مازال الطريق إلى سوريا جديدة طويلاً وشائكاً، محفوفاً بالتعقيدات التي تراكمت عبر عقود، وتفاقمت خلال سنوات الصراع العاصفة. طريق لا يمكن اختصاره بخطاب عاطفي، ولا تجاوزه بشعارات طموحة، بل يحتاج إلى بداية صحيحة، قوامها الاعتراف بالواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
لقد اعتاد الخطاب السوري، بمختلف اتجاهاته، على تقديم صورة انتقائية للواقع: السلطة تُصرّ على سردية النصر والسيطرة، والمعارضة تتمسك بسردية الثورة المستمرة والانتصار المؤجل. أما المجتمع، المنهك بين هذين الخطابين، فيعيش حالة من التيه والخذلان، بين ما يُقال على المنابر وما يُعاش في الواقع اليومي. وفي ظل هذا الانفصال بين الخطاب والواقع، يضيع الطريق نحو التغيير الحقيقي.
الاعتراف بالواقع ليس ضعفاً ولا تراجعاً، بل هو الخطوة الأولى في طريق الإصلاح الوطني. فكما لا يستطيع الطبيب معالجة مريضه من دون تشخيص دقيق، لا يمكن لوطنٍ مثخن بالجراح أن ينهض من دون مواجهة صريحة مع ذاته. علينا أن نسأل أنفسنا بجرأة: ماذا بقي من الدولة؟ ما حال المجتمع؟ ما الذي تعلمناه من تجربتنا القاسية؟ وهل ما زلنا نرى في الآخر خصماً يجب إلغاؤه، أم شريكاً لا بد من مصافحته لبناء المستقبل؟
الطريق إلى سوريا جديدة لا يمكن أن يُرسم في أذهان معزولة عن الواقع، ولا في غرف مغلقة تحكمها الأيديولوجيات أو الولاءات. بل في حوار وطني صريح يشارك فيه الجميع، يعترف بالأخطاء من كل الأطراف، ويضع مصلحة البلاد فوق أي انتماء أو شعار.
إن الخلاص لا يأتي من الخارج، ولا يُصنع بقرارات فوقية، بل ينبع من إرادة داخلية حقيقية، تُقرّ أولاً بما هو قائم، ثم تعمل على تغييره بخطوات واقعية ومدروسة.
سوريا التي نحلم بها — دولة المواطنة والعدالة والقانون — لن تُبنى على الإنكار والمكابرة، بل على شجاعة الاعتراف ومسؤولية الفعل. والاعتراف بالواقع ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ البداية التي يمكن أن تفتح الباب أمام مصالحة وطنية حقيقية، وإعادة بناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على قيم الحق والمواطنة والكرامة.
ربما يبدو هذا الطريق طويلاً، لكنه الطريق الوحيد الممكن. فكل محاولة لتجاوزه بالقفز فوق الحقائق، أو بإعادة إنتاج الماضي، لن تؤدي إلا إلى الدوران في الحلقة ذاتها. إن البداية الصحيحة، مهما كانت مؤلمة، تظل أفضل من الاستمرار في الوهم. ومن هنا، فقط، يمكن أن تبدأ سوريا الجديدة التي تستحقها أجيالها القادمة.