كأنّ هنالك أملاً بوقف مجزرة المدن والناس في قطاع غزّة، بعد عشرات الألوف من الضحايا، وعشرات الألوف من المساكن المهدّمة والبنى التحتية التي استحالت خراباً.. نستعيد الحديث هنا عن النكبة.
استنكر معظم الإسرائيليين ظهور»المؤرّخين الجدد» في الثمانينيات من القرن الماضي، بعد كشف وثائق النكبة التي كانت محظورة لثلاثين عاماً، لكنهم اكتسبوا شيئاً من الشرعية في العقد اللاحق. ويشير بعض هؤلاء أيضا إلى الدور الذي لعبه التحول في المناخ السياسي لإسرائيل بعد حرب لبنان عام 1982، ثمّ إلى القمع الوحشي للانتفاضة الأولى، والأجواء الإيجابية التي رافقت بدايات المحادثات حول التسوية والسلام. بعد ذلك أصبح أولئك المؤرّخون المارقون، محطّ اهتمام خاص، معظمه إيجابي من قِبل «الآخرين» ومعظمه سلبي من قبل أنصار إسرائيل الأشدّاء.
علام كان تركيز أولئك المؤرّخين فيما يخصّ النكبة؟ قال آفي شلايم – واحد منهم- إن الرواية الرسمية ذكرت أن بريطانيا حاولت منع قيام دولة يهودية؛ بينما قال هو وغيره من المؤرخين، إنها حاولت منع قيام دولة فلسطينية، وإن الفلسطينيين فروا من ديارهم؛ بينما قالوا هم، إن اللاجئين طُردوا أو فرّوا. وذكرت تلك الرواية أن ميزان القوى كان لصالح العرب؛ قال المؤرخون الجدد إن إسرائيل كانت متفوقة من حيث القوة البشرية والتسليح. وذكرت أن العرب كانوا يخططون لتدمير إسرائيل؛ بينما قالوا إن العرب كانوا منقسمين. وكذلك أن التعنت العربي حال دون السلام؛ في حين قال المؤرخون الجدد- غالباً- إن إسرائيل هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن «الطريق المسدود». وقال إيلان بابيه، إن القادة الصهاينة كانوا يعتزمون مسبقاً تهجير معظم العرب الفلسطينيين؛ بينما يعتقد بيني موريس أن التهجير حدث في خضم الحرب وحسب. ووفقا للمؤرخين الجدد أيضاً، تتحمل كل من إسرائيل والدول العربية نصيبها من المسؤولية عن الصراع العربي الإسرائيلي والمحنة الفلسطينية.
كانت نتيجة النكبة الأولى قيام إسرائيل بعد كلّ ما حدث بين عامي 1947 و1952 ويمكن إيجازها بأنّ 700 ألف فلسطيني قد هُجّروا أو هربوا من الموت، ومثلهم تقريباً قد أضيف إلى يهود إسرائيل من الدول العربية خصوصاً، ومن شرق أوروبا، وذلك بمفاعيل أنظمة تلك الدول وتركيبة شعوبها. ارتفع بعد حين «صوت» الأمة الجريحة وقياداتها، واقتنع العرب بأن إسرائيل ومَن وراءها أقزام، حتى جاءت ورطة حرب 1967، التي أضافت للأرض التي قامت عليها إسرائيل أراضي جديدة أكبر منها بعدّة مرات، بينها الضفة الغربية التي انتزعتها من وصاية الأردن عملياً، وغزّة التي انتزعتها من وصاية مصر، التي هيّأت حرب 1973 عملياً لصلح كامب ديفيد بينها وبين إسرائيل، ذلك الصلح المتقن الذي كان متيناً وما زال. لكنّ المتانة اللافتة أكثر منه كانت في اتفاق فصل القوّات مع النظام السوري. نزح سوريّو الجولان على الطريقة الفلسطينية يوم النكبة، وكادت أرضه تخلو للاستيطان الموعود، وهجر فلسطينيّون آخرون من الأرض التي أُحكمت إسرائيل قبضتها عليها. وكانت من ثمّ نكبة ثانية. بعد ذلك بزمن أيضاً لم يخلُ من التحوّلات والمحاولات، ورغم كلّ التسييس والتسكين، اللذين خضعت لهما القضية بصبر ودأب، بقي هنالك من يعلن – ويضمر- شعار التحرير من البحر إلى النهر، ومحو إسرائيل من الوجود، وإعادة الخريطة الديموغرافية إلى ما كانت عليه: ذروة ذلك كان عملية طوفان الأقصى على تسمية قادتها، في السابع من أكتوبر 2023.
ليس عبثاً أن حرّكت العملية المفاجئة – الخارقة- أحلام البعض من العرب والفلسطينيين خصوصاً، من هجعتها وسكونها، في عودة الحق وحقّ العودة بعد «طرد اليهود»، بالنسبة نفسها على الأقل. عملياً قتل المقاتلون الفلسطينيون 1200 إسرائيلي، وأسروا حوالي 250، ودارت الحرب حولهم من يومها، وحول تحطيم حماس.. لم تكن ردود الفعل العاصفة على اختراق غلاف غزّة وبالاً محضاً، بل كان لها دورها في ترحيل نظام الأسد وإنهائه، وقلّمت أظافر إيران الطويلة، خصوصاً من خلال تحجيم حزب الله وظلّه الطويل في شرق المتوسّط، ما أفسح أيضاً للتغيير في لبنان ولو بحدود أقلّ. هل كان ذلك توافقاً بين بعض المصالح العربية في شرق المتوسّط والخليج مع تلك الإسرائيلية عن قصد أو غير قصد، أم أنّها تغييرات مؤقّتة قبل عواصف قد تأتي؟ لا يمكن الجزم بذلك الاحتمال أو عكسه في المدى القريب.
بنتيجة حرب غزّة حتى الآن- ولعلّها اكتفت- قُتل ما يقارب سبعين ألف فلسطيني، ويقال أكثر بكثير، وجُرح أكثر.. وتهدّم قطاع غزّة عملياً. قيل في مطلع العام إن الركام يحتاج 21 عاماً ليتّم ترحيله، وكان ثلثا مساكن غزّة وقتها ومعظم بنيتها التحتية قد دُمّرت، أو تأذّت بشدّة، ما جعلها غير قابلة للحياة والمعيش تماماً… حالياً هنالك أكثر من ذلك بكثير أيضاً. لزمن طويل وشاق، كان أهل غزة ينتقلون من الشمال إلى الجنوب وبالعكس، أو في كلّ الاتّجاهات، ويأملون قليلاً مع كلّ اتفاق لوقف النار وتبادل للأسرى، أن يحصل اختراق للجدار السميك، وصولاً الآن إلى اقتراح دونالد ترامب. آلام وخسائر وهزائم لا تفتأ تتوالد، ورجاءٌ بأن يتوقّف الألم ولو قليلاً بعد النكبة الثالثة تلك.
لم يكن ذلك الهجوم الذي شنّته حماس وحلفاؤها تهديداً للإسرائيليين وحلفائها، بأنّ شعار» تحرير فلسطين» من البحر إلى النهر ما زال حيّاً وحسب، وبأنّ سباق ستالين وترومان على الاعتراف بإسرائيل لحظة إعلان تأسيسها شيء له أهمّيته الصارخة أيضاً، من حيث هو دليل على أن قيامها هو آخر نتائج الحرب العظمى التي انتهت قبل ثلاث سنوات فقط، بهزيمة ألمانيا التي كان هنالك عرب وفلسطينيون في صفّها، وانتصار الحلفاء الذين كان اليهود عموما، في صفّهم، إلى هذا الحدّ أو ذاك… لم يكن تهديداً بذلك، بل أيضاً بإنهاء مشروع الدولة الفلسطينية، كجزء من مشروع حلّ الدولتين. لذلك كان لإحياء ذلك المشروع بقيادة مشتركة سعودية – فرنسية أهمّية كبيرة، في فشل مشروع حماس بجوهره، وليس ذلك عيباً. أطلقت السعودية وفرنسا تصويتاً في الجمعية العامة للأمم المتّحدة على «إعلان نيويورك» المتعلّق بحلّ الدولتين، والذي نال عدداً مفاجئاً من الأصوات الموافقة، وحرّض دولاً أكثر على إعلان نيّتها الاعتراف بدولة فلسطين، في موجة جديدة من دعم القضية، لم تقلق الحكومة الإسرائيلية اليمينية والمتطرّفة وحدها، بل أيضاً الإدارة الأمريكية التي كانت تعمل على المشروع الآخر:
كان ذلك اقتراح الرئيس ترامب لإنهاء حرب غزّة، بتفصيلاته الكثيرة، التي يمكن اختصارها بتحرير الرهائن الإسرائيليين الأحياء والموتى، ثمّ وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، يتبعه إفراج إسرائيل عن 250 سجيناً بأحكام مشدّدة، و1700 معتقل غزّاوي، وإبعاد حماس وسلاحها، وإصلاح السلطة الفلسطينية، وتكليف هيئة دولية يقودها ترامب بنفسه تشرف على حكومة انتقالية من فلسطينيين تكنوقراط أيضاً…
ومن أهمّ ما تعنيه تلك المبادرة التي وافق عليها نتنياهو وتنتظر موافقة حماس، أنها جاءت بموافقة دول عربية وإسلامية نافذة، الأمر الذي يعطيها قوة لم تكن متوفّرة في أيّة مرة سابقة: السعودية والإمارات والأردن من جهة، وإندونيسيا وباكستان من جهة أخرى. ومعها كما هو واضح قطر وتركيا ومصر: الدول الوسيطة مباشرة مع حماس، الأمر الذي يجعل رفض حماس مستحيلاً مهما طال.
يرى كثيرون أن خطّة ترامب- بإرادته أو من دونها- قد تفتح ثغرة لحلّ الدولتين، كما فعلت المبادرة السعودية- الفرنسية، وفي ذلك بقعة ضوء بعيدة وصغيرة للعرب، وخصوصاً لأهل النكبات المتكرّرة، والآلام التي لا تتوقّف.
لا أنسى وأنا في الصفّ العاشر، كيف خرجنا إلى الشوارع رفضاً لبورقيبة وشتماً له بعد خطابه في أريحا بين الفلسطينيين، ومحاولته إقناعهم بجدوى العودة إلى قرار التقسيم. شملت تلك المظاهرات دولاً أخرى غير سوريا أيضاً، وخصوصاً مصر، وذلك فصل من قصة أخرى، قد نبدأ بقراءتها عندما يصبح لدينا مؤرّخونا الجدد!
كاتب سوري