فقدانُ المعنى وتحولاتُه في العام الثاني للحرب على غزّة
كاتب محمد النعاس
مرحبتين،
أستميحك العذر لذاكرتي المضمحلة، إذ لا أذكر إن أخبرتك من قَبلُ بهذه الحادثة أم لا. لكن على كلّ حالٍ، سأحكيها. في صيف 2014، فقدتُ المعنى من الوجود. كان صيفاً حاراً تزيد من اشتعاله الحربُ الأهلية الليبية التي أخّرت مشروع تخرّجي من كلية الهندسة في جامعة طرابلس. كان هذا أقلّ الأضرار. فقد وجدتُ نفسي تائهاً لا أرى من المستقبل شيئاً، منقاداً بدوافع، أراها الآن أشبه بالانتحارية، إذ كنتُ أبيت لياليَ عند صديقٍ لي يقع بيته على خطّ التماسّ بين القوى المتصارعة. هجرَتْ أسرتُه البيتَ وبقي هو فيه. فكنّا نمضي أيامنا نتابع أصوات القذائف والاشتباكات، ضاحكين وساخرين أحياناً من قرب سقوط إحداها على منزله. نتابع المسلسلات والأفلام على وقع الحرب، ونغضب فقط عندما ينقطع التيار الكهربائي.
ترجمتُ ذلك حينها مؤازرةً لصديقٍ لي في وقت حاجته. لكن حوادث أخرى حصلت خارج بيته جعلتني أتأكد أنني كنتُ مندفعاً بقوىً أكبر من مشاعر التضامن. فقد وجدتُني مرّةً أتغلغل بسيارتي في منتصف الليل بين صفوف أحد أطراف النزاع، لزيارة صديقٍ آخر بعيدٍ قليلاً عن خطّ التماس، فقط لنأكل “المْبَكْبَكة” وهي من أشهر الأكلات الليبية.
محاولاتي هذه، باحثاً عن معنىً داخل الحرب الأهلية، جعلتني أدخل مرحلةً سوداء من حياتي، ربما لم أتعافَ من آثارها حتى اليوم. فحالة عدم الاستقرار السياسي والأمني تُقلقِل حالة الفرد النفسية والروحية والاجتماعية، وتتركه فرداً ضائعاً يحاول ما أمكنه التشبّث بأعواد قشّ.
يتناول عماد موسى، زميلي في مجلة الفراتس، هذا الفقدان في مقالته عن الذكرى الثانية لحرب إسرائيل على غزّة. يبدأ عماد مقالته بتجربةٍ تشبه تجربتي تلك، عندما يقف أمام معبر رفح محاولاً الدخول إلى غزّة، ليحكي لنا عن معنى أن تكون غزّياً بعد عامين من عملية 7 أكتوبر 2023. يحكي من تجاربه الشخصية وتجارب عائلته وأصدقائه ومعارفه العالقين في غزّة كيف أنّ إسرائيل، إذ جرّدت الفلسطينيين من إنسانيّتهم، جعلتهم يعيدون تعريف ثوابت كثيرة. يثير عماد فقدان الغزّي المعنى من وجوده بمشاهد عن صديقٍ له يسخر من مجاعته الظاهرة في ضلوعه، أو رجلٍ واقفٍ في طابورٍ لأخذ حصّته من الطعام حتى إذا أتاه اتصالٌ عن استشهاد أحدهم، فيترحّم عليه ويغلق هاتفه ويكمل صراعه للحصول على لقمةٍ تسدّ جوعه. ويستكمل في مقالته بالقول إنّ الغزّيين لم يفقدوا التعاطف الإنساني مع أهاليهم، بل حتى تعريفهم لمعنى القضية الفلسطينية أو المقاومة أو غيرها من الثوابت التي ظنّوا دوماً أنّها لن تتغيّر.
تغيّرت السينما المصرية ببطءٍ في تصويرها الأجسادَ غير النمطية، من أداةٍ للسخرية إلى التركيز على القضايا الإنسانية. يحكي أحمد عبد الحليم سيرةَ هذه التحولات متناولاً نماذج من الأفلام المصرية التي أصرّت على اختزال قصار القامة والبدناء في أدوارٍ فكاهيةٍ، مثل فيلم “ابن حميدو”، إلى تناولٍ أعمق لكنه قاصرٌ، مثلما حدث في فيلم “إكس لارج” للفنان أحمد حلمي. وتطوّر هذا التناول، لا سيما مع صعود الصوابية السياسية في العالم، مع فيلم “سنو وايت” سنة 2024 إذ قدّم دور البطولة لقصار القامة. ومع ذلك، يقول عبد الحليم إنّ هذا التطور يمثّل طرحاً نخبوياً بعيداً عن ما يفضّله المجتمع المصري عامّةً، ليبقى فيلمٌ مثل سنو وايت، مجرّد قطرةٍ نخبويةٍ في بحر أفلامٍ تجاريةٍ لا تزال تحتفظ بنظرٍة تقليديةٍ حول أدوار البطولة التي تراها حصراً على “الجسد المثالي”.
منذ بدايات القرن العشرين، تكوّنت تصوّراتٌ مثاليةٌ عن المدينة الإسلامية بوصفها جزءاً من فكرٍ إسلاميٍّ اعتنى بكل قضايا البشر. يحاجج معاذ لافي في مقالته عن فقه العمران، المُطوَّر في الثمانينيات، بأنّ هذا العلم بُنيَ على دلائل وحججٍ مقطوعةٍ من سياقها التاريخي عندما أثار قرار السلطان المملوكي الأشرف قايتباي بتوسيع شوارع القاهرة جدلاً فقهياً بين علماء ذلك العصر. ويقول معاذ إنّ الفتاوى والكتب والرسائل التي ألّفها فقهاء تلك الحقبة تعبّر عن مشروعاتٍ سياسيةٍ وتقديرات السلطة للمصلحة، أكثر من تعبيرها عن الفكر الإسلامي أو رسالةٍ دينيةٍ بضرورة تنظيم العمران على قواعد إسلاميةٍ مثل حديثَيْ “لا ضرر ولا ضرار” و”من أحيا مواتاً فهو له”. وبهذا، يستخدَم الحديث قاعدةً تضفي على فقه العمران نوعاً من القدسية يتعارض مع السياق التاريخي.
في تونس تحوّلت الزيارة السنوية لضريح علي بن عون، الولي الصالح في ولاية سيدي بوزيد، من طقسٍ دينيٍّ احتفاليٍّ إلى مهرجانٍ دوليٍّ في ظرف مئتَيْ عامٍ، بفعل تفاعل الديني مع السياسي. يحكي لنا أمين حرشاني حكاية “زردة سيدي علي بن عون”، وكيف كانت ظاهرةٍ شعبيةٍ يُحيِيها أحفاد الولي والمنتمين إليه ولم تأبه بها دولة الاستعمار الفرنسي. ثم تحولت إلى مناسبةٍ حاولت الدولة الوطنية استغلالها عندما استلم زين العابدين بن علي السلطة سنة 1987 في مواجهة القوى الإسلامية الصاعدة آنذاك. يحكي أمين، عبر ذكرياته وذكريات عائلته مع “الزردة”، عمّا خلّفته ثورة الياسمين 2011 من تحولاتٍ عقائديةٍ في المجتمع التونسي عندما قوى ساعد المدّ السلفي وأصبحت مدينة الوليّ “بؤرة إرهاب”. فتوقفت الزردة حتى رأت الدولة التونسية استغلالها مرةً أخرى في حربها على ما وصفته بالإرهاب، لتكون عودة الزردة مهرجاناً مغاربياً ومن ثم دولياً، علامةً على انتصار الدولة التونسية على الجماعات الإسلامية المتطرفة مرةً أخرى.
على الطرف الآخر من العالم الإسلامي، يتناول سعود المولى تجربة العالِم الشيعي اللبناني محمد مهدي شمس الدين وموقفه المتغيّر من نظرية ولاية الفقيه. يتحدث المولى عن تحولات شمس الدين وتغيّر مواقفه من ولاية الفقيه عند الشيعة أو الخلافة عند السنة، عبر ذكر أبرز التحولات في حياته الشخصية والدينية. فقد قدّم شمس الدين رؤيةً جريئةً تدعو إلى ولاية الأمّة، وتقوم على أسس المواطنة الكاملة. وهو من تبنّى في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية خطاب “لبنان الوطن النهائي” لكلّ اللبنانيين، ليصبح هذا الخطاب جزءاً وتعبيراً عن مرحلة ما بعد الحرب. بل زادت أفكاره وأطروحاته جرأةً عندما أفتى سنة 1995 بجواز تولّي المرأة السلطةَ العليا في الدولة الحديثة، وهو ما يعدُّ أمراً تقدّمياً في العالم الإسلامي حتى اليوم.
في عالَم اليوم، قد يجدُ المرء نفسه عالقاً بين مبادئ ومعانٍ متناقضة. لا شيء ثابتٌ سوى التغيير. وفي عالَمنا هذا، يحتاج المرء أن يبحث أكثر ويناقش أكثر ويتسلّح بالمعرفة التي تشدّ أزره. أرى أنّ كثيراً مما ننشره في الفراتس، ومنه مقالات هذا الأسبوع، هو محاولةٌ هنا في فهم عالَمنا، في وضع النقاط على حروفه، وفي فهم المعنى منه.
قراءة طيبة.