نشرت صحيفة الوطن العمانية بقلم الكاتب وحيد تاجا هذا الخبر عن رواية ترانيم العتمة والضوء وهو أكثر من خبر بل يكاد يكون مقاربة مكثفة لمحتوى الرواية.
دمشق ” الوطن”
صدر حديثًا عن دار ميسلون للثقافة والترجمة والنشر في دبي رواية (ترانيم العتمة والضوء) للكاتب والروائي الفلسطيني السوري علي الكردي، وهي عمل أدبي كثيف ومشحون بالأسى، يعبّر عن تراجيديا الإنسان العربي في زمن الانهيارات الكبرى. في (ما يشبه المقدمة)، يطرح الكردي أسئلة وجودية : ماذا يكتب الروائي في لحظة الدم؟ وأيُّ كائن هذا الذي سيحمل على كتفيه صخرة سيزيف ويصعد بها القمم ؟! وأيُّ كائن هذا الذي سيتحمّل أثقال تراجيديا العصر في القرن الواحد والعشرين ويعبّر عنها في كلمات ؟! وكيف نواجه عالمًا صامتًا، متبلدًا، متواطئًا، ينهار بمنظوماته وقيمه شرقًا وغربًا؟
هذه الأسئلة تشكّل مدخلًا إلى الرواية، التي تسعى إلى تصوير حجم الألم الذي يعيشه الإنسان العربي، وإلى التحدي الذي يواجهه الكاتب حين يحاول أن يترجم هذا الخراب إلى لغة تحفظ للإنسان كرامته وذاكرته. تنطلق الرواية من محاولة المزج بين زمنين مفصليين في التاريخ السوري ، مرحلة السبعينيات ومطلع الثمانينات، ومرحلة الثورة السورية في آذار 2011، هذه المقاربة التاريخية لا تُقدَّم بشكل توثيقي، بل تُروى من خلال حكايات شخصيات عاشت آلام تلك الأحداث، ودفع بعضها أثمانًا باهظة من حياتها في المعتقلات والمطاردة ومواجهة الموت، ضمن سياق اجتماعي وسياسي مضطرب.
يحرص الكردي على أن لا تطغى السياسة على أدبية النص، فيستخدم تقنية تعدد الأصوات، ويترك للشخصيات حرية التعبير عن مكنوناتها، دون أن يفرض عليها أفكاره أو أهواءه. يتخفّى الكاتب خلف الشخصيات، ويمنحها صوتًا خاصًا، في محاولة للحفاظ على مسافة فنية تضمن للنص توازنه الجمالي والوجداني. هذا الأسلوب يمنح الرواية طابعًا تأمليًا، ويجعلها أقرب إلى شهادة إنسانية مفتوحة، لا إلى بيان سياسي أو سرد تاريخي.
ترانيم العتمة والضوء ليست مجرد رواية، بل هي وثيقة وجدانية عن عصر يتأرجح بين الانهيار والمقاومة، بين الصمت والصراخ، بين العتمة والضوء. وهي تندرج ضمن أدب ما بعد الكارثة، الذي لا يكتفي بالتوثيق، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي، وتقديم شهادة فنية على ما يحدث من تحولات دامية في العالم العربي. إنها دعوة إلى أن تظل الكلمة حيّة، نابضة، قادرة على أن تضيء ولو في أضيق فجوة من ظلام، وأن تكتب وجع الإنسان بلغة الشعر والدم، لا بلغة الأرقام والنشرات. جاءت الرواية في 244 صفحة من القطع المتوسط.