يبدو أن ملف اللاجئين السوريين يتجه ليصبح أكثر من مجرد قضية إنسانية أو سياسية منفصلة، إذ تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى أداة تفاوض إقليمية ودولية تحمل في طياتها احتمالات جديدة لإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق والعواصم الأوروبية. فحين أعلن وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت عن السعي لاتفاق مع دمشق يتيح ترحيل المدانين والمرفوضة طلباتهم، بدا الأمر كاختبار سياسي جديد يمكن أن يعيد فتح الملفات المجمّدة بين أوروبا وسوريا.
تحوّل الملف الإنساني إلى أداة سياسية؟
منذ العام 2015، شكّل تدفق اللاجئين إلى أوروبا واحدة من أعقد أزمات الاتحاد الأوروبي الداخلية، إذ لم يعد الملف محصوراً في بعده الإنساني، لكنه تحوّل إلى ساحة صراع بين تيارات سياسية تتنازع حول الهوية والأمن والاقتصاد. وفي السنوات التي تلت، بدأ المنحى يتحول نحو “إدارة الأعداد” بدلاً من “استيعابها”، فظهرت مقاربات قانونية وأمنية جديدة تتجاوز فكرة اللجوء التقليدية نحو مفهوم “العودة المراقبة” أو “الإعادة المبرمجة”.
ضمن هذا الإطار، تُوظّف بعض الحكومات الأوروبية الملف السوري لتبرير إعادة التواصل الأمني مع دمشق خلال الفترة الحالية، بحجة الحاجة إلى قنوات رسمية لتنفيذ قرارات الترحيل. لكن هذا التبرير قد يخفي في طيّاته تحوّلاً أعمق في النظرة الأوروبية إلى سوريا، من دولة منبوذة سياسياً في عهد نظام الأسد إلى طرف يُعاد إدخاله تدريجياً في نظام التبادل والمصالح.
لقد شهدت ألمانيا في الآونة الأخيرة سجالاً سياسياً حاداً داخل البرلمان (البوندستاغ) بعد اقتراح وزير الداخلية إنشاء مراكز أوروبية مشتركة لترحيل اللاجئين المرفوضة طلباتهم. الأحزاب اليسارية والخضر حذّرت من خطر انتهاك حقوق الإنسان وتحويل أوروبا إلى “حصن مغلق”، في حين دافعت الأحزاب المحافظة عن الفكرة باعتبارها وسيلة “لحماية الأمن القومي وضبط الهجرة”. هذا الانقسام يعكس عمق المأزق الأوروبي بين خطاب القيم وضرورات الأمن. وبذلك، تغدو أي ترتيبات محتملة مع دمشق رهينة لتوازنات داخلية دقيقة لا يمكن تجاوزها بسهولة.
تتحرك برلين باتجاه مراجعة شاملة لوضع الحماية الممنوحة للسوريين، بدءاً من فئة الشباب القادرين على العمل، مع احتمال سحب الحماية ممن زاروا سوريا بعد حصولهم على اللجوء. كما أعلن وزير الداخلية الألماني عن مساعٍ للتوصل إلى اتفاق مع دمشق يسمح بترحيل المدانين قضائياً أولاً، ثم الرافضة طلباتهم لاحقاً. هذا التحول لا يقتصر على ضبط الحدود أو تسريع الإجراءات، إنما يعكس رغبة سياسية في تحويل الملف السوري من وضع “حماية مؤقتة” إلى إدارة قانونية دائمة داخل النظام الألماني نفسه، ما يمهّد لمرحلة جديدة من التعامل المؤسساتي مع السلطة في دمشق ولو بشكل محدود.
كذلك يشهد النقاش الأوروبي بشأن ملف اللاجئين السوريين تحوّلاً واضحاً في الأسلوب واللغة، فبعد سنوات من القطيعة، باتت عدة عواصم تميل إلى مقاربة أكثر واقعية، تُراعي التحولات التي طرأت على المشهد السوري، وقد أصبح واضحاً لدى عدد من صانعي القرار الأوروبيين أن تجاوز الجمود السياسي بات ضرورياً لإيجاد حلول عملية وفعّالة للتحديات المشتركة، وفي مقدمتها ملف اللاجئين الذي يفرض استحقاقاته الأمنية والإنسانية من دون تأجيل.
في هذا السياق، تبرز مقاربة أوروبية أكثر براغماتية، تقوم على فتح قنوات تنسيق تقنية مع دمشق، خاصة في الملفات التي تتطلب ترتيبات ميدانية وتعاوناً مباشراً. ويتقدّم ملف اللاجئين هنا بوصفه المسار الأنسب لإطلاق هذا النوع من التعاون، لما يتيحه من بناء ثقة تدريجية وإدارة مشتركة لتحدٍّ له أبعاد محلية وإقليمية متشابكة.
وكانت قد أشارت ورقة بحثية نشرها مركز كارنيغي في شباط الماضي، إلى أن عدداً من العواصم الأوروبية بدأ بفتح قنوات اتصال غير معلنة مع دمشق الجديدة عبر ملف اللاجئين، باعتباره مدخلاً لتطبيع تدريجي من دون اعتراف سياسي كامل، تمهيداً لدور أوروبي في إعادة الإعمار.
في حين ذكر التقرير الذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في واشنطن، مطلع آب الماضي، بأن تحديات البنية التحتية والأمن والخدمات تجعل العودة الواسعة للاجئين أمراً غير ممكن حالياً، ويقترح مقاربة مرحلية بين أوروبا وسوريا تعتمد على “العودة الاختيارية التدريجية” ضمن أطر مراقبة دولية.
وفي الوقت الذي تختلف فيه وتيرة التفاعل بين العواصم الأوروبية، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى تبنّي فهمٍ أكثر مرونة للواقع السوري الجديد، ورغبة متزايدة في معالجة هذا الملف من خلال مقاربات متزنة تعترف بضرورة الشراكة مع الحكومة السورية الجديدة في الملفات ذات الأولوية، وعلى رأسها تنظيم العودة الآمنة للاجئين، وتوفير المسارات القانونية والإجرائية التي تضمن الاستقرار للطرفين.
دمشق شريك محتمل في إدارة الحلول
توماس بيلمر، الباحث البلجيكي في السياسات الأوروبية والشرق أوسطية، والمختص في قضايا الهجرة والتحول السياسي بعد النزاعات، اعتبر خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن الاستفادة الأساسية بالنسبة لدمشق تبدأ من تحويل موقع الدولة من كونها مصدر مشكلة إلى شريك في الحل، وهذا الانتقال في التصنيف له رمزية كبيرة. “فدمشق تُعرض الآن من بعض الجهات الأوروبية كجهة يمكن التنسيق معها لضمان العودة. هذا التحوّل في الخطاب يمنح السلطة الجديدة شرعية دبلوماسية منخفضة التصعيد لكنها تصاعدية في مضمونها، تتيح لها تدريجياً استعادة شبكات التواصل المجمدة، خاصة على مستوى الأجهزة الأمنية، وزارات الداخلية، وحتى بعض الإدارات القنصلية”.
سياسياً، اعتبر بيلمر أنه يمكن لدمشق توظيف أي اتفاق محدود مع الأوروبيين كبرهان على أنها “أصبحت حلاً”، وأن استقرارها السياسي بات مصلحة دولية. وتابع بالقول: “يمكن استخدام هذا التقدّم التقني للدفع نحو مفاوضات أوسع تشمل ملفات الاقتصاد، وربما الشروع في مفاوضات ثنائية مع بعض الدول”.
إضافة إلى ذلك، فإن الانخراط في هذا النوع من التنسيق بحسب الباحث البلجيكي يمنح دمشق مساحة مناورة سياسية بين المحاور الدولية، إذ تظهر أمام العواصم غير الغربية كطرف فاعل يعيد اختراق النظام الدولي عبر أدوات سيادية (اللاجئون، الترحيل، التوثيق، الأمن).
في سياق مواز، اعتبر بيلمر بأن كثيرا من العواصم الأوروبية لم يعد قادراً على التعامل مع ملف اللاجئين السوريين كحالة إنسانية دائمة ومفتوحة، خاصة في ظل تصاعد الخطاب الشعبوي والضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية. وبالتالي، فإن فتح قناة تواصل مع دمشق بشأن اللاجئين يُنظر إليه الآن كحاجة أمنية داخلية مدروسة، هدفها تقليل التكاليف، واستعادة السيطرة الإجرائية على ملف بقي عالقاً لعقد كامل.
وأضاف بالقول “يمكن لأوروبا أن تقدّم هذه الخطوة داخلياً على أنها إجراء وظيفي لضمان ترحيل قانوني ومدروس، أو لتسهيل العودة الطوعية ضمن ضمانات. هذه الصيغة تحفظ للاتحاد الأوروبي خطابه القيمي، وفي الوقت نفسه تُرضي قطاعات واسعة من الناخبين المتذمّرين من استمرار اللجوء دون أفق زمني”.
وتابع “الفائدة الثانية تكمن في أن التواصل مع دمشق يُعيد للأوروبيين بعض الوزن السياسي في الملف السوري، بعدما تم تهميشهم لصالح دول إقليمية. عبر الدخول من بوابة اللاجئين، تستعيد بعض العواصم الأوروبية موقعها التفاوضي في مستقبل سوريا، ولو بوسائل غير مباشرة. ويمكن استخدام هذا المسار لاحقاً للدخول في تفاهمات أوسع تشمل مشاريع إعادة الإعمار، أو الضغط باتجاه تغييرات مؤسساتية داخل سوريا، يتم تسويقها كمقابل لاستمرار التعاون”.
كما أن إدارة ملف اللاجئين مباشرة مع دمشق، بحسب بيلمر، يتيح للأوروبيين تفكيك شبكة التهريب والهجرة غير الشرعية عند جذورها، “عبر تبادل معلومات، أو حتى ترتيب ممرات عودة آمنة ومنظمة. كل ذلك يُترجم داخلياً على شكل ربح سياسي مباشر، خاصة في ظل الحملات الانتخابية الأوروبية المتزايدة الاستقطاب”.
ورقة تواصل نادرة
في ظل المتغيرات التي طرأت على المشهد السوري، لم يعد بالإمكان فصل مقاربة ملف اللاجئين عن طبيعة النموذج السياسي الذي تتجه إليه دمشق. فطريقة التعامل مع هذا الملف لا تقتصر على الجانب الإنساني أو الإجرائي، إنما تنطوي على فرصة جوهرية لإبراز نمط حكم يقوم على الانضباط المؤسساتي، منفتحة في الوقت ذاته على آليات تعاون فني مع الجهات الدولية ذات الصلة. بهذا المعنى، تصبح قضية اللاجئين مساحة لإعادة تقديم دمشق في صورتها الجديدة، كطرف فاعل في إنتاج السياسات العامة وتنفيذها من موقع شراكة متكافئة.
إضافة إلى ذلك، فإن قدرة دمشق على تأمين ظروف عودة آمنة وكريمة، وإعادة دمج اللاجئين في بيئة اجتماعية وخدمية مستقرة، ستكون عاملاً رئيساً في تعزيز موقعها السياسي إقليمياً ودولياً. هذه القدرة ستُراقب أيضاً باعتبارها اختباراً لمدى جاهزية المرحلة الجديدة لبناء الثقة من جديد مع العالم الخارجي، انطلاقاً من التزامات واضحة تجاه حقوق الأفراد وسيادة القانون.
ومع اتساع إدراك العواصم الأوروبية للتبعات الهيكلية المستمرة لأزمة اللجوء السوري، بدأ يتشكل منظور جديد ترى فيه بعض القوى الدولية أن الشراكة العملية مع دمشق باتت ضرورة إقليمية لتقليص المخاطر المرتبطة بالحركة السكانية غير المنظمة، وفق الرؤية الأوروبية. ومن هذا المنظور، يمكن أن تتبلور مقاربة ترى في دمشق طرفاً محورياً في إنتاج الاستقرار الحدودي والجغرافي.
هذه المقاربة تعيد التموضع السياسي لسوريا بوصفها ضامناً محتملاً لاستقرار النسيج السكاني، ليس فقط على أراضيها، بل أيضاً في محيطها المباشر. وبهذا، يتحول ملف اللاجئين إلى مدخل لبناء منظومة تفاهمات مرنة مع الاتحاد الأوروبي، تشمل الأمن الإنساني، البنية المؤسسية للعودة، والمسارات الإجرائية المشتركة. ورغم أن هذه الشراكة قد لا تأخذ بالضرورة شكلاً دبلوماسياً تقليدياً مباشراً، إلا أنها تتيح بنية تواصل قابلة للتوسّع، وتُمهّد لإعادة تطبيع تدريجي للعلاقات بناءً على الأداء والتفاهمات المتبادلة.
كذلك فإنه في ظل ما يشهده المزاج الأوروبي من تحولات داخلية مرتبطة بالهوية والسرديات الانتخابية، تُتاح أمام الحكومات فرصة لإعادة إنتاج خطاب متوازن تجاه قضية اللاجئين، يستند إلى مفاهيم العودة الطوعية المدروسة والشراكة المؤسساتية مع دمشق الجديدة. فبدلاً من المزاوجة المتوترة بين حماية اللاجئ واحتواء الضغط الداخلي، يمكن لتواصل مدروس مع دمشق أن يوفّر مساحة سياسية آمنة لتقديم حلول واقعية، تتجنب التصعيد السياسي وتمنع من جهة أخرى استمرار اللجوء بوصفه حالة دائمة أو عبئاً لا نهاية له.
هذا النوع من التفاهم يمنح العواصم الأوروبية أداة لتخفيف حدّة الانقسام الداخلي حول ملف الهجرة، خصوصاً في سياقات انتخابية متوترة كألمانيا والنمسا وفرنسا، ويتيح بناء سردية سياسية جديدة لا تقوم على الإنكار أو الطرد، بل على إعادة الربط المنظّم بين اللاجئ ووطنه، وفق آليات حقوقية وتنسيق مباشر مع سلطات تعمل على تثبيت الاستقرار. وذلك في وقت أظهر التقرير الذي نشرته قناة “يورو نيوز” في أيلول الماضي أن نحو 81٪ من اللاجئين السوريين في أوروبا لا ينوون العودة خلال السنة المقبلة، وفقاً لاستبيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ويرجع ذلك إلى غياب الضمانات القانونية والأمنية الواضحة في الداخل السوري.
إذا استطاعت دمشق أن تُظهر جاهزيتها المؤسسية لمعالجة هذا الملف، وتمكّنت أوروبا من تحويل هذا التعاون إلى فرصة لإعادة تموضعها في الملف السوري، فإن ما يتشكل فعلياً هو منصة شرعية جديدة لعلاقة سياسية متوازنة. الطرفان معاً يحتاجان إلى هذه المساحة؛ دمشق لإعادة تثبيت موقعها الخارجي ضمن منطق شراكة، وأوروبا لبناء سياسة هجرة واقعية تتجاوز منطق الطوارئ إلى مقاربة استراتيجية. وبهذا، يصبح اللاجئون من دون أن يُنتقص من حقوقهم أحد المفاتيح الجوهرية لإعادة رسم العلاقة السورية–الأوروبية، وعبر مسار يقوم على التدرّج، والاستجابة الذكية، وبناء الثقة المتبادل.
