من عام 2019 إلى عام 2021، نفّذت الحكومة السورية الاستبدادية عملية سرّية لنقل عشرات الآلاف من الجثث من مقبرة جماعية مكشوفة في القطيفة إلى موقع خفي في الصحراء شرق دمشق. كان هدف عملية الدفن السرية إخفاء أدلة على الفظائع بينما كان بشار الأسد يسعى لاستعادة مكانته الدولية.
————–
إعداد: ماغي ميشيل، فراس دالاتي، رايان مكنيل، وخليل الشاوي
14 أكتوبر 2025 – الساعة 9:40 مساءً بتوقيت غرينتش+2
14 أكتوبر 2025 – الساعة 9:40 مساءً بتوقيت غرينتش+2
—
الضمير، سوريا – 14 أكتوبر – كشف تحقيق أجرته وكالة رويترز أن حكومة بشار الأسد نفّذت على مدى عامين عملية سرّية لنقل آلاف الجثث من إحدى أكبر المقابر الجماعية المعروفة في سوريا إلى موقع سري يقع في صحراء نائية على بعد أكثر من ساعة من المكان الأصلي.
الضمير، سوريا – 14 أكتوبر – كشف تحقيق أجرته وكالة رويترز أن حكومة بشار الأسد نفّذت على مدى عامين عملية سرّية لنقل آلاف الجثث من إحدى أكبر المقابر الجماعية المعروفة في سوريا إلى موقع سري يقع في صحراء نائية على بعد أكثر من ساعة من المكان الأصلي.
العملية السرية التي نفّذها الجيش التابع للرئيس بشار الأسد لحفر مقبرة القطيفة وإنشاء مقبرة جماعية ضخمة ثانية في الصحراء خارج بلدة الضمير لم يتم الكشف عنها سابقاً.
وللكشف عن موقع المقبرة في الضمير وتفاصيل العملية الواسعة، أجرت رويترز مقابلات مع 13 شخصاً لديهم معرفة مباشرة بعملية نقل الجثث التي استمرت عامين، وراجعت وثائق أعدّها مسؤولون مشاركون فيها، كما حلّلت مئات الصور الفضائية لكلا الموقعين التُقطت على مدى سنوات.
أُطلق على العملية التي نُقلت فيها الجثث من القطيفة إلى الموقع السري عشرات الكيلومترات بعيداً اسم “عملية نقل التربة” (Operation Move Earth)، واستمرّت من عام 2019 حتى عام 2021. ووفقاً للشهود، كان الهدف منها إخفاء جرائم حكومة الأسد والمساعدة في تحسين صورتها.
أبلغت رويترز حكومة الرئيس أحمد الشرع بنتائج هذا التحقيق يوم الثلاثاء، لكن الحكومة لم ترد فوراً على أسئلة الوكالة بشأن التقرير.
تجنّبت الوكالة الكشف عن الموقع الدقيق للمقبرة لتقليل احتمالية العبث بها من قبل متسللين. ومن المقرر أن تنشر رويترز في تقرير خاص قادم تفاصيل أوفى عن كيفية تنفيذ الحكومة السورية للعملية السرية، وكيف تمكّن الصحفيون من كشفها.
وبحسب تحقيق رويترز، تضم المقبرة الواقعة في صحراء الضمير ما لا يقل عن 34 خندقاً يبلغ طولها الإجمالي نحو كيلومترين، ما يجعلها من أوسع المقابر الجماعية التي أُنشئت خلال الحرب السورية. وتشير روايات الشهود وأبعاد الموقع الجديد إلى أن عشرات الآلاف من الأشخاص قد دُفنوا هناك.
بدأت حكومة الأسد دفن الموتى في القطيفة حوالي عام 2012، في المراحل الأولى من الحرب. ووفقاً للشهود، كانت المقبرة تحتوي على جثث جنود ومعتقلين توفوا في سجون النظام ومستشفياته العسكرية.
في عام 2014، كشف ناشط سوري في مجال حقوق الإنسان عن موقع المقبرة من خلال نشر صور في وسائل إعلام محلية، أظهرت وجودها وموقعها العام على أطراف دمشق. أما موقعها الدقيق، فقد أصبح معروفاً بعد ذلك ببضع سنوات عبر شهادات في المحاكم وتقارير إعلامية أخرى.
على مدى أربع ليالٍ تقريباً كل أسبوع، من فبراير/شباط 2019 حتى أبريل/نيسان 2021، كانت من ست إلى ثماني شاحنات محمّلة بالتراب وبقايا بشرية تسير من القطيفة إلى موقع الصحراء في الضمير، وفقاً لشهود شاركوا في العملية.
لم تتمكّن وكالة رويترز من التحقّق مما إذا كانت جثث من مناطق أخرى قد نُقلت أيضاً إلى الموقع السري، كما لم تعثر على أي وثائق تشير إلى وجود “عملية نقل التربة” أو تتحدث عن المقابر الجماعية عموماً.
لم تتمكّن وكالة رويترز من التحقّق مما إذا كانت جثث من مناطق أخرى قد نُقلت أيضاً إلى الموقع السري، كما لم تعثر على أي وثائق تشير إلى وجود “عملية نقل التربة” أو تتحدث عن المقابر الجماعية عموماً.
كل من شارك مباشرة في العملية يتذكّر الرائحة الكريهة بوضوح — من بينهم سائقان، وثلاثة ميكانيكيين، ومشغّل جرافة، وضابط سابق في الحرس الجمهوري كان من أوائل المشاركين في نقل الجثث.
الرئيس السابق بشار الأسد، المقيم حالياً في روسيا، وعدد من الضباط العسكريين الذين حدّدهم الشهود كمشاركين أساسيين في العملية تعذّر التواصل معهم للتعليق. وبعد سقوط النظام أواخر العام الماضي، فرّ الأسد ومعه العديد من معاونيه إلى الخارج.
قال الضابط السابق في الحرس الجمهوري إن فكرة نقل آلاف الجثث ظهرت أواخر عام 2018، حين كان الأسد على وشك إعلان النصر في الحرب الأهلية السورية. وأضاف أن الدكتاتور كان يأمل في استعادة الاعتراف الدولي بعد سنوات من العقوبات والاتهامات بالوحشية.
في ذلك الوقت، كان الأسد قد اتُّهم بالفعل باحتجاز آلاف السوريين، لكن لم يكن لأي جهة سورية مستقلة أو منظمة دولية إمكانية الوصول إلى السجون أو المقابر الجماعية.
في ذلك الوقت، كان الأسد قد اتُّهم بالفعل باحتجاز آلاف السوريين، لكن لم يكن لأي جهة سورية مستقلة أو منظمة دولية إمكانية الوصول إلى السجون أو المقابر الجماعية.
قال سائقان وضابط تحدّثوا إلى رويترز إن قادة عسكريين أبلغوهم أن هدف عملية النقل هو إفراغ مقبرة القطيفة الجماعية وإخفاء الأدلة على عمليات القتل الجماعي.
وبحلول سقوط نظام الأسد، كانت جميع الخنادق الـ16 التي وثّقتها رويترز في القطيفة قد أُفرغت بالكامل.
ووفقاً لمنظمات حقوقية سورية، فإن أكثر من 160 ألف شخص اختفوا داخل جهاز أمن النظام المخلوع، ويُعتقد أنهم دُفنوا في عشرات المقابر الجماعية التي أنشأها. ويمكن أن تسهم عمليات التنقيب المنظمة وتحليل الحمض النووي في تتبّع مصيرهم، بما قد يخفّف أحد أعمق جروح سوريا الإنسانية.
لكن بسبب قلة الموارد داخل البلاد، فإن المقابر الجماعية—حتى تلك المعروفة منها—تبقى دون حماية أو تنقيب. كما أن القيادة الجديدة في سوريا، التي أطاحت بالأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لم تنشر أي وثائق تتعلق بالأشخاص المدفونين فيها، رغم النداءات المتكرّرة من عائلات المفقودين.
وقال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري، رائد الصالح، إن العدد الهائل للضحايا والحاجة إلى إعادة بناء منظومة العدالة يعرقلان العمل.
كما أعلنت اللجنة الوطنية السورية لشؤون المفقودين عن خطط لإنشاء بنك للحمض النووي ومنصّة رقمية مركزية لأسر المفقودين، مؤكدةً وجود حاجة عاجلة لتدريب مختصين في الطب الشرعي وتحليل الـDNA.
.
«هناك جرح نازف ما دامت الأمهات ينتظرن العثور على قبور أبنائهن، والزوجات ينتظرن قبور أزواجهن، والأطفال ينتظرون قبور آبائهم»،
قال رائد الصالح لموقع الوطن السوري شبه الرسمي في أواخر أغسطس/آب.
قال رائد الصالح لموقع الوطن السوري شبه الرسمي في أواخر أغسطس/آب.
قال محمد العبد الله، مدير مركز العدالة والمساءلة السوري — وهي منظمة سورية تعمل على تتبّع المفقودين والتحقيق في جرائم الحرب — إن نقل الجثث بشكل عشوائي كما جرى بين القطيفة والضمير كان كارثة على العائلات المفجوعة.
وأضاف العبد الله بعد اطلاعه على نتائج تحقيق رويترز:
«جمع هذه الجثث معاً بحيث يمكن إعادة الرفات الكاملة إلى العائلات سيكون أمراً شديد التعقيد».
ووصف إنشاء اللجنة الوطنية للمفقودين بأنه خطوة إيجابية من الحكومة الجديدة، مضيفاً:
«اللجنة تحظى بدعم سياسي، لكنها ما تزال تفتقر إلى الموارد والخبراء».
وقال سائقون وميكانيكيون وغيرهم ممن شاركوا في عملية النقل إن التحدث علناً أثناء العملية السرّية كان يعني الموت المحتم.
«لم يكن أحد ليتجرأ على عصيان الأوامر»، قال أحد السائقين.
«أنت نفسك كنت لتنتهي في الحُفر».
«أنت نفسك كنت لتنتهي في الحُفر».
—–
ترجمة فريق INT#