حسين جمو..
المزكز الكردي للدراسات
كتب الكثير عن «الدولة الأمة» و«الدولة القومية» في العالم بمساهمات من كبار المفكرين. بعضهم قدم نوافذ تبريرية للعنصرية، سواء بوعي أو من دونه، من حيث إن الدولة مبنية على التمييز كعقل مستقل متحيز وكأنها الحالة الطبيعية. وبعضهم عمل على تصويب انحرافات هذا النظام الذي يهيمن على الكيانات السياسية القائمة.
لكن أسوأ ما في الدولة القومية المشرقية أنها قامت على قوالب الدولة الأمة الأوروبية المبكرة، ورفضت التصويبات الأوروبية اللاحقة المتعلقة بتوسيع التمثيل والتعددية السياسية. وبذلك باتت الدولة عبارة عن نظام إبادة وتنكيل، مستندة إلى فائض تنظيمي للعنف ضد الفئات الأضعف وغير القادرة على الدفاع الذاتي.
تفكيك الجمهورية
منذ اضطرابات الربيع العربي، ثم مرحلة 7 أكتوبر 2023، لم يعد النظام القائم قادراً على الاستمرار بالأدوات القديمة الممتدة عبر مئة عام. وأول من أدرك هذا التحول، أي استحالة استمرار الشكل القديم للحكم، هم صنّاع القرار في تركيا وتحديداً المحارب الشرس ضد التعددية دولت باهجلي. وبات على «الدولة القومية الأحادية» أن تجدد نفسها، وترتقي إلى نموذج التعددية القومية.
ما يساهم في احتمال نجاح هذا الاتجاه أن الكرد في الشرق الأوسط، وهم مجتمعات ذات ثقافة محلية متجذرة وحيوية، اختاروا – في باكور وروجآفا (شمال وغرب كردستان) – «تغيير الدولة لتكون صالحة للحياة لهم ولغيرهم». هذا التغير الذي يقوده الحراك الكردي في شمال كردستان وتركيا مبني على تجربة شيفرة التغيير: تفكيك الدولة القديمة وبناء أخرى جديدة (بدون تحطيم الدولة). وهو ما يقتضي من الطرف الكردي امتلاك القدرة على تهديد الدولة القديمة؛ إذ بدون ذلك، أي من دون القدرة على تهديد النظام القديم، لن تدخل الدولة في مرحلة أرقى من التمثيل السياسي.
لذلك استهل زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان أهم رسائله (25 نيسان 2025) بخصوص مرحلة السلام مع الدولة التركية بالقول: «مَنْ يحاربون هم وحدهم القادرون على صنع السلام. القوى التي تشن الحرب وتشرف عليها وتتحمل تبعاتها هي وحدها القوى القادرة على صنع السلام وتحمل تبعاته ومسؤولياته».
بهذا المعنى، فإن الوسطاء وأصحاب المساعي الحميدة في الصلح هم مساعدون في السلام، لكنهم لا يصنعونه. والواقع أن المسار التغييري لحزب العمال الكردستاني يحظى بأهمية كبيرة في فهم مسارات القومية في الشرق الأوسط. فقبل كل شيء، في هذه المنطقة عليك أن تكون محارباً وفي يدك السلاح حتى تصل إلى السلام، وما من سبيل آخر أثبت أن له فرصة نجاح. كانت هذه خلاصة المقدمات الأولى التي أدلى بها الجانب الكردي.
والملاحظ أن الزعيم الكردي تحدث في رسائله الأخيرة كـ«محارب» يفاوض من أجل السلام أكثر من أي وقت مضى. ورغم ذلك فإنه ذكّر في رسالة لاحقة القيادات الكردية بأن أمام الدولة والكرد خياران: إما دولة ديمقراطية (للكرد والترك معاً)، أو دولة كردية. وفي مرة أخرى حدد أيضاً خيارين: إما دولة ديمقراطية أو انكفاء القومية التركية إلى الأناضول.
«أمة بلا دولة»
بسبب طبيعة النضال الكردي الطويل أمام الدولة القومية العربية والفارسية والتركية، شهدت مفاهيم القومية حراكاً فكرياً لافتاً في الجانب الكردي. لكن التناول الإعلامي النمطي للقضية الكردية أظهر الكرد كما كانوا قبل مئة عام: يقاتلون من أجل الانفصال. وعلى نبل هذا المسعى – الدولة القومية المستقلة – وأحقيته سابقاً ولاحقاً، فإن هذه الصورة المتعمدة كانت تُصنع تحت إشراف جهاز الجمهورية الإعلامي.
لم يُسمح للكردي بتقديم نفسه بغير الصورة التي تريدها الدولة: شخص يريد تفكيك الجمهورية وتحطيمها وإبادة أتراك الأناضول. بينما الحقيقة هي أن رأس حربة التغيير موجه إلى هوية الجمهورية نفسها: تفكيك الجمهورية القديمة وصياغة هوية جديدة تعددية، وليكن ذلك على أسس الميثاق الملّي المشترك.
كان أمراً مثالياً للجمهورية تكرار الكردي لنفسه منذ مئة عام، وتكرار الدولة لعنفها منذ مئة عام أيضاً. وكان من الخطورة على الدولة القومية في الأناضول أن يتمكن الكرد من حماية الأمة الكردية من دون دولة قومية. الوصول إلى هذه الصيغة، من الجانب الكردي، حطم أدوات الدولة في التنكيل، فلم تعد تعطي نتائج مرضية.
حين أشار أوجلان إلى أن حزب العمال الكردستاني بات يكرر نفسه منذ سنوات وأصابه الجمود، فإنه لم يغفل عن الجمهورية أيضاً التي بدأت بتكرار نفسها في وقت أبكر. المعادلة الحالية واضحة: المحاربون هم من يصنعون السلام، وشرط ذلك أن يكون المحاربان في الميدان حتى حين يكرران طريقة القتال ذاتها منذ 40 عاماً. النقطة الأهم هي أن تبقى قادراً على القتال حين يحين وقت السلام. وعندما عرّج أوجلان على موضوع غزّة والحرب هناك، استهجن فكرة الحرب غير المتكافئة في المدن بالقول: «إما أن تخضع لقوى الهيمنة (ويذكرها بالاسم: إسرائيل)، أو تكون في وضع يسمح لك بشن حرب متكافئة وحقيقية».
هذه المقاربة سيكون لها تأثير على نمط الكفاح الكردي الآن ومستقبلاً، وهو إثبات القدرة على إلحاق الخسائر بالخصم والاستعداد للحرب بأعلى درجات التعبئة. وهذا ما نجد مظاهره في قوات سوريا الديمقراطية خلال التوترات الأخيرة مع سلطة دمشق الجديدة.
ومن اللافت أن مداخلات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تقوم على تكريس الحلول القومية التقليدية، وذلك بإصراره على تحقيق «انسحاب وحدات حماية الشعب من المدن العربية» على سبيل المثال. هذا يعني عدم السماح بالتفاعل التدريجي التشاركي لما يسميه أوجلان – ويوافقه باهجلي- بـ«الوحدة الاجتماعية»، وهي مفهوم بديل عن الوحدة الطبقية والدولة القومية معاً.
هذه «الوحدة الاجتماعية» من شأنها تخفيف حاجة الدولة إلى العنف القومي، وتأسيس نظام موازٍ للحداثة الديمقراطية المناهضة لأسس الحداثة السائدة القائمة على ثلاثة مرتكزات: الدولة القومية، الرأسمالية، الثورة الصناعية/التكنولوجية. وهي المرتكزات التي وصفها أوجلان في رسالته المطولة بـ«فرسان نهاية العالم».
ويتضح جانب من أسباب مناهضة أوجلان للحداثة في الجزء الأخير من رسالته حين يناقش بدايات الأزمة القومية في المشرق، والتي بدأت بالإبادات كما هو معروف، من الإبادة الأرمنية إلى الإبادات الجزئية الكردية: «فالواقع الكردي تصدّع وانتهى مع بروز الحداثة. لقد أريد إنهاء الكرد وكردستان كمفهوم وظاهرة، على يد الجمهورية التركية. إن بروز عبارة مثل (كردستان المتخيلة تم دفنها هنا) هو اعتراف رسمي بالإبادة». والعبارة الأخيرة ظهرت على صدر صحيفة مليت التركية عام 1930 بعد القضاء على ثورة آغري بقيادة إحسان نوري باشا وجمعية خويبون.
كردستان مستعمرة.. ومقبرة اجتماعية
من المهم مراجعة مقاربات حزب العمال الكردستاني لمسألة القومية بعيداً عن الضغينة الأيديولوجية، سواء من قبل خصومه أو منافسيه، وبعيداً من العمى الأيديولوجي، وذلك لفهم عملية السلام الحالية في تركيا، وحتى في سوريا ولاحقاً إيران. كما يساعد ذلك في قياس الحجم الذي بلغته القضية الكردية وصمودها وسط حروب وويلات طاولت شعوب المنطقة كلها.
في بدايات تأسيس الحزب، كان السؤال الذي جمع الكوادر الأولى هو تقديم جواب ميداني على سؤال السبعينيات: «هل الكرد موجودون أم لا؟». كانت القضية الكردية قد بدأت تنهض، لكنها لم تتجاوز حالة الإنكار الإبادية من جانب الدول القومية. لذلك بقي السؤال الأساسي فعلاً: هل الكرد موجودون أم لا؟
وجاءت الإجابات من الأقاليم الكردية الرئيسية في تركيا والعراق وإيران وسوريا. وقد أدى حزب العمال الكردستاني المهمة الأصعب في تقديم هذه الإجابة أمام الجمهورية التركية. لكن بعد أربعين عاماً، هل حدث تطور أعلى من الإجابة بأن الكرد موجودون؟ لم تحدث عملية تحرير القومية الكردية. السبب في حالة تركيا، كما يصوغه أوجلان، هو الأيديولوجيا الاشتراكية. وعلى حد تعبيره: «انهارت الاشتراكية لكننا لم نسقط. رغم ذلك عشنا أزمة كبيرة». ويلاحظ أنه يميز، بشكل مضمر، بين «التحرير» و«تحقيق الحرية». إن تفاصيل مثل هذه المصطلحات النظرية أساسية من أجل فهم عملية السلام الحالية، والنتائج المتوقعة، والمدى الزمني الذي قد تُحصد فيه ثمارها.
تحقيق الحرية أصبح ممكناً لحل أزمة القوميتين الكردية والتركية، بما أن الحزب نجح في تقديم الكرد وتعريفهم. وللتأكيد على أن الحزب حقق أعظم أهدافه، يقول أوجلان: «لولا حزب العمال الكردستاني لاندثرت الثقافة الكردية مثلما اندثرت ثقافة المايا والأزتيك في أميركا اللاتينية، ولانقرض الكرد مثلما انقرض الهنود الحمر».
إلى جانب ذلك، فإن كردستان لم تعد تعيش مشكلة واحدة كبرى هي الاحتلال، وأن بزوال هذا الاحتلال تزول باقي المشكلات الصغيرة. وفي هذا السياق، تجاوز أوجلان مبدأ «كردستان مستعمرة». كانت هذه الجملة هي الانطلاقة الفكرية التي ضمت مجموعة طلبة جامعيين، منهم أوجلان، قبل خمسين عاماً. فما هي إذاً إلى جانب كون كردستان مستعمرة؟
نموذج بريطانيا
في رسالته لمؤتمر الحزب يرى أن هناك ظاهرة أكثر خطورة من «المستعمرة»، وأطلق عليها عدة أوصاف، من بينها «المقبرة الجماعية»، نتيجة عمق التمزق التاريخي الداخلي ومع مئة عام من تدخل الدولة في إفساد البنية الثقافية للمجتمع. بالتالي، الواقع الكردي ليس واقعاً استعمارياً فقط، ومن هنا يمكن فهم مسارات الحل المطروحة في التركيز على البناء الداخلي المرحلي. فمثلها مثل أي مجتمع شرق أوسطي، هناك مشكلات قد يكون من غير الممكن معالجتها من دون الاستعانة بالدولة ذاتها، بشرط أن تقوم على أسس من الهوية التشاركية (دولة متعددة القوميات). وفي مكان ما ألمح أوجلان إلى نموذج بريطانيا كحل أولي للبدء منه في تركيا، من دون أن يقدم تفاصيل أو تصوراً موسعاً.
ومن المعروف أن النموذج البريطاني، وهو ليس خالياً من القصور، يقوم على ائتلاف قوميات غير متكافئ تهيمن فيه القومية الإنجليزية على الإدارة العليا والاستراتيجيات، أي نموذج يقوم على «الاتحاد السياسي» تقوده قومية مهيمنة متمركزة في إنكلترا. ربما تكون البداية بنموذج شبيه في تركيا، اتحاد سياسي دستوري بين كردستان والأناضول بقيادة تركية.
هذا ما يمكن أن يصل إليه مسار السلام في مرحلته الأولى، لكن الجانب الذي يجب أن يحظى بالانتباه أيضاً هو مقدار التحول المطلوب من الجمهورية أن تبادر إليه حتى تقترب من النموذج البريطاني في إدارة أقاليم شبه دول (ويلز، اسكتلندا، إيرلندا الشمالية). مع ذلك، لا يوجد نموذج يتم العمل عليه كبرنامج تفصيلي. التصور البريطاني مجرد مقاربة. قد يكون هناك ما هو أفضل في تركيا وكردستان، حيث لن تكون «دولة أمة» بالمعنى الكلاسيكي، ولن تعود «دولة قومية» احتلالية، بل اتحاد سياسي متعدد القوميات.
دينامية ذاتية للإبادة
من المهم فهم هذه الجوانب المعقدة في علاقة المجتمع بالدولة، ولماذا يتبنى حزب المساواة والديمقراطية (دم بارتي) في البرلمان التركي أيضاً مفهوم «الوحدة الاجتماعية» على مستوى الجمهورية وكردستان معاً، حيث هناك إمكانية لبناء قوميات متعددة داخل الدولة الواحدة من دون تحويلها إلى نظام حرب أهلية.
هذا يتطلب عملية مراقبة ورعاية ومقاربة تقوم على المسؤولية من قبل المعنيين في كافة الأطراف. فالجمهورية، خلال مئة عام من نظام التنكيل والمحو الثقافي، خلقت دينامية ذاتية لدى الكرد لإبادة أنفسهم، عبر وكلاء يصفهم أوجلان بـ«اللجان الكردية»، على غرار «اللجان اليهودية» التي تعاون أفرادها مع النازية والفاشية لإعداد قوائم حرق اليهود مقابل نيل حياة أطول قد لا تتعدى 24 ساعة، وفق قاعدة: «أنقذ عائلتك وتخلَّ عن مجتمعك». وهذا النظام استهلكته الجمهورية من كثرة لجوئها إليه، وبدأ منذ عفو عام 1961 حين اشترطت مجموعة ألب أرسلان توركيش في اللجنة العسكرية الانقلابية على الكرد المنفيين العودة مقابل التخلي عن الكردية، هوية وثقافة وسياسة.
لذلك يشير أوجلان في نهاية الفقرة الخامسة من رسالته إلى حقيقة أنه «من الآن وصاعداً سيكون النضال وستكون المقاومة موجهة إلى الداخل. المرحلة القادمة ستكون مرحلة بناء الذات. لذلك يجب تحقيق السلام والمجتمع الديمقراطي. هذا هو التحدي الذي نواجهه الآن».