“من لم يسمع طبول الحرب العالمية الثالثة تقرع فهو أصمّ”… عبارة صادمة ومدوية، لكنها لم تكن عابرة، بقدر ما كانت قراءة عميقة تدلّل على مجريات الأحداث التي شغلت الشرق الأوسط وقلب أوروبا بدءاً من سورية والقرم وبعدهما في أوكرانيا طوال العقد المنصرم. ففي نهاية العام 2014، أطلق تلك الجملة هنري كيسنجر، أشهر منظري ومخطّطي السياسات الاستراتيجية الأميركية والسياسة العالمية في العقود الماضية، ولم يتأخّر عنه ألكسندر دوغين، عقل الجيوبوليتيك الروسي، بتوقع حدوثها وذلك في 2016. وبلغت تلك التحذيرات أشدّها في 2022 حين أعاد كيسنجر، ومن خلفه كثيرون من سياسيي العالم، تحذيراتهم من شدّة تأزم الوضع الأوكراني وضرورة الاستعجال بالتسوية الروسية الأوكرانية تفادياً لمواجهة عالمية قيد النشوب وستكون شديدة الخطر عالمياً وأوروبياً.
لم تحدث الحرب العالمية الثالثة بعد، لكن طبولها تقرع إقليمياً وبشدة في الشرق الأوسط، فها هما أميركا وإسرائيل تشنّان حرباً واسعة على إيران، أدّت في نتائجها الأولى لمقتل قادة النظام الإيراني بدءاً من مرشده الأعلى، وصولاً إلى الصف الأول في قيادة الحرس الثوري، ودمار معظم ترسانته العسكرية، خصوصاً الصواريخ بعيدة المدى. في المقابل، تردّ إيران بضرب مدن الخليج العربي وإسرائيل برشقات متتالية من صواريخها مهدّدة أمن الخليج والشرق الأوسط ومضيق هرمز، ولا أحد للحظة يمكنه توقع إلى متى وكيف ونتائج هذه الحرب!
يدرك كل من يقرأ السياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين جيداً أن نشوب مواجهة عالمية مباشرة، كما حدث في الحربين العالميتين، خطر هائل على الكرة الأرضية برمتها، ويحاول صنّاع القرار العالمي بعمومهم تجنّبها. والسبب الرئيسي والمباشر لتجنّب مواجهاتٍ كهذه فائض القوة النووية التي يمتلكها جميع الخصوم العالميين، والتي في حال نشوب أي نزاع بين أي منها ستخرج معادلة الحرب عن السيطرة، سواء بتحرّك الأسلحة المضادّة ذات الدمار الشامل بشكل تلقائي أو دخول أطراف أخرى في معادلة حرب عالمية يصعب توقع نهاياتها. فرضت هذه المحاذير الخطرة تغييراً في معادلات الحروب الدائرة ومساراتها على ساحة الكرة الأرضية، والتي تشبه حرباً عالمية، من دون مواجهاتٍ مباشرة بين الدول الكبرى، بقدر تحوّلها إلى اقتطاعات جزئية، أو كسب نقاط متقدّمة في المعادلة العالمية على خطوط التماس وحافة الهاوية. حيث أظهر التقدم الروسي في أوكرانيا فرض شروط واقع جديد في المعادلة العالمية، سواء بالاستيلاء على نصف أوكرانيا والدخول في العمق الأوروبي، أو الوصول إلى مياه البحر الأسود. سمتها وميزتها الأوضح التوسّع في عمق المعادلة العالمية وربط خطوطها البرية بالوصول إلى المياه الدافئة الجنوبية بالنسبة لروسيا، من دون مواجهة أوروبية أو عالمية مباشرة، وكلاهما نقطتان محوريتان في نظرية الجيوبوليتيك الروسي الصاعد منذ العام 2014، بدءاً بالقرم وبعدها في سورية والوصول إلى البحر المتوسط والأسود لاحقاً. والأوروبيون والأميركان حبسوا أنفاسهم لتفادي أي انزلاق عالمي واسع!
تحجيم إيران ضرورة كبرى، لكن مصلحة الشرق الأوسط والخليج العربي يجب أن تكون أولوية
في هذه المسارات، لم تتأخر السياسة الأميركية وتحذيراتها المتتالية لاستيعاب ولجم أخطار الفورة الروسبوتينية الجيوبوليتيكية هذه، فمبكراً أوصت الخارجية الأميركية، في تقريرها السنوي عام 2014، بضرورة مراقبة المشهد العالمي الذي يُنبئ بعودة الجيوبوليتيك الدولي إلى موقع التنفيذ كما كان قبيل الحرب العالمية الثانية، إذ لاحظ التقرير تمدّد الصين العالمي اقتصادياً وتقنياً، والتوسّع الإيراني في الشرق الأوسط في العراق وسورية ولبنان وصولاً إلى اليمن، والتحرّك الروسي المعزّز عسكرياً وكلاسيكياً من خلال ملفي سورية والقرم الأوكرانية، والتي أتمتها فعلياً بالتحرّك والامتداد العسكري المباشر في سورية 2015، وبعدها في أوكرانيا 2022، وما بينهما التحرّكات الجزئية في ليبيا وأرمينيا وفنزويلا، عدا عن تمدّدها الاقتصادي والسياسي الموازي في أفريقيا والخليج العربي.
في المقابل، لم تتوقف السياسة الأميركية عن متابعة المشهد العالمي عن كثب، وعملت على استيعابه وتغيير طريقة تعاملها معه ومتابعة تراجعها التدريجي. فانسحاب روسيا الكبير نسبياً من سورية، وعدم قدرتها على فرض شروطها الكلية في ملف أوكرانيا، وتراجعها عن ملفّاتٍ كثيرة سابقة في أثناء قمة فورتها، رافقها تحرك أميركي في اتجاهات متعددة في فنزويلا والخليج العربي وملفات اليمن ودعمها استقرار سورية والعمل على منع عودة إيران إليها بعد سقوط نظامها السابق وإخراج كامل مليشياتها منها، وتحجيم دور حزب الله في لبنان أيضاً.
تسعى أميركا اليوم جاهدة إلى القبض المباشر على الطرق البرّية التي تقطع الطريق على الامتداد الصيني في عمق الشرق الأوسط، أضف إلى العمل على إنهاء جميع القوى المنافسة في المنطقة وتحجيم وتقليم كامل أظافر النظام الإيراني منه، وإلزامه بتغيير سياسته الخارجية، إن لم يكن تغيير نظامه كاملاً. بحيث تنفتح المجالات الحيوية (المحيط الحيوي جيوبوليتيكياً)، أمام السياسة الأميركية وانحسارها أمام الصين وروسيا. إذ إن قطع المعادلة الأوراسية (الأوروبية- الآسيوية) بمركزية موسكو ومرجعيتها، عبر فتح ممرّات الهيمنة من إيران إلى أوكرانيا عبر تركيا، أدى إلى تقطّع أوصالها وتلاشي مفاعيلها، بدءاً من سورية التي كانت تمثل عقدتها، وصولاً إلى جمود الملف الأوكراني والبحث الجاد عن حلول تسووية فيها. وترافق ذلك مع انفتاح وتنسيق عربيين وتركيين وأميركيين واسعين في معادلات المنطقة، لتبقى عقدة إيران واستلزام حلها! وتعني إيران إغلاق المعادلة الأوراسية الروسية وقطع خطوط الإمداد البرّية الصينية، واستعادة أميركا تموضعها العالمي في الشرق الأوسط على مواقع الطاقة والتجارة العالمية البرّية في معادلة دوّارة للجيوبوليتيك. ولكن لمصلحة أميركيا هذه المرّة. وهنا المشكلة الإقليمية التي تُقرع طبول حربها عالياً اليوم! فهل إيران سهلة المنال؟
يبدو أن مفهوم العلاقات والتحالفات الدولية فقد مفعوله وتحول إلى معادلات جيوبوليتيكية دوّارة قائمة على الحرب والتحالفات محدودة الهدف
يبدو أن العنوان الأوضح الذي يجب أن نحذّر منه أن “طبول الحرب الإقليمية تقرع بقوة مسمعة من به صمم”، فالهجمات الجوية الأميركية والإسرائيلية منذ نهاية الشهر الماضي لا تُعلم نهاية لها رغم دعوة إيران للعودة إلى المسار التفاوضي في عُمان. لكن شروط التفاوض هذه المرة ليست كسابقتها، فهي شروط مفروضة تحت شرط القوة العسكرية، أي “التفاوض ورأسك في فم الأسد”! أي أن إيران ستقدّم التنازلات بهذه المفاوضات، فهل هذه ستكون النهاية، أم ستعمل إيران على توسيع دائرة الحرب والمتضررين منها، خصوصاً الخليج العربي، حتى لا تقدّم تنازلات كبرى؟ خصوصاً وأن محاذيرها خطرة جداً على أمن الخليج ومنطقة الشرق الأوسط برمّته. لهذا يبدو أن مسارات التفاوض قد تتغيّر مفاعيلها، والسبب ليس قوة إيران وقدرتها على الوقوف في مواجهة أميركا، بل قدرتها على التهديد المباشر والواسع للخليج العربي والشرق برمته، وهذا ما سنرى نتائجه قريباً.
يبدو أن مفهوم العلاقات والتحالفات الدولية فقد مفعوله وتحول إلى معادلات جيوبوليتيكية دوّارة قائمة على الحرب والتحالفات محدودة الهدف. ويبدو أن الملف الإيراني لن ينتهي دفعة واحدة بقدر قابليته للتفرّغ لجنوب لبنان وربما العراق، وقد يمتد أوسع من ذلك. ولكن معادلات الجيوبوليتيك هي الأوضح فيها كأداة قوة دوّارة تستخدمها القوى الكبرى في الوقت المناسب لحسم شروط الهيمنة العالمية مجدّداً، ما يهدّد السلم الإقليمي والعالمي. فهل يدرك صنّاع السياسة الدولية هذا الخطر؟
الأيام القادمة ستكون كاشفة، وتحجيم إيران ضرورة كبرى، لكن مصلحة الشرق الأوسط والخليج العربي يجب أن تكون أولوية، بينما وقع أقدام الحرب ثقيل فوق التصوّر فلن تستثني أيّاً ممن سيدخلونها، وهذا ما على دول الخليج العربي حسم أمرها فيه.
العربي الجديد