زريق وأحمد السمان (والد غادة السمان) ومحمد الفاضل – الذي اغتالته الطليعة المسلحة عام 1977- ومنير العجلاني. ومن خارج الجامعة يذكرُ الكاتبَ المليونير الأحمر خالد العظم، ويصفه بالشخصية المتفردة. ويذكر ناظم القدسي رئيس الجمهورية في زمن انفصال الوحدة السورية المصرية (1961)، ويروي عنه أن متظاهرًا شتمه في ساحة الشيخ ضاهر في اللاذقية، فهمّت الشرطة باعتقال الرجل، فأمر الرئيس: “اتركوهم، لا أريد في عهدي أن يسجن أو يوقف أحد بسبب آرائه”. وعندما يأتي ذكر شكري القوتلي يصدع “سنديانة اللاذقية” بالسؤال عما جعله “يأتي برجل مثل حسني الزعيم من التقاعد ليسند إليه منصب قائد الدرك، ثم قائد الجيش خلال فترة وجيزة”، فهل كان مغلوبًا على أمره؟ هل كان ذلك نتيجة ضغط خارجي أو داخلي؟ وما من جواب “ولا دراسات تاريخية رصينة عن ظاهرة الانقلابات، بل عن تاريخ سورية المعاصر تشفي غليل المتسائل”. ومن خارج الدائرة الأكاديمية والسياسية تحضر شخصية مختلفة، هو أبو هاني شبه الأمي، ورجل الأعمال الذي تسيّد على مرفأ اللاذقية زمنًا، وكان بطل رواية عبد الله عبد “الرأس والجدار” وبطل رواية حنا مينه “نهاية رجل شجاع”.
يصف نزار هارون زمن كتابته لكتاب “سورية التي عرفت”، أي السنوات الأولى من الزلزلة السورية، بالمأساة التي حملت كل مظاهر الثورة، والحرب الأهلية، والصراع الإقليمي الدولي، والتوتر الطائفي، وتسلط العصابات، والمؤامرات المخابراتية. وتحت وطأة ذلك يجأر “كفى عبثًا” ويجأر: “لنبدأ معًا مسيرة سورية الجديدة”، فهل أختم مردّدًا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي: “لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًا/ ولكن لا حياة لمن تنادي”؟