الدكتور محمد نور الدين . كاتب لبناني .أستاذ التاريخ واللغة التركية في الجامعة اللبنانية ..
ارتبط اسم «أسطول الحرية»، للمرة الأولى، بتركيا، عندما اعتدت إسرائيل عليه في أيار 2010، ما أسفر عن مقتل تسعة ناشطين أتراك كانوا على متنه، وأدّى إلى توتير العلاقات بين تل أبيب وأنقرة آنذاك. ولم تتحسّن العلاقات إلا بعد عشر سنوات، حين قدّمت إسرائيل اعتذاراً عن الحادثة ودفعت ملايين الدولارات تعويضات لأهالي الضحايا. وفي الواقع، لم تكن لتركيا يد مباشرة في المشاركة في الأسطول؛ إذ منع رئيس الحكومة آنذاك، رجب طيب إردوغان، أيّاً من المنتمين إلى حزب «العدالة والتنمية» من المشاركة في الرحلة لكسر الحصار على قطاع غزة. غير أن سقوط عدد من الضحايا الأتراك على متن سفينة «مافي مرمرة» بدا حدثاً أكبر من أن تتجاهله أنقرة، وهو ما اضطرها إلى تبنّي قضية هؤلاء الضحايا.
ومع انطواء الحدث، لم تجد تركيا سبباً لمحاولة تحسين العلاقات مع إسرائيل، إلا بعدما ألفى إردوغان نفسه أمام مأزق اقتصادي كبير كلّفه خسارة رئاسة بلديتَي إسطنبول وأنقرة عام 2019، فانتهج سياسة استدارة كاملة، كان من نتائجها المصالحات مع السعودية والإمارات وإسرائيل، وبدء محاولات المصالحة مع مصر.
وعلى الرغم من استمرار الإبادة الإسرائيلية في القطاع منذ عملية «طوفان الأقصى»، حرصت تركيا على تجنّب اتخاذ خطوات «استفزازية» تجاه إسرائيل أو الولايات المتحدة. وباستثناء مهرجانات محدودة و«مدروسة» نظّمتها السلطة دعماً لغزة، فإن الموقف التركي اتّسم بإدانة لفظية عالية السقف، من دون أي إجراءات عملية، فيما كانت المجموعات الإسلامية واليسارية، التي تخرج للتظاهر بصورة شبه يومية دفاعاً عن غزة، تتعرّض للتفريق والاعتقال من قِبل الشرطة التركية.
ومع بدء التحضيرات لرحلة «أسطول الصمود العالمي» في نهاية آب الماضي، رفضت السلطات الموافقة على انطلاق بعض السفن من موانئها للمشاركة في الأسطول، بخلاف ما كان عليه الوضع عام 2010، وهو ما اضطَرّ المشاركين الأتراك، وهم كثر، إلى التوجّه نحو موانئ إسبانيا وإيطاليا وتونس التي سمحت بانطلاق السفن من موانئها.
وبعد تعرّض الأسطول لاعتداءات من مُسيّرات إسرائيلية في ميناء «سيدي بوسعيد» في تونس ثم في عرض البحر، طالب المشاركون الأتراك، الذين بلغ عددهم نحو 48 شخصاً، من سلطات بلادهم بالتدخّل لحمايتهم، عبر تحذير إسرائيل من الاعتداء عليهم. غير أن أنقرة التزمت الصمت وتصرّفت كما لو أنها غير معنيّة بالحدث، الأمر الذي قوبل بانتقادات من زعماء المعارضة.
تتواصل الانتقادات لتبنّي تركيا خطة ترامب بشأن غزة
وقبل يومين، عندما اعتدت إسرائيل على سفن الأسطول واعتقلت جميع المشاركين فيه، تحرّك الرئيس التركي وألقى كلمة في اجتماع لحزب «العدالة والتنمية»، دان فيها العملية، واعتبرها «كشفاً جديداً لوحشية إسرائيل وجنونها». وقال إن تركيا «تقف إلى جانب المشاركين»، وإنها «تتابع عن كثب ما يجري كي لا تلحق أيّ أضرار بمواطنينا الأتراك». أما وزارة الخارجية التركية، فاكتفت ببيان خالٍ من أي إدانة للقرصنة الإسرائيلية، وجاء فيه أن الوزارة «تتابع عن كثب وضع مواطنينا الذين اعتقلتهم إسرائيل في المياه الدولية، وستقوم بكل ما يلزم من تدابير لعدم تعرّضهم لأيّ أذى».
ومع ذلك، قمعت الشرطة التركية تظاهرة نظّمتها «القوى العمّالية والديمقراطية» اليسارية في جادة يوكسيل في أنقرة، ومنعت المشاركين من التوجّه نحو حديقة «غوفين»؛ علماً أن هؤلاء رفعوا شعارات من مثل: «فلسطين حرّة من النهر إلى البحر» و«إسرائيل قاتلة… حزب العدالة والتنمية شريك لها». وإلى جانب أنقرة، شهدت إسطنبول تظاهرة أمام القنصلية الإسرائيلية في بَشيكتاش، حيث هتف المشاركون لفلسطين وضد إسرائيل قبل أن يتفرّقوا.
من جهتها، صعّدت المعارضة من انتقاداتها تجاه الموقف الرسمي التركي. ودعا زعيم حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، أنقرة إلى الدفاع فوراً عن مواطنيها و«الردّ بحزم» على إسرائيل، واتّهم إردوغان بأن «تردّده تجاه الموضوع منشؤه الخوف من الرئيس الأميركي دونالد ترامب»، واصفاً القرصنة الاسرائيلية بأنها «تصرف غير أخلاقي خطير».
أما الكاتب الإسلامي المعارض لإردوغان، أحمد طاش غيتيرين، فأشاد بـ«أسطول الصمود»، معتبراً أنه «يعلّمنا الفضيلة». وإذ تساءل عمّا يدفع غير المسلم ليجلب الحفاضات إلى أطفال غزة، فهو أجاب بأنها «الفضيلة الإنسانية التي لا تميّز بين مسلم وغير مسلم»، لافتاً إلى أن «منظمات إنسانية في تركيا كان عندها المواقف نفسها ولكنها اختفت». وأضاف أن «الأسطول أنجز مهمته كرسالة إنسانية»، مستغرباً، في الوقت نفسه، كيف تدعم أنقرة خطة ترامب لغزة التي تخيّر «حماس» بين القبول بها أو تدمير القطاع كاملاً، وناصحاً إردوغان بألّا يكرّر بعد اليوم عبارة «صديقي ترامب».
وبالتوازي، تتواصل الانتقادات لتبنّي تركيا خطة ترامب بشأن غزة، حتى من بعض الدول الإسلامية التي كانت شاركت في دعم المشروع، وبدأت اليوم بالتراجع عن موقفها على خلفية ما تراه «ثغرات» في الخطة. وفي هذا السياق، قالت صحيفة «آيدينلق» إن كلام إردوغان سابقاً بأن «حماس تدافع في غزة عن الأناضول»، بات في «مهب الريح» مع تأييد خطة ترامب، والضغط على «حماس» للقبول بها، متسائلة «كيف يمكن لحماس أن تدافع عن غزة في ظل خطة تطالبها بنزع سلاحها؟ وكيف يكون الدفاع عن تركيا بلا سلاح؟».
بدورها، رأت صحيفة «جمهورييات» أن موقفَيْ إردوغان من خطة ترامب ومن «أسطول الصمود» هما لزوم «دفع الأثمان» من أجل الحصول على «مشروعية» من ترامب، مذكّرة بأن المبعوث الأميركي في الشرق الوسط، توم برّاك، قال إن الرئيس التركي يسعى إلى أن يمنحه ترامب «مشروعية» السلطة. لكنّ دعم إردوغان لرؤية نظيره الأميركي حول غزة، لم تمر مرور الكرام داخل «العدالة والتنمية» حيث ظهرت أصوات تندّد بالخطة، وهو ما من شأنه أن «يربك» سياسة تركيا في المنطقة. المصدر صفحة الكاتب